أدى إعلان المجلس الانتقالي الحكم الذاتي في جنوب اليمن، إلى تعقيد الجهود السعودية للانسحاب من الحرب.

بعد خمس سنوات من الحرب، بدا أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ينزِع نفسه خلال الأسابيع الأخيرة، بعيدًا عن مستنقع حملته المدمرة في اليمن؛ مستغلًّا جائحة فيروس كورونا المستجد لإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، وهي الخطوة التي برغم عدم فعاليتها، فإنها على الأقل بعثت بإشارةٍ مفادها أن الأمير اتفق أخيرًا مع منتقديه، الذين أصروا على أن هذه حرب لا يمكن الفوز بها، لولا أن حلفاءه اليمنيين المتشددين كانت لديهم أفكار أخرى مختلفة.

بهذه الكلمات استهل مدير مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» في القاهرة ديكلان والش تقريره، محذرًا من أن إقدام أبرز مجموعة انفصالية في اليمن، المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي سيطر على مدينة عدن الساحلية الجنوبية وبنكها المركزي، على إعلان الحكم الذاتي في بداية الأسبوع؛ يهدد بفوضى جديدة في البلد الذي مزقته الحرب.

جائحة قائمة ومجاعة قادمة.. ورعاة الحرب مشغولون بمشكلاتهم

يأتي هذا الإعلان في حين يتحوَّل اهتمام رعاة الحرب الرئيسيين، السعودية والإمارات، بعيدًا عن القتال، منشغلين بمشكلاتهم الخاصة. وهو ما ترك حلفاءهم اليمنيين، الذين كانوا متحدين سابقًا ضد الحوثيين المدعومين من إيران، الذين يسيطرون على شمال البلاد، يخوضون معركةً لبسط السيادة، في وقتٍ لا يوجد ما هو أسوأ منه.

عربي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: حرب أوسع تهدد اليمن بعد إعلان الانفصاليين الحكم الذاتي

انخفض التمويل الدولي للمساعدات الإنسانية إلى البلد المهددة بالمجاعة هذا العام، فيما أدت الجائحة إلى تشتيت انتباه اللاعبين الإقليميين، ويسعى عمال الإغاثة جاهدين لدعم النظام الصحي اليمني الذي يعاني من الانهيار في مواجهة تفشٍ مدمر محتمل لمرض كوفيد-19.

قال مكتب الأمم المتحدة في اليمن في بيان يوم الثلاثاء: على الرغم من إعلان حالة واحدة فقط في اليمن مرتبطة بعامل في الميناء يبلغ من العمر 60 عامًا، تظل هناك «إمكانية حقيقية جدًّا» لوجود مزيد من الإصابات غير المكتشفة.

وحذر البيان من أن نقص التمويل سيعوق جهود مكافحة الفيروس، وأضاف: «هذا يزيد من احتمال حدوث زيادة كبيرة في حالات الإصابة بما قد يؤدي إلى إنهاك القدرات الصحية بسرعة».

شبح تجدد الاشتباكات يحدق باليمن

يضيف التقرير الذي شارك في إعداده سعيد البطاطي من مدينة المكلا اليمنية: يثير إعلان الحكم الذاتي، الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، شبح تجدد الاشتباكات داخل التحالف الذي شكله الأمير محمد بن سلمان في عام 2015، في محاولة لدحر المتمردين الحوثيين عن العاصمة اليمنية صنعاء.

ويوجد خلاف بين المجلس، الذي يتخذ من عدن مقرًّا له، وحليفه الصوريِّ، الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي يقود حكومة اليمن الضعيفة والمعترف بها دوليًّا، وتتمركز قواتها في محافظتين متاخمتين لعدن.

ووقعت اشتباكات متقطعة بين الفصائل اليمنية لأكثر من عامين. وتفاقم النزاع بينهم إلى حرب مفتوحةٍ في أغسطس (آب) الماضي، بعد أن سحبت الإمارات معظم قواتها من جنوب اليمن، ويبدو أنها سئمت من الحملة التي تقودها السعودية ضد الحوثيين، تاركة وراءها فراغًا في السلطة.

وبعد نشوب اشتباكات أسفرت عن مقتل 40 شخصًا، نشرت السعودية قوات في عدن، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) توسطت في اتفاق سلام بين الانفصاليين الجنوبيين والسيد هادي، وُقِّع في الرياض.

Embed from Getty Images

«يحق للجنوبيين أن يحكموا أنفسهم»

تقوضت أركان هذا الاتفاق يوم السبت، عندما اجتاح المقاتلون الانفصاليون شوارع عدن، واستولوا على المكاتب الحكومية، رافعين علم جنوب اليمن، الدولة الشيوعية التي كانت موجودة منذ عام 1967 وحتى عام 1990.

وناشد التحالف الذي تقوده السعودية يوم الاثنين الانفصاليين لإلغاء إعلان الحكم الذاتي، الذي وصفه بأنه «عمل تصعيدي»، وهي دعوة أيدتها الإمارات؛ التي لطالما موَّلت وسلَّحت الانفصاليين.

وانضم مبعوث الأمم المتحدة، مارتن جريفيث، إلى دعوات نزع فتيل التصعيد. وقال السيد جريفيث في بيان: «هذه الانعطافة الأخيرة في الأحداث مخيِّبة للآمال، خاصة وأن مدينة عدن ومناطق أخرى في الجنوب لم تتعافَ بعد من الفيضانات، وتواجه خطر كوفيد-19».

لكن المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، نزار هيثم، أصر على أن جماعته لن تتراجع. وقال عبر الهاتف يوم الثلاثاء: «يحق للجنوبيين أن يحكموا أنفسهم، وأن يديروا عائداتهم».

رواتب انتقائية تثير غضب مقاتلي الجنوب

وأدت الفيضانات العارمة التي اجتاحت عدن الأسبوع الماضي، إلى غمر المنازل بالمياه والطين، وقتلت ما لا يقل عن 14 شخصًا، وهو ما أثار موجة من الغضب العام بسبب الفساد وسوء الإدارة، ودفع الانفصاليين إلى التحرك ضد السيد هادي.

يستدرك ديكلان والش: ولكن هناك عوامل أخرى تقليدية وراء الاضطراب. مستشهدًا بتصريح مسؤول كبير في المجلس الانتقالي قال فيه إن الإمارات توقفت منذ يناير (كانون الثاني) عن دفع رواتب تتراوح بين 400 و530 دولارًا شهريًّا للمقاتلين الانفصاليين في عدن. ورفض السعوديون تعويض النقص، مما أثار غضبًا في صفوف المقاتلين.

وأضاف المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته؛ حتى لا يُحتسَب عليه توجيه نقد علني للسعودية، أن الإماراتيين واصلوا دفع رواتب المقاتلين اليمنيين في أجزاء أخرى من الجنوب، مثل حضرموت وشبوة، حيث تنتشر وحدات قواتهم الخاصة لأداء مهام مطاردة ميليشيات الإسلاميين.

Embed from Getty Images

بُعدٌ آخر للفوضى التي تعصف باليمن

هذه الحرب الفرعية التي تدور داخل الحرب الرئيسية، إنما تضيف بعدًا آخر إلى الفوضى التي تموج بها اليمن، حيث أشعلت سنوات من التدخل الأجنبي عداءات وصراعات طويلة الأمد على السلطة، بحسب والش.

ويقول محللون: إن أي اشتباكات عنيفة بين الجانبين، من المرجح أن تندلع في محافظة أبين التي تقع بين قواتهما.

في الوقت نفسه، يتمركز قادة هذه الجماعات في البلدان المجاورة؛ فرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، يعيش في أبو ظبي، بينما يوجد الرئيس هادي في السعودية.

ويصب هذا الانفصال الجنوبي في مصلحة الحوثيين المدعومين من إيران، الذين اندفعت قواتهم بقوة إلى مقاطعة مأرب الغنية بالنفط في الأسابيع الأخيرة.

حاول الأمير محمد إبطاء هذا التقدم بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد لمدة أسبوعين في 9 أبريل (نيسان)، وجرى تمديده لاحقًا طوال شهر رمضان المبارك، لكن القتال لم يضع أوزاره، فيما تبادل التحالف الذي تقوده السعودية والحوثيون الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار.

أسباب تراجع شهية ولي العهد السعودي لحرب اليمن

يقول والش: «يبدو أن شهية الأمير محمد للحرب في اليمن تراجعت خلال العام الماضي، في ظل إدانة عالمية للأساليب العسكرية السعودية التي قتلت آلاف المدنيين في غارات جوية. كما أدى انخفاض أسعار النفط خلال الأسابيع الأخيرة إلى زيادة كبيرة في الأعباء المالية التي تشكلها الحرب على كاهل المملكة».

عربي

منذ شهر
نفط اليمن.. ما لا يحكى عادةً عن أسباب استمرار حرب السعودية هناك

وقال رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، مهدي المشاط، لصحيفة يمنية يوم السبت: إن سلسلة المحادثات التي عُقدت بين المسؤولين السعوديين والحوثيين، بهدف إنهاء الحرب، لم تحرز تقدمًا يُذكَر.

لكن من غير الواضح مقدار السيطرة التي يتمتع بها السعوديون أو الإماراتيون على وكلائهم اليمنيين. وقال بيتر ساليسبري، من مجموعة الأزمات الدولية: «عندما سحب الإماراتيون قواتهم العام الماضي، بعثوا إشارة مفادها أنهم لم يعودوا مستعدين لتولي مسؤولية إبقاء الأمور تحت السيطرة».

وأوضح السيد ساليسبري أن التصعيد الأخير «يتعلق بمنافسة يمنية– يمنية، لها ظلال إقليمية غير واضحة».

من يضع مصالح الشعب اليمني فوق كل اعتبار؟

تعافى عامل الميناء اليمني الذي أصيب بفيروس كورونا بالفعل، لكن العاملين الصحيين يقولون إنهم فشلوا في الوصول إلى «المريض صفر»، وهو الشخص الذي جلب العدوى إلى اليمن، ويخشون من أنه حتى الطفرة الخفيفة في الحالات من شأنها أن تؤدي سريعًا إلى إرهاق المنظومة الصحية اليمنية المتدهورة.

وقال السيد جريفيث، مبعوث الأمم المتحدة: «الآن، أكثر من أي وقت مضى، يجب على جميع الأطراف السياسية التعاون بحسن نية، والامتناع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، ووضع مصالح اليمنيين في المقام الأول».

على الرغم من ذلك، لا يوجد الكثير من الأدلة حتى الآن، على ترسخ مثل هذا التفكير المستنير بين هذا العدد الذي لا يُحصى من الجهات المتصارعة في اليمن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد