في ذروة الأزمة المالية في اليونان، وضع وزير مالية اليونان السابق يانيس فاروفاكيس خطة لإنشاء نظام مدفوعات موازية من نظير إلى نظير، يعتمد على مفهوم «بلوك تشين» أو «سلاسل الكتل». على الرغم من ذلك، يقول فاروفاكيس: «لم تثر بيتكوين إعجابي أبدًا، لكنِّي قلت منذ البداية إن البلوك تشين يُعدّ حلًا استثنائيًا لمشاكل لا نتصورها الآن».

أجرى الكاتب توم أبتشيرش لقاءً مع فاروفاكيس – الذي عرف عربيًّا بمقاله: كيف أصبحتُ ماركسيًّا ضالًا، نشره موقع Wired، عن رأيه في عملة بيتكوين، وفي تقنية بلوك تشين التي تقوم عليها العملات الرقمية، وعن رؤيته لإصلاح أوروبا من خلال بلوك تشين.

بيتكوين «فقاعة مثالية»!

شبّه فاروفاكيس النمو السريع في قيمة بيتكوين بالفقاعة الاقتصادية لزهور التوليب في هولندا في القرن السابع عشر. فسَّر فاروفاكيس ذلك قائلًا: «كل ما عليك فعله هو أن تُلقي نظرة على رسمين بيانيَّين: الأول يعبِّر عن قيمة البيتكوين بالدولار بمرور الوقت والتي تشهد تزايدًا أُسيًّا، والثاني يوضِّح عدد المعاملات التي تتمّ والخدمات والسلع التي يتم شراؤها باستخدام بيتكوين»، مشيرًا إلى تضخّم سعر بيتكوين مقارنةً باستخدامه الفعلي. لذلك، يرى فاروفاكيس أن بيتكوين ما هي إلا فقاعة بدون شك.

يرى البعض بيتكوين ملاذًا آمنًا من العملات الوطنية، بالأخص العملات التي عانت من التضخُّم خلال سياسة التيسير الكمي. لكن فاروفاكيس يرفض هذا الرأي، لأنَّ الأصول التي تعتبر ملاذًا آمنًا مثل الذهب والدولار لا تشهد قيمتها تقلبات حادة تناظر ما تشهده بيتكوين. لذا يرى فاروفاكيس الرأي بأن المستثمرين يفرُّون من العملات الورقية للأصول الثابتة هو رأيٌ خاطئ.

وقد أكد فاروفاكيس أن قيمة بيتكوين نابعة من اندفاعٍ غير عقلاني، إذ إنه عندما يصاب المستثمرون بهوس المضاربة والجشع والثقة الزائدة فإنهم يتخذون قراراتٍ غير منطقية مبنية على عاطفتهم فقط.

وقد رفض فاروفاكيس التنبؤ بموعد انهيار بيتكوين؛ وذلك لأنه «في النظم الديناميكية غير الخطية، يُعد التنبؤ بموعد انفجار الفقاعة مستحيلًا»، بحسب ما ذكره فاروفاكيس. ومع ذلك، أشار فاروفاكيس أنه ليس قلقًا في حال انهيار «فقاعة» بيتكوين، فهي لن تتسبب في أزمة مالية كُبرى بالنظر إلى حجم سوقها، والذي ما زال ضئيلًا، فهو يمثل نحو 0.25% من سوق الأسهم، ونحو 0.083% من سوق العقارات، و0.033% من سوق المشتقات المالية عالميًا.

«وهم» العملة اللاسياسية

عادة ما يتم انتقاد بيتكوين للقيود التقنية عليها، مثل استهلاكها للطاقة، وهيكلها الفوضوي، وبطء معاملاتها، وسريّة هوية المستخدم. يتفق فاروفاكيس مع هذه الانتقادات، غير أنه ينتقد ما وصفّه بـ«خيال المال اللاسياسي». يرى فاروفاكيس أن المال في حد ذاته سياسيّ، وأن القرارات المتعلقة به – مثل متى يتم إنتاجه، وكيفية توزيعه – تترتب عليها عواقب سياسية كُبرى، مثل تفضيل فئات اجتماعية على أخريات. وأشار فاروفاكيس إلى أن عدم تحكّم أي جهة في بيتكوين، يعني أنه لا أحد مسئول عن توزيعها، مما يترتب عليه آثار اجتماعية وسياسية عميقة عند حدوث الأزمات، على حد وصفه.

وقد أوضح أبتشيرش  – محاور فاروفاكيس – معنى الطبيعة السياسية للمال، من خلال النظر إلى كيفية استجابة الحكومات للأزمات المالية. عند حدوث أزمة مالية كبيرة، عادةً بسبب عجز المدينين عن سداد الديون، فإن المعروض النقدي يقل، وهنا تمتلك الحكومات الخيار ما إذا كانت ستقوم بتعويض هذا المال أم لا. عدم تعويض المعروض من خلال طباعة المزيد من النقود، وبالتالي التسبب في التضخم، وبذلك تستطيع الحكومة تحويل عبء الأزمة إلى المدينين.

أما إذا قررت الحكومة تجديد النقود المعروضة، كما حدث في 2008 عن طريق التيسير الكَمّي (قيام البنك المركزي بشراء أو بيع السندات الحكومية قصيرة الأجل من البنوك)، لتخدم بذلك الشركات الكبيرة، بحسب ما ذكره فاروفاكيس. أما الخيارات البديلة، مثل إنشاء بنك جديد للاستثمار العام يستثمر في البنية التحتية أو التعليم أو الرعاية الصحية، فلها تداعيات سياسية مختلفة تمامًا. وأوضح فاروفاكيس أن أيًا كان القرار الذي تتخذه، حتى وإن كان القرار فعل لا شيء، فهو عبارة عن قرار سياسي.

يرى فاروفاكيس أن الفلسفة الأساسية التي يقوم عليها بيتكوين، وهي تحديد كمية المعروض من المال مسبقًا دون النظر إلى دورة الأعمال أو حالة الاقتصاد أو العملية السياسية، أي أنها معزولة تمامًا عن أنظمة صنع القرار، والتي تتخذ قرارات تحدد توزيع الثروات بما يناسب الأزمة. على النقيض، يرى فاروفاكيس أن خوارزمية بيتكوين ترسّخ وتؤكّد على عدم المساواة في الثروة.

في حين أن بيتكوين تعمل بخوارزمية تتحكم في إنتاج المال فقط، ماذا لو صمم شخص ما خوارزمية جديدة تتحكم في كل من إنتاج المال وتوزيعه بشكل أكثر إنصافًا؟

يُصرّ فاروفاكيس على أن العملية الديموقراطية لا يمكن استبدالها بأيِّ نظامٍ آخر، وذلك لاختلاف الناس في تعريفهم لمفاهيم العدل والإنصاف والمساواة. لذلك، يرى فاروفاكيس أن المجتمعات البشرية لا يمكن أن تتفق بشكل جماعي على عملية تكنولوجية غير سياسية، تقوم على خوارزمية لإعادة توزيع الثروة.

على الرغم من الانتقادات اللاذعة التي يوجهها فاروفاكيس لبيتكوين، إلا إنها تكتسب المزيد من المؤيدين يومًا بعد يوم، كما بدأت البلدان التي تعاني من الأزمات، مثل فنزويلا، تتجه إلى العملات الرقمية بديلًا لعملتها الضعيفة. إذًا، هل يعتقد فاروفاكيس أن «العملات المشفرة» يمكن أن تحلَّ محلّ العملات الوطنية في المستقبل القريب؟

يقول فاروفاكيس: «يمكن لدولة صغيرة تبنّي عملة لا يمكن التحكّم في حجم معروضها»، لكنّه أكّد على أولوية السياسة وعلى تقيّد الحلول التقنية للمشاكل السياسية، وأنه لا يمكن اعتماد حل تقني دون درجة ما من الإجماع السياسي.

يعتقد بعض أنصار بيتكوين أنها قد تستطيع تحدّي نظام احتياطي الدولار الذي يستند إليه الاقتصاد الأمريكي، لكن فاروفاكيس يؤكّد أن هذا محض خيال. يقول فاروفاكيس: «لا تستطيع بيتكوين تقويض الأفضلية الكبيرة للدولار الأمريكي أو أي عملة تدعمها قوة»، موضحًا أن تلك القوة لا تقتصر على القوة الناعمة للمؤسسات، بل تشمل القوة العسكرية الجيوسياسية أيضًا، والتي تجعل الدولار – أو أي عملة تدعمها قوة – يحظى بثقة هائلة.

«بلوك تشين» ومستقبل أوروبا

على الرغم من إيمانه بمحدودية دور بيتكوين وغيرها من الحلول التقنية للمشاكل السياسية، يرى فاروفاكيس أن تقنية بلوك تشين استثنائية وتقدم حلولًا.

بمجرد تعيينه وزيرًا لمالية اليونان في عام 2014، واجه فاروفاكيس تهديدًا مباشرًا من اللجنة الثلاثية المؤلفة من صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والمفوّضية الأوروبية بإغلاق البنوك اليونانية. مع عدم وجود نظام مصرفي، فإن البلاد سوف تتعطل تمامًا، لذلك اقترح فاروفاكيس إنشاء نظام مدفوعات نظير إلى نظير يعتمد على تقنية بلوك تشين. مع عدم وجود تمويل من اللجنة الثلاثية، يفترض أن يستفيد نظام فاروفاكيس من الضرائب التي يتعين على جميع المواطنين والشركات اليونانية دفعها.

لتوضيح ذلك، دعنا نفترض أن شركة أدوية يونانية مدينة بالمال للدولة، والذي قد يستغرق سنوات لتستطيع هذه الشركة سداد ديونها باليورو بسبب قيود الأزمة. تقترح خطة فاروفاكيس أن تقوم الدولة بإنشاء حساب احتياطي للشركة بموجب رقمها الضريبي، وتضع فيه اعتمادات ضريبية قدرها مليون يورو، تستطيع الشركة استخدامه للدفع للمنظمات والأفراد داخل البلاد.

تجلّى أحد أبرز عيوب هذه الخطة في تمكين الدولة من الاقتراض مباشرة من المواطنين، والعكس. لذلك، حاول فاروفاكيس استخدام تقنيات رقمية جديدة، مثل بلوكتشين، لوقف الاعتماد على سلطات الإقراض الأوروبية، وبناء علاقة إقراض جديدة بين الدولة والمواطنين والشركات. كما يبرز خطر كبير إذا ما تمّ تطبيق هذا النظام، يتمثَّل في الفساد، والذي وصفه فاروفاكيس بأنه يتم بشكل محدود للغاية في دولة مثل اليونان. على سبيل المثال، ماذا لو أساءت السلطات اليونانية توزيع هذه الاعتمادات الضريبية لمحاباة حلفائها؟ يقول فاروفاكيس: «إذا كان نظام المدفوعات يستند إلى بلوك تشين، وسيسمح ذلك بإبقاء هوية المستخدمين سرية، والحصول على شفافية كاملة في الوقت ذاته فيما يتعلق بالحجم الكلي للمعاملات»، وبذلك يمكن التغلب على أزمة الثقة، بحسب ما ذكره فاروفاكيس.

يقول فاروفاكيس: «هنا تكمن إمكانات بلوكتشين، فهي قادرة على وقف الاعتماد على الوسطاء (مثل اللجنة الثلاثية)، وخلق نظام أكثر شفافية». لم يدّع فاروفاكيس أن بلوك تشين سوف تحلّ مشكلة الفساد بشكلٍ تام، إذ يرى أن أيّ نظام مالي يساء استخدامه. لذلك، يرى فاروفاكيس أن علينا السعي للحد من الفساد، وهو ما تضمّنته تقنية بلوك تشين.

خطة إصلاح أوروبا!

بالنظر إلى المستقبل، يحاول فاروفاكيس قيادة الإصلاح في أوروبا، من خلال مؤسسته «الديمقراطية في أوروبا 2025» والتي تهدف إلى إنشاء نظام أوروبي أكثر تجانسًا. يقول فاروفاكيس إن الهياكل الاتحادية ضرورية لكنها تقتصر على التجارة والصناعة والمعايير البيئية والعملة في الوقت الحالي، لكنه يرى أن أوروبا تحتاج إلى اتحاد سياسي ومالي ودستوري كامل، وإلا فإن الاتحاد الأوروبي مهدد بالانهيار، على حد وصفه.

تعتبر بلوك تشين إحدى الركائز التي يقوم عليها نظام فاروفاكيس، إذ يهدف إلى إنشاء عملة رقمية أوروبية موحدّة. يرى فاروفاكيس أن بلوك تشين قادرة على حل المشكلات الجماعية فيما يتعلق بالنظام المصرفي وإعادة التوزيع المالي والفقر، وحل المشكلات اليومية صغيرة الحجم في الوقت ذاته نظرًا للامركزيتها. على الرغم من ذلك، أعاد فاروفاكيس التأكيد على أنه لا يثق بقدرة الابتكار التكنولوجي على تغيير مسار التاريخ بمفرده، إنما تأتي السياسة أولًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد