تناولت أماندا إريكسون في مقالٍ لها، في صحيفة واشنطن بوست، أبعاد الأزمة الإنسانية الطاحنة التي تضرب اليمن، والتي وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم».

أوضحت أماندا أن ما يقرب من 80% من سكّان اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي؛ مما وضع الملايين على حافة المجاعة. تفجر الوضع منذ مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، عندما فرضت السعودية حصارًا خانقًا على اليمن؛ مما جعل من المستحيل تقريبًا استيراد الأغذية والمياه والإمدادات الطبية من الخارج.

تتساءل أماندا: «كيف وصل الحال بأحد أفقر البلدان في العالم إلى تلك النقطة؟». لتجيب بأن القصة معقدة، وتنطوي على قوى إقليمية متحاربة، وإرهاب، ونفط، وكارثة مناخية وشيكة؛ ولكنّ المفارقة الغريبة هي أنَّ القصة بسيطة في نفس الوقت؛ فالدول المجاورة تتصارع على السيطرة والنفوذ. والناس في داخل البلاد يدفعون الثمن.

كيف بدأت الأزمة السياسية الراهنة؟

بدأت أزمة اليمن مع الربيع العربي. ففي نوفمبر من عام 2011، بعد ثورة شعبية، وافق الديكتاتور علي عبد الله صالح على تسليم السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي.

في ذلك الوقت –تؤكد أماندا– اعتُبر الأمر انتصارًا للديمقراطية. ولكن على مدى العامين المقبلين، كافح هادي لقيادة اليمن. عانت البلاد من البطالة، وانعدام الأمن الغذائي، والفساد. كما واجه شعبها هجمات من تنظيم القاعدة في اليمن. كما ظل العديد من كبار ضباط الجيش موالين للمخلوع صالح، فضلًا عن وجود حركة انفصالية في الجنوب.

وقد استغلت جماعة الحوثيين الشيعية نقاط ضعف هادي، وقامت بانقلاب للسيطرة على شمال البلاد. في البداية، دعم العديد من اليمنيين الحوثيين؛ لأنهم شعروا بالإحباط من ضعف الحكومة. وعندما قرر الحوثيون السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء، أقام آلاف المدنيين مخيمات في الشوارع وحواجز الطرق.

بحلول فبراير (شباط) من عام 2015، سيطر الحوثيون على صنعاء، وفرّ هادي إلى مدينة عدن الساحلية.

كيف تورّطت السعودية في الأزمة؟

تقول أماندا إن السعودية شعرت بالقلق من تولِّي الحوثيين السلطة. إنّ المملكة دولة سنيَّة، ومن غير المقبول بالنسبة إليها السماح لمجموعة شيعية متحالفة مع عدوها إيران بالسيطرة على دولة حدودية. دشَّنت السعودية مع ثماني دول عربية سنية أخرى تحالفًا عسكريًّا في محاولة لإطاحة الحوثيين، وإعادة هادي إلى السلطة.

وعلى مدى العامين المقبلين –تضيف أماندا– شن التحالف حملةً واسعة النطاق أسقط خلالها آلاف القنابل تسبب الكثير منها في قتل مدنيين. وفقًا لبعض التقارير، فمن أصل 8600 غارة، أصيب 3577 موقعًا عسكريًّا، بينما وقعت 1510 مناطق سكنية ومبان مدرسية ومستشفيات ومواقع مدنية أخرى ضحية للقصف.

ووفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، فقد قُتل ما لا يقل عن 10 آلاف يمني في أعمال العنف؛ وأصيب نحو 40 ألفًا آخرين بجراح. بيد أن الضربات الجوية لم تحقق نتائج ملموسة. ربما تكون القوات الحكومية قد تمكَّنت من استعادة عدن؛ ولكن بعد معركة ضارية استمرت أربعة أشهر، وأسفرت عن مقتل المئات. وقد تمكنت الحكومة من السيطرة على جزءٍ كبير من الجنوب.

ولكن ما يزال الحوثيون يسيطرون على الكثير من شمال اليمن –تستدرك إريكسون– وكما أوضحت هيئة الإذاعة البريطانية، فإنه «على الرغم من استمرار الحملة الجوية والحصار البحري، لم تتمكن القوات الموالية للحكومة من طرد المتمردين من معاقلهم الشمالية، بما في ذلك صنعاء والمقاطعة المحيطة بها. كما تسيطر القاعدة على بعض أجزاء من اليمن، وينشط تنظيم الدولة الإسلامية مستهدفًا الجنوب الذي تسيطر عليه الحكومة.

ما الذي دفع السعودية إلى فرض حصار على اليمن؟

في مطلع نوفمبر الجاري، استهدف صاروخ باليستي العاصمة الرياض؛ فسارع المسؤولون السعوديون باتهام إيران بأنها من قدمت للحوثيين الأسلحة. واعتبر ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان أن الأمر «عدوان عسكري مباشر، وعمل من أعمال الحرب». وفي رد انتقامي، أغلقت المملكة جميع المنافذ البرية والجوية والبحرية في محاولة –كما تزعم الرياض– لمنع إيران من نقل الأسلحة إلى حلفائها الحوثيين.

لماذا يعتبر الحصار عملًا خطيرًا؟

تقول أماندا إن الأزمة السياسية ليست وحدها ما يواجه اليمن، فثمة كارثة بيئية. فمعظم أراضي اليمن إما جافة، وإما صحراوية. ويعتبر نصيب الفرد من المياه المتاحة في البلاد هو الأدنى على مستوى العالم؛ إذ يبلغ حوالي 2% من المتوسط العالمي. ويعني الاستنزاف السريع لموارد المياه الجوفية أن منسوب المياه قد انخفض بسرعة. وقد تسبَّب الجفاف والتصحُّر في جعل المشهد الزراعي مستحيلًا تقريبًا. وما يزيد الأمر سوءًا هو أن اليمنيين يستخدمون جزءًا كبيرًا من الأراضي الزراعية لزراعة القات، الذي يتعاطاه نحو 70% من الرجال اليمنيين.

كان اليمن يعتمد على استيراد معظم غذائه عن طريق البحر –تشدد إريكسون– إذ يعتمد سبعة ملايين شخص يمني اعتمادًا كليًّا على الأغذية المستوردة. وقد صعبت الحرب من عملية استيراد الأغذية؛ إذ عزفت العديد من شركات الشحن عن إرسال المواد الغذائية. وحتى قبل الحصار، واجهت تلك الشركات تأخيرات كبيرة وعمليات تفتيش إلزامية تقوم بها السفن الحربية التابعة للتحالف.

خفف السعوديون الحصار على المواني اليمنية نسبيًّا إثر الانتقادات الدولية. وأعلنت المملكة أنها ستسمح باستخدام المواني التي تسيطر عليها الحكومة في ثلاث مدن. لكن منظمات الإغاثة والأمم المتحدة تقول إن هذا ليس كافيًا.

ما الآثار المدمرة للحصار؟

تشير تقارير دولية إلى أن اليمن في حاجة ماسة إلى الأدوية واللقاحات والمواد الغذائية. وتنقل أماندا عن تقرير للأمم المتحدة قوله إن هذه المواد «ضرورية للقضاء على المرض والمجاعات، وبدونها سيموت آلاف الضحايا الأبرياء، من بينهم العديد من الأطفال».

وحذر التقرير من أن 3.2 مليون شخص معرضون لخطر المجاعة، وأن 150 ألف طفل يعانون من سوء التغذية معرضون للموت في الشهر القادم. وفقًا لمنظمة إنقاذ الطفولة، يموت 130 طفلًا كل يوم في اليمن. وهناك ما لا يقل عن 17 مليون شخص آخرين، من بينهم 11 مليون طفل، في حاجة ماسة للإمدادات الإنسانية. كما أدى نقص الأدوية والمياه النقية إلى انتشار الأمراض؛ فضرب وباء الكوليرا البلاد ليصيب حوالي 900 ألف شخص، وفقًا لما ذكرته الأمم المتحدة.

هل السلام ممكن؟

تقول أماندا إن تصوُّر وجود حل دبلوماسي للأزمة صعب في الوقت الراهن. فقد انهارت كافة محادثات السلام التي رعتها الأمم المتحدة، بعد أن اعتبرت حكومة هادي انسحاب الحوثيين من كافة المناطق التي يسيطرون عليها شرطًا للتفاوض، فازدادت حدة القتال، وارتفع عدد القتلى من المدنيين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك