نشر معهد الشرق الأوسط تقريرًا عن المظالم التي عانت منها منطقة تِهامة في اليمن منذ قرن من الزمان. ويشير التقرير الذي أعدَّه إبراهيم جلال، الباحث اليمني المهتم بشؤون الأمن والصراع والدفاع في الموقع الأمريكي، إلى أن المنطقة لم تحظَ بقدرٍ كافٍ من اهتمام الحكومات المتعاقبة في اليمن، مؤكدًا أن مظاهر تهميش المنطقة تتمثَّل في إقصاء أبرز الشخصيات التِهامية من على طاولة مفاوضات الحرب والسلم في المنطقة.

بخلاف محاولة طارق صالح، نجل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، المستمرة لقمع المقاومة التِهامية بأكملها، فضلًا عن إقصاء مدينة الحُدَيْدَة ومنطقة تِهامة الاتحادية، اللتين تضمان أربعة محافظات وتُمثِّلان معًا نحو خُمْس سكان اليمن، من حكومة رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك سعيد. وخلُص الكاتب إلى أن المشهد الحالي في اليمن يبدو أنه يكافئ الكيانات بأدوات القوة والنفوذ والإخضاع ولا يكافئها بالتحركات السلمية.

اقتصاد الناس

منذ شهر
مترجم: كيف يمكن حل الأزمة الاقتصادية في اليمن بالتوازي مع مساعي وقف الحرب؟

يشير الكاتب في مستهل تقريره إلى أن منطقة تِهامة، وهي السهل الساحلي المُطل على البحر الأحمر في اليمن، شهدت تفاقمًا في المظالم التي لم يُتصدَّ لها منذ نحو مئة عام. ومنذ اندلاع ثورة الزرانيق المناهضة للإمام يحيى حميد الدين، مؤسس المملكة المتوكلية وإمامها (كانت هذه المملكة نشطة في شمال اليمن آنذاك) في عامي 1925 و1926، انتهج أئمة المملكة المتعاقبون والنخبة الجمهورية سياسات أسهمت في تهميش التِهاميين (سكان تِهامة) تهميشًا مُمنهجًا، وآية ذلك أنهم (التِهاميين) حُرِموا من الحصول على قسط عادل من ثروات منطقتهم، فضلًا عن حرمانهم من فرص التقاسم العادل للسلطة والتمكين الاقتصادي.

تهامة..الجغرافيا قبل التاريخ

وتشير تِهامة في اللغة العربية إلى الأرض المنخفضة المُطلَّة على الساحل. وبعد أن ضمَّت السعودية مدن عسير وصبيا ونجران وجازان قبل إبرام معاهدتي الطائف في عام 1934، وجدة عام 2000 التي تنازلت فيها رسميًّا عن السيطرة على هذه المناطق، تمتد منطقة تِهامة في اليمن رسميًّا من مدينة ميدي في محافظة حجة عبر ميناء مدينة الحُدَيْدَة الإستراتيجي إلى مدينة المخا. غير أنه وفقًا للمعنى الحرفي للمصطلح، يمكن أن يمتد السهل الساحلي للبحر الأحمر على طول الطريق المؤدي إلى مضيق باب المندب الإستراتيجي.

Embed from Getty Images

ويؤكد الكاتب أن المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة المستوية والمنتجات الزراعية الغنية أسهمت في أن تحتل تِهامة مكانة كبيرة بوصفها السلَّة الغذائية لليمن. على سبيل المثال، أسهمت محافظة الحُدَيْدَة بنحو 40% من الإنتاج الزراعي اليمني. وتمثِّل موانئها المُطلَّة على جنوب البحر الأحمر أهمية حيوية في مجال التجارة وموضوع المنافسة الأجنبية على مر التاريخ، بداية من أهميتها في حقبة العثمانيين في القرن التاسع عشر ووصولًا إلى الاحتلال البريطاني في المدة التي تمتد من 1918 حتى 1921. ويأتي نحو 70 إلى 80% من واردات اليمن عبر ميناء الحُدَيْدَة، من بينها الواردات التي حقَّقتها البلاد خلال الصراع الأخير، ما أسفر عن تحقيق إيرادات جمركية وزيادة الترابط الإقليمي، وتوفير قدر من القوة للجهة التي تسيطر عليها.

وفي خِضَّم تزايد التنافس الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي، يسهم اقتراب مدينة الحُدَيْدَة الجغرافي من عِدَّة قواعد عسكرية أجنبية جديدة في المنطقة، مثل قاعدة الإمارات التي تقع في مدينة عصب والقواعد الأمريكية والفرنسية والتركية والصينية التي تتَّخذ من جيبوتي مقرًّا لها، وسهولة وصول المدينة اليمنية إلى مضيق باب المندب في أن تحظى المنطقة بأهمية جغرافية إستراتيجية كبيرة.

ويشير مايكل هورتون، زميل الشؤون العربية في مؤسسة جيمس تاون، إلى أنه: «نظرًا إلى كون منطقة تِهامة بوابة اليمن إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تُمثِّل السيطرة عليها أهمية بالغة من أجل السيطرة على شمال منطقة غرب اليمن وتوفير الدعم لها». وقد استمرت الأهمية التي تُمثِّلها منطقة تِهامة، ولكن طائفة من المظالم تراكمت على أرضها من خلال دورات نشر السلام واندلاع الصراعات وإدخال تغييرات في الأنظمة السياسية على مدى المئة عام الماضية، وتفاقمت هذه المظالم حتى وصلت إلى حد عدم الاعتراف بها تقريبًا، بما في ذلك خلال انعقاد مؤتمر الحوار الوطني التاريخي في اليمن. ولا تزال هذه المظالم تبحث عن حل حتى يومنا هذا، كما أسفرت ديناميات زمن الحرب في السنوات الأخيرة عن تفاقمها.

تشكيل الحراك في تِهامة

ويضيف التقرير: ونظرًا إلى تأثُّر انتفاضة الربيع العربي بالنضال السلمي للحِراك الجنوبي وحركات المقاومة في القرن العشرين وما بعده في تِهامة، جمعت الانتفاضة سكان مدينة الحُدَيْدَة على قلب رجل واحد، وتمكَّنت الانتفاضة في نهاية المطاف من تعبئة سكان المنطقة من أجل تشكيل الحراك التِهامي عام 2011.

Embed from Getty Images

غير أنه على عكس الحراك الجنوبي، لا يسعى الحراك التِهامي للانشقاق. ولكنَه يطالب بدلًا من ذلك بالحدِّ من المظالم السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والاجتماعية ذات الجذور العميقة وتصحيح مسارها. كما يطالب الحِراك بالحكم الذاتي (الاستقلال الذاتي) للمنطقة وتخصيص قِسط عادل من ثروتها لتمويل التنمية المحلية والنمو الاقتصادي، بما يتماشى مع التطلُّعات الاتحادية في اليمن أو مع نتائج مؤتمر الحوار الوطني.

وفي مارس (آذار) 2012، نظَّم الآلاف من التِهاميين اعتصام الكرامة في منطقة باب الناقة، التي تُمثِّل نقطة الدخول إلى مدينة الحُدَيْدَة في طريق الجبال من صنعاء. وناشد المتظاهرون، من بينهم الفنانون والأكاديميون وأعيان القبائل ومسؤولون رفيعو المستوى وقادة عسكريون وشباب، الحكومة الانتقالية من أجل إدراج القضية التِهامية في جدول أعمال مؤتمر الحوار الوطني، ومعالجة مظالمهم، وإنهاء استغلال المنطقة.

وكان موقع المظاهرة ثريًّا بالرمزية، ما يدل على رفض العلاقات التبعية القائمة على مفهوم الراعي والعميل بين هضبة الزيدية والساحل الشافعي/نخبة الوادي، كما وصفها ستيفن داي. وفي السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية اليمنية، رفض الشيخ سنان أبو لحوم، محافظ مدينة الحُدَيْدَة، مطالب منطقة تِهامة بالإصلاح وسعى بدلًا من ذلك إلى تطبيق السياسات الإقطاعية، ما أسفر عن وقوع مذبحة القوقر في 17 ديسمبر (كانون الأول) 1967، التي شهدت إحراق عشرات القرى وقتل مئات الأشخاص من أجل إخضاع التِهاميين والسيطرة على مواردهم وإقامة الهيمنة الزيدية في المناطق المرتفعة.

وأبرز الكاتب ما قاله إسحاق صلاح، رئيس نيابة مدينة الحُدَيْدَة السابق والمؤرخ اليمني، في مقال كتبه بشأن هذه الحلقة التي غالبًا ما يجري تجاهلها؛ إذ أشار صلاح إلى أن منْع مرور المسؤولين الظالمين، بما في ذلك مرورهم في مدينة باب الناقة، كان من بين الوسائل التي يستخدمها السكان المحليون لتسليط الضوء على أوجه الظلم التي يتعرَّضون لها ومن أجل المطالبة بحقوقهم. وقال القاضي إسحاق إن غياب «الوسائل الممكنة لإيصال أصوات أهل تِهامة ومطالبهم، فضلًا عن قطعهم طريق القوقر» أسفر عن اعتماد هذا التكتيك.

وأضاف: «وذلك أقل بكثير مما تفعله قبائل المحافظ نفسه في مناطقهم الجبلية الشمالية وبالتنسيق مع الخارج أيضًا وتتفاهم الدولة معهم وتسعى لإرضائهم دون أن تطلق رصاصة واحدة عليهم أو تخوين لهم، وهو ما لم يجر التعامل به مع أهل تِهامة».

وحتى قبل ذلك، بعد اندلاع معركة القوقر الشرسة عام 1929، التي جاءت بعد أن تجرَّعت القوات الملكية التابعة لأحمد ابن الإمام يحيى هزائم متعددة، أسهم أحمد في اعتقال 800 رجل من رجال قبيلة الزرانيق اعتقالًا تعسُّفيًّا وتعذيبهم وقتلهم في نهاية المطاف، فضلًا عن إحراق عشرات القرى وتدمير مئات المنازل والأشجار من أجل إخضاع منطقة تِهامة.

ويمضي الكاتب قائلًا: ومنذ ذلك الحين، استغلَّت النخبة الزيدية الأراضي والموارد المحلية، على غرار الظلم الذي شهدته مدينتا حضرموت وعدن، وفشلت النخبة في الحدِّ من التهميش السياسي الذي بدأه مؤيدو الحكم الملكي. وأشار السفير علي العمراني إلى أن تعيين الدكتور حسن مكي، السياسي المُحنَّك في تِهامة، والذي قدَّم إسهامات ملموسة في بناء الدولة في الجمهورية اليمنية وإعادة توحيد اليمن، رئيسًا للوزراء في عام 1974 قوبِل بعدم ارتياح النخبة لأنه شافعي من منطقة الساحل.

ويلقي هذا الأمر الضوء على دافع آخر من دوافع التهميش: وهو الحفاظ على الهيمنة الزيدية في المشهد السياسي اليمني. وعلى الرغم من أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح (الذي حكم البلاد في المدة التي تمتد من 1978 إلى 2011) تكفَّل بتعيين وزير أو وزيرين من مدينة الحُدَيْدَة في حكومته وإرضاء أعيان القبائل بالحصول على مقاعد نيابية وتيسير تجارتهم، إلا أن الاستغلال الاقتصادي والعلاقات القائمة على المحسوبية، فضلًا عن الإرث الظالم الذي اتَّسمت به الإمامة، حالت دون ظهور تجَّار محليين ونخبة مؤثرة جديدة، وظلت المستويات المعيشية في تِهامة منخفضة.

الإقصاء من الأجندة الوطنية

وينوِّه التقرير إلى أنه حتى قبل اندلاع المرحلة الحالية من الصراع، فشل الربيع العربي اليمني الذي أيقظ المطالب الوطنية التي تهدف إلى تحقيق الإصلاح في وضْع قضية تِهامة في الخُطَّة المحلية. وعلى الرغم من أن مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في عامي 2013 و2014 سعى إلى التصدي لمجموعة واسعة من المظالم، إلا أنه لم يعالج القضية التهامية السلمية عندما أُتيحت له الفرصة لاتخاذ هذا الإجراء، على غرار الإجراءات التي اتخذها المؤتمر مع القوات المسلحة في مدينة صعدة أو القضايا السلمية في المنطقة الجنوبية.

Embed from Getty Images

وجعل المتمردون الحوثيون، الذين شنُّوا ست حروب مناهضة للدولة بين عامي 2004 و2010، إدراج قضية مدينة صعدة في جدول أعمال المؤتمر شرطًا لمشاركتهم في فعالياته. وأُدرِجَت القضية بعد ذلك في جدول أعمال المؤتمر واعتذرت الدولة عن شنِّ حملات مكافحة التمرد. ومع ذلك، لا تزال الدولة اليمنية لا تعترف بمذبحة القوقر التي وقعت عام 1967 أو حتى الحملات العنيفة التي شنَّها الإمام يحيى حميد الدين ضد قبيلة الزرانيق والتهاميين منذ عشرينيات القرن الماضي حتى الآن، والتي اعترف عبد الله البردوني، الشاعر اليمني المشهور والاجتماعي الجمهوري البارز، بها ودافع عنها في كتابه الذي جاء تحت عنوان اليمن الجمهوري.

ويشير الإحجام عن معالجة المظالم المتراكمة وإدراج القضية التِهامية بوصفها قضية وطنية إلى أن السلطات المركزية تنتقي المظالم، بناءً على طبيعة التهديدات وحجمها، بدلًا من الرغبة الحقيقية في تحقيق العدالة الانتقالية ومعالجة المخاوف الأساسية. وقد أسهم هذا الأمر في تعميق مشاعر الاستياء والغضب في تِهامة، بعد أن وصلت هذه المشاعر إلى مستويات جديدة خلال اندلاع الحرب.

ظهور المقاومة التِهامية

ويلمح التقرير إلى أنه بعد أن سيطر الحوثيون على صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014، تسلَّح الحراك التِهامي بأسلحة خفيفة. وشهدت الأشهر التي أعقبت تلك الحقبة تدخُّل التحالف العربي في البلاد وصعود المقاومة التِهامية. وخلال المدة التي تتراوح بين عامي 2015 و2018، نظَّمت الإمارات المقاومة الشعبية المناهضة للحوثيين من خلال ما لا يقل عن 10 ألوية من منطقتي تِهامة والزرانيق.

ودرَّب الإماراتيون قوات المقاومة التِهامية، فضلًا عن ألوية العمالقة، وسلَّحتها وموَّلتها وأشرفت عليها بصورة مُكثَّفة. وحاربت هذه القوات الحوثيين كتفًا بكتف واستعادت السيطرة على المنطقة قبل أن ينشق العميد طارق صالح، ابن شقيق الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، في ديسمبر 2017، عندما انهار زواج المصلحة بين الحوثيين وصالح.

وبعد أن تلقَّى طارق دعمًا إماراتيًّا عقب رحلته التي قام بها إلى أبوظبي وتشكيله للألوية القليلة الأولى من قوات الحرس الجمهوري في مطلع عام 2018، قادت قوات المقاومة التِهامية وألوية العمالقة الهجوم على مدينة الحُدَيْدَة، وأحرزت القوات تقدمًا حتى وصلت إلى مطار المدينة وضواحي الميناء بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، بمشاركة القوات شُكِّلَت حديثًا بقيادة طارق صالح في خط الدفاع. ومن ثمَّ، لم يؤدِ طارق صالح دورًا رئيسًا في معركة الحُدَيْدَة، وكانت التضحيات الكبرى على الساحل التِهامي من نصيب ألوية المقاومة التِهامية والعمالقة.

ووفقًا للتقرير، أسفر إبرام اتفاقية ستوكهولم في ديسمبر 2018 (وهي اتفاقية طوعية بين أطراف النزاع في اليمن جرى التوصُّل إليها في مدينة ستوكهولم في السويد وتضمَّنت ثلاثة محاور رئيسة: وهي الاتفاق بشأن مدينة الحُدَيْدَة وموانئها، وآلية تنفيذ تفعيل اتفاقية تبادل المُحتجزين، وإعلان تفاهمات بشأن مدينة تعز) عن وقف الهجوم على مدينة الحُدَيْدَة ومنح الحوثيين طوق نجاة؛ إذ سمحت لهم الاتفاقية بالاحتفاظ بالسيطرة على ميناء الحُدَيْدَة، ما دفع الإمارات في نهاية المطاف إلى الانسحاب من أرض المعركة في يوليو (تموز) 2019، حيث شهدت تلك الحقبة صعود طارق صالح.

وبعد ذلك، أعادت الإمارات تنظيم قواتها الواقعة على الساحل التِهامي وأدمجتها تحت قيادة القوات المشتركَة، وسلَّمت أبوظبي قيادة القوات والسيطرة الفعلية إلى طارق صالح، وأثارت تلك الخطوة جدلًا بين صفوف ألوية المقاومة التِهامية والعمالقة، التي شعرت بأنها تستحق مزيدًا من المكافآت والتقدير. وتمتلك قوات المقاومة التِهامية كثيرًا من القادة الميدانيين، ولكنها لا تزال تحتاج إلى قيادة موحَّدة وهيكل قيادة وتحكَّم مناسب، إذ قد يكون عجزها في هذا الجانب أحد عوامل تهميشها تهميشًا نسبيًّا.

ووفقًا لقواعد اللعبة القديمة، سعى طارق في نهاية المطاف إلى حل المقاومة التِهامية وإدماج أكبر قدر مُمكن من الألوية في ألوية الحرس الجمهوري والعمالقة، وطُبِّق هذا الإجراء بصفة أساسية من خلال وقف صرف الرواتب وكان ذلك تحت إشراف إماراتي. وفي ظِل التحديات المالية والاعتماد على قوات التحالف، فضلًا عن القضايا الداخلية في البلاد، أُدمِج عدد كبير من الألوية التِهامية في مجموعتين.

غير أن هذا الإجراء لا يعني أن التهاميين تخلَّوا عن الحدِّ من المظالم القديمة، وتحقيق دور إقليمي يتوافق مع تطلُّعاتهم الاتحادية، واكتساب قدر عادل من السلطة والموارد. وطالب الشيخ الحسن طاهر، محافظ مدينة الحُدَيْدَة، في مظاهرة حاشدة نُظمَّت في مدينة الخوخة في أواخر يناير (كانون الثاني) 2021 بتمكين المقاومة التِهامية وإعادة اندلاع معركة ميناء الحُدَيْدَة في ضوء اتفاق ستوكهولم المنهار، بعد أن حذَّر في عام 2020 من مؤامرة مناهضة للحُدَيْدَة من أجل تقسيم المنطقة.

مظاهر التهميش المعاصرة

ويرى الكاتب أن هناك عِدَّة مظاهر للمظالم المتعمِّقة برزت على مدى السنوات السبع الماضية. ويتمثَّل المظهر الأول في إقصاء أبرز الشخصيات التِهامية، من بينها الشخصيات البارزة في المقاومة، من المناقشات المتعلِّقة بالحرب والسلام في أراضيهم خلال المباحثات التي أُجريت في المدينة السويدية ستوكهولم؛ ما أسفر في نهاية المطاف عن تورُّط مدينة الحُدَيْدَة في هذه المشكلة.

Embed from Getty Images

وأدَّى ذلك إلى حالة من اللاحرب واللاسلام، مع استمرار المعارك النارية المتفرِّقة لتعميق المعاناة الإنسانية وزيادة عدد الضحايا في أوساط المدنيين التِهاميين. ومنذ إبرام اتفاق ستوكهولم، انفصلت المنطقة الجنوبية في الحُدَيْدَة عن المدينة، لدرجة أنه يتيعن على المسافرين إلى أي مكان أن يقوموا برحلة تستغرق عِدَّة أيام، بدلًا من قيامهم برحلة تستغرق من 30 إلى 45 دقيقة.

ويتمثَّل المظهر الثاني في محاولة طارق صالح المستمرة لقمع المقاومة التِهامية بأكملها، سواء كان ذلك الإجراء امتدادًا لمظالم قديمة، أو ردًّا على فشل إدماج بعض هذه القوات، أو من أجل إقامة وجود موحَّد على الساحل التِهامي. وأسفر هذا الأمر عن اندلاع عِدَّة مظاهرات في مدينة الخوخة في أعوام 2019 و2020 و2021. ويؤكد النزاع المُسلَّح الذي اندلع في يناير 2021 بين ألوية الحرس الجمهوري والمقاومة التِهامية استمرار التوترات والاستياء من نوايا طارق صالح والتشكيك فيها.

ويوضح التقرير أن محمد ورق، عضو البرلمان ورئيس مجلس تِهامة الوطني (وهو حركة أخرى تشكَّلت عام 2019)، اتَّهم الإمارات، مُتمثِّلة في طارق صالح، بالسعي لتقسيم الساحل التِهامي من خلال تأسيس محافظة في منطقة الساحل الغربي. ويُنظَر إلى حدود المنطقة المعنية، التي تمتد من مدينة الجاح (إلى جنوب مدينة الحُدَيْدَة) مرورًا بمدينة المخا إلى مضيق باب المندب جنوبًا، على أنه دليل على أن هذا الإجراء يُعد بمثابة محاولة لتعزيز سيطرة طارق الإقليمية والبحرية. ومن المتوقَّع أن يكون هذا الإجراء بغرض ممارسة الضغط على حزب الإصلاح في مدينة تعز، وتعزيز مكانة حزب المؤتمر الشعبي العام في مباحثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة، فضلًا عن مكتب طارق صالح السياسي، وتقديم الدعم الأمني للجهات الفاعلة الإقليمية، ومنها الإمارات والسعودية.

فيما يتمثَّل المظهر الثالث في إقصاء مدينة الحُدَيْدَة ومنطقة تِهامة الاتحادية، التي تضم محافظات الحُدَيْدَة وحجة والمحويت وريمة، والتي تُمثِّل معًا نحو خُمْس سكان اليمن، أو أكثر من 6 ملايين شخص، من حكومة رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك سعيد. ولم يسبق أن اتخذت اليمن هذا الإجراء حتى في عهد علي عبد الله صالح، وهو علامة لا جدال فيها على تراجع تمثيل التِهاميين في جميع مؤسسات الدولة، فضلًا عن تعميق تهميشهم.

كيف تمضي اليمن قُدُمًا؟

وبحسب التقرير، من الواضح أن المظالم المتعلقة بالقضية التِهامية استمرت في النمو أثناء اندلاع الحرب، ولكن حتى تتمكَّن المنطقة من معالجة هذا الأمر، يجب أن تستحدث قيادة موحَّدة من أجل الفوز بمقعد على طاولة صُنع القرارات. وقد تتمثَّل هذه القيادة في إنشاء مجلس للقوى الاجتماعية من مُختلَف أطياف المنطقة، وليس الاحتكام إلى قائد واحد، بحيث تخضع لهذا المجلس الأدوات السياسية والعسكرية والاجتماعية والإعلامية.

Embed from Getty Images

ويمكن أن تَعقِد الفصائل التي تدافع عن الحدِّ من المظالم، بغض النظر عن انتمائها السياسي، مؤتمرًا شاملًا وتُشكِّل جبهة مُتَّحِدة واحدة لمساعدة قضية التهاميين، على غرار المؤتمر الذي نُظِّم في مدينة حضرموت.

ومن الناحية السياسية، قد يُمكِّن تشكيل مظلَّة شاملة، سواء إنشاء مجلس قيادة أو مكتب سياسي، القوى المحلية من الانخراط مع الأطراف الإقليمية والدولية، ومن بينها المنظمات. وفي إطار سعيها لتضخيم وجودها، يجب أن تُجري نخب تِهامة وقواعدها الشعبية خطابًا من أجل إرسال إشارة إلى جماهيرها في الداخل والخارج، وزيادة الوعي العام بشأن المظالم التي استمرت قرنًا من الزمان، والاحتفاء بجمال الهوية التِهامية اليمنية. وفي تصريح لمعهد الشرق الأوسط، ذكر مسؤول تِهامي رفيع المستوى أن «الخطاب الإعلامي يجب أن يوحِّد المواطنين ولا يفرِّقهم». وحتى يتمكَّن التِهاميون من استعادة دورهم على نحوٍ تدريجي في المشهد المحلي اليمني، يجب أن يطبِّقوا تكتيكات جديدة ونُهُج أكثر حزمًا، نظرًا إلى عدم استعداد أي حزب أو نظام سياسي للاعتراف بالمظالم التي تعرَّض لها التهاميون.

ويوضح التقرير أن المشهد الحالي في اليمن يبدو أنه يكافئ الكيانات بأدوات القوة والنفوذ والإخضاع (أي الأسلحة والقوات)، ولا يكافِئها بالتحركات السلمية. ومع وضع هذا الأمر في الحُسبان وحتى تتمتَّع القيادة التهامية الموحَّدة بمزيد من النفوذ السياسي، يجب أن يعيد الحراك التِهامي تأهيل الألوية التابعة له ويعيد تنظيمها على المدى الطويل تحت مظلَّة عسكرية تدعم القضية التِهامية، على غرار كيفية إسهام الحفاظ على قوات النخبة الحضرمية، التي يحتفل بها الحضرميون احتفالًا كبيرًا، في تضخيم القضية الحضرمية وإضافة مستوى من الأمن في المنطقة.

عربي

منذ 9 شهور
«بروكنجز»: كيف يمكن إجبار الحوثيين على الانخراط في محادثات سلام؟

ولن يقتصر انعكاس هذا الأمر على تحقيق مزيد من الثِقَل السياسي والحكم الذاتي والانفصال عن الهيمنة التاريخية للسلطة التي تسيطر على المنطقة الهضبية، ولكنَّه سيؤدي أيضًا إلى تحسين المشهد الأمني المحلي وحماية الصيادين والمدنيين، إذا حصلوا على تدريب وتمويل كافيَيْن ومدعومَيْن.

ويختتم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أنه نظرًا إلى اعتمادها على سياسات القرن الماضي وما بعده، تكتسب هذه الأولويات السياسية والعسكرية والإعلامية أهمية أساسية للتفاوض على الحدِّ من المظالم. وفي ظل الظروف الراهنة، تخاطر الحكومة اليمنية بتعميق هذه المظالم وزيادة الاستقطاب على المدى الطويل؛ ما قد يؤدي إلى ابتعاد القضية التِهامية عن نهجها السلمي إلى حدِّ كبير حتى الآن وإحياء المسار التاريخي للنزاعات المسلَّحة. وسيكشف لنا المستقبل هل يتمكَّن التهاميون من الحدِّ من هذه الاتجاهات المثيرة للقلق أم لا، وربما الأهم من ذلك، مدى اعتقاد باقي المجتمع اليمني بأن القضية التِهامية قضية وطنية حقيقية، وليست قضية تؤثر فقط في المنطقة التِهامية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد