أثبت مفهوم التفوق العسكري بدرجة كبيرة أنه مفهوم قصير النظر من الناحية الاستراتيجية. وبينما لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تعاني تبعات هذه الاستراتيجية قصيرة المدى، لا يبدو أن المملكة العربية السعودية، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في منطقة الخليج، تعلمت شيئًا من استراتيجية الولايات المتحدة المشؤومة في العراق وأفغانستان.

يبدو الأمر مثيرًا للاستغراب والدهشة لعدد من الأسباب: فالسعودية لم تكن فقط في الصفوف الأمامية وهي تراقب “القوة العظمى” المفترضة لأمريكا، وإنما كان لديها الكثير على المحك، نظرًا لحرص المملكة على الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.

ومع ذلك، فإن الطريقة السعودية في التعامل مع الأزمة التي تحترق ببطء في اليمن تظهر أنها تسير على خطى الولايات المتحدة بدرجة أكثر مما ينبغي.

أظهرت حالة العراق بشكل قاطع أن التفوق الذي تتميز به الولايات المتحدة من حيث العتاد العسكري لم يترجم في النهاية إلى أية ميزة مستدامة على أرض الواقع.

سوء فهم للمشاكل الأساسية

فيما يتعلق باليمن، كان لدى المملكة العربية السعودية سببًا كافيًا للشعور بالقلق من الأداء السياسي والاقتصادي لجارتها الفقيرة جدًا على حدودها الجنوبية.

القواعد الإرهابية وشبكات المخدرات والبطالة الجماعية على أرض الواقع في اليمن تمثل خطرًا جديًا من الممكن أن يؤدي بسهولة إلى إضعاف رغبة المملكة العربية السعودية في تحقيق الاستقرار الإقليمي والمحلي.

ونظرًا لطبيعة تلك التحديات، ما الدافع المحتمل وراء شراء ونشر المزيد من العتاد العسكري أكثر من أي وقت مضى؟

بالتأكيد، ليست هذه هي الاستراتيجية الأمثل للتعامل مع مشكلة تتعلق في الأساس بجوهر التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وكلاء السلاح هم المستفيدون الوحيدون من الاستراتيجية الحالية للمملكة العربية السعودية. ومع ذلك، فإن إرضاء هؤلاء الوكلاء ومصالحهم المرتزقة سيطارد الحكومة السعودية.

لسنا بحاجة لتذكر التبعات الممكنة لإيصال الأسلحة الأكثر أهمية والآليات العسكرية إلى دولة فاشلة! لقد شاهدنا للتو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهو يستولي على الأسلحة التي أمدت بها الولايات المتحدة الجيش العراقي.

 

من الواضح أن مثل هذا السيناريو هو آخر شيء في اليمن تحتاج المملكة العربية السعودية – العملاق الذي يقف بقدميه في الطين – إلى تعزيزه في جارتها المباشرة.

دعونا لا ننسى حقيقة أن اليمن لديها بالفعل ثاني أعلى المعدلات في العالم فيما يتعلق بامتلاك السلاح.

المنطق معيب

الآن، يجد السعوديون أنفسهم ملزمين بنشر 1500 من القوات البرية. ولكن إلى أي حد؟ المنطق الرسمي هو للتأكد من أن الأسلحة التي سلموها إلى المقاتلين المحليين يمكن أن تؤثر عليها.

هذا “المنطق” يضع البلاد على منحدر زلق نحو مشاركة واسعة النطاق فيما كان يعتقد أن تكون، وكما تم التسويق له في الداخل، حرب جوية “سهلة”.

اتخاذ هذه الخطوة القادمة هي نتيجة حتمية لسقوط السعوديين في ذات الخطأ الذي وقعت فيه الولايات المتحدة في مرحلة الإعداد لغزو العراق. المبالغة في تسويق النتائج، والتغافل عن التبعات التي سيخلفها الغزو، خاصة فيما يتعلق بالدماء والتكاليف المالية.

الاعتقاد الذي تتشاركه الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في نجاعة “التفوق الجوي” ليس مفيدًا في نهاية المطاف، ولا يفضي إلى أية نتيجة حقيقية سوى تضليل الرأي العام الداخلي. ما هو مطلوب حقًا هو وضع استراتيجية تخدم المصالح متوسطة وطويلة الأجل في المنطقة.

جميع التحركات الخاطئة

في هذا السياق، فإن السعوديين لديهم الكثير من الأسباب للشعور بالقلق، ولكنهم بحاجة إلى أن يكونوا أكثر دهاءً من الناحية الاستراتيجية.

التعداد السكاني لليمن الذي يقدر بنحو 27 مليون نسمة هو تقريبًا نفس حجم التعداد السكاني في السعودية (32 مليون نسمة) العربية، على الرغم من أن مساحة اليمن توازي فقط 25% من مساحة جارتها الغنية في الشمال.

ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي، يكمن في هذه المجموعة من الأرقام: متوسط ​​دخل الفرد في اليمن – 1,370 دولار- ليس سوى واحد على عشرين من متوسط دخل الفرد في المملكة العربية السعودية (26،340 دولار).

إذا كان الهدف السعودي هو إقامة حكومة صديقة ومستقرة في اليمن، فإن الذهاب إلى الحرب لم يكن هو الحل الأمثل لإنجاز هذا الهدف، على غرار ما حدث مع الولايات المتحدة.

في الواقع، حققت قوات الحوثيين – على الرغم من هزيمتهم من قبل التحالف السعودي من الناحية النظرية – مكاسب إقليمية واضحة.

تم فقط استعادة عدن مع جهود جبارة للقوات البرية، هل يعد ذلك نجاحًا من أي نوع؟ لا، خاصة عندما يعاني 20 مليون شخص من نقص في المياه.

قتل المئات، إن لم يكن الآلاف، من المدنيين في الغارات الجوية التي كانت في كثير من الأحيان على نحو سخيف تضرب بعيدًا عن الهدف، مما يؤكد تواضع كفاءة سلاح الجو السعودي.

لا نخطئ في ذلك: إذا كان أي شيء، فالتحركات السعودية بالطبع خلقت حتى الآن خيبة أمل بين السكان اليمنيين، سواء كان ذلك فيما يتعلق بنوايا المملكة العربية السعودية أو القدرات. بشكل مذهل، يبدو ذلك صحيحًا حتى بين أولئك اليمنيين الذين كانوا يأملون من البداية في أن تكون السعودية عامل استقرار.

أخيرًا، فإن الاستفادة المفترضة للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، على التوالي، في العراق واليمن لا تخدم كلا البلدين على حد سواء.

وإذا كانت الولايات المتحدة لديها العذر القليل كونها ليست من دول المنطقة، فإن السعوديين، الذين يعيشون في شبه الجزيرة العربية مع جيرانهم اليمنيين، لا يمكنهم الاستفادة من ذلك العذر (الضعيف).

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد