نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا أعده مدير مكتبها في القاهرة، سودارسان راجافان، حول تداعيات إعلان الانفصاليين الحكم الذاتي في جنوب اليمن، وقلق الأمم المتحدة والقوى العربية من اشتعال حرب أوسع نطاقًا في اليمن بعد هذه الخطوة.

استهل راجافان تقريره بالإشارة إلى إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي، أكثر الجماعات اليمنية الانفصالية نفوذًا، الحكم الذاتي وحالة الطوارئ في المناطق التي يسيطر عليها في جنوب البلاد؛ وهو ما أثار مخاوفًا من تصاعد الصراع اليمني بينما تسعى الأمم المتحدة إلى وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد.

عام

منذ شهر
نفوذ السعودية ما بعد الحرب.. 4 اتفاقيات ستمنحها البقاء طويلًا في اليمن

قالت دولة الإمارات العربية المتحدة، الداعم الرئيسي للانفصاليين، أمس الاثنين إنها تعارض الإعلان، وحثت المجلس الجنوبي على احترام اتفاق سلام وقعه العام الماضي مع الحكومة المعترف بها دوليًا، والذي أكد السيطرة المشتركة على الجنوب.

ودعت المملكة العربية السعودية – التي تقود مع الإمارات تحالفًا إسلاميًا سنيًا إقليميًا يخوض الحرب في اليمن – الانفصاليين إلى التراجع عن هذه الخطوة، واصفة إياها بأنها «عمل تصعيدي».

كما أعربت الأمم المتحدة عن قلقها، وحثت الأطراف المتنازعة على الالتزام باتفاق السلام، المعروف باتفاق الرياض.

ويبدو أن الاتهامات بالتأخير في تنفيذ الهدنة هي التي دفعت المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إعلان الحكم الذاتي مطلع الأسبوع الجاري، بحسب التقرير.

الانفصال والفيضان والفيروس.. 3 أزمات تضرب اليمن في وقت واحد

أضاف راجافان أن هذه التوترات هي أحدث حلقة في سلسلة الصدمات التي ضربت جنوب اليمن، بعد مقتل 14 شخصًا على الأقل، بينهم خمسة أطفال، في فيضانات مفاجئة الأسبوع الماضي اجتاحت مدينة عدن، المطلة على البحر الأحمر والعاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

يمر اليمن، البلد الأكثر فقرًا في العالم العربي، بالفعل بأشد أزمة إنسانية في العالم بعد أكثر من خمس سنوات من الصراع. وما زاد الطين بلة، كان اكتشاف أول حالة إصابة بـ(كوفيد-19)، المرض الناجم عن فيروس كورونا المستجد، هذا الشهر؛ مما أثار مخاوف من احتمالية انتشار المرض بسرعة، في الوقت الذي يواجه اليمن انخفاضًا كبيرًا في تمويل المساعدات الإنسانية.

وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن، مارتن جريفيث: «الانعطافة الأخيرة في الأحداث مخيّبة للآمال، خاصة وأن مدينة عدن ومناطق أخرى في الجنوب لم تتعافَ بعد من الفيضانات وتواجه خطر (كوفيد-19)».

وأضاف: «الآن أكثر من أي وقت مضى يجب على جميع الأطراف السياسية التعاون بحسن نية، والامتناع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، ووضع مصالح اليمنيين في المقام الأول».

Embed from Getty Images

حروب متعددة الأطراف تخنق اليمن

يقول التقرير: إن «هذه الموجة الجديدة من العداوات تذكرنا بالحروب المتعددة التي تخنق اليمن. ففي حين أن الصراع الأساسي، والأكثر شهرة، يدور بين التحالف الذي تقوده السعودية ضد المتمردين الشماليين المعروفين بالحوثيين، فإن معركة السيطرة على مدينة عدن الساحلية الإستراتيجية ومناطق أخرى في الجنوب تضع حليفين داخل التحالف في مواجهة ضد بعضهما البعض».

فبينما تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، فإن المملكة العربية السعودية تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، تحت رئاسة عبد ربه منصور هادي. صحيح أن كليهما يخوض حربًا ضد الحوثيين المتحالفين مع إيران، لكن ثمة خلافات داخل التحالف تتأجج منذ أكثر من عامين.

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يدعم انفصال جنوب اليمن عن شماله، يخوض صراعًا منذ فترة طويلة مع الحكومة اليمنية التي يحكمها الشماليون منذ عقود. ورفض المجلس والإمارات تحالف هادي مع «حزب الإصلاح» الإسلامي ذي النفوذ.

ينظر السعوديون إلى حزب الإصلاح على أنه جزء من نسيج اليمن السياسي، لكن الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي يعارضان أي دور لحزب الإصلاح بسبب ارتباطاته بجماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية سياسية إقليمية صنفها الإماراتيون وحكام عرب آخرون بأنها جماعة إرهابية.

في أغسطس (آب) الماضي، سيطر مقاتلو المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن بعد أربعة أيام من الاشتباكات التي أسفرت عن مقتل ما يقارب 40 شخصًا وإصابة 260، وإجبار عشرات الآلاف من المدنيين على الفرار من المدينة الواقعة على طرف شبه الجزيرة العربية، وهو ما دفع التحالف لاستهداف حلفائه بضربات جوية.

Embed from Getty Images

استيلاء الانفصاليين على عدن يكشف الشقوق داخل التحالف 

في نوفمبر (تشرين الثاني)، وقع المجلس الانتقالي الجنوبي اتفاقية سلام مع الحكومة في العاصمة السعودية الرياض، حظيت بترحيب السعودية والإمارات والقوى الغربية، على اعتبار أنها تمهد الطريق لحل سياسي أوسع ينهي الحرب الأهلية والأزمة الإنسانية في اليمن، التي تركت الملايين على حافة المجاعة وعرضة لتفشي الأمراض.

دعت الاتفاقية على وجه الخصوص إلى توزيع حقائب الحكومة بالتساوي بين الجنوبيين والشماليين، وأن تخضع القوات الانفصالية لسيطرة الحكومة، وأن يعيد المجلس الانتقالي الجنوبي جميع المباني الحكومية التي استولى عليها.

لكن محللين استعرض التقرير آراءهم يقولون إن اتفاقية الرياض لم تعالج شكاوى الجنوبيين الأساسية أو قضيتهم الرئيسية بشأن الانفصال. ومرارا وتكرارًا، تأجلت المواعيد النهائية المحددة لتطبيق الاندماج العسكري وتشكيل حكومة تكنوقراط لتقاسم السلطة. وهو التلكؤ الذي حمّل كل طرف مسؤوليته للطرف الآخر.

«كانت هذه فرصة سانحة أمام المجلس الانتقالي الجنوبي لاتخاذ موقف».

في غضون ذلك، انصب الاهتمام الدولي على وقف إطلاق النار بين السعودين والحوثيين، وظهور حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد. وتشتت انتباه القوى الإقليمية مع بداية صيام شهر رمضان يوم الجمعة.

قالت الباحثة اليمنية في جامعة أكسفورد، إليزابيث كيندال: «كانت هذه فرصة سانحة أمام المجلس الانتقالي الجنوبي لاتخاذ موقف». وأضافت أن الفيضانات أطلقت أيضًا «منافسة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي لتسجيل النقاط السياسية، وكلاهما اعتبر الاستجابة الضعيفة دليلًا على عدم قدرة الطرف الآخر على الحكم».

ومع مطلع الأسبوع الحالي، أصبح من الواضح أن انعدام الثقة تعمق مرة أخرى. ونشر هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، تغريدة صباح الأحد متهمًا حكومة هادي بوضع عقبات أمام الاتفاق ووصمها بالفساد وسوء الإدارة. وقبلها بساعات أعلن الانفصاليون حالة الطوارئ في عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى، كما أعلنوا عزمهم على السيطرة على الميناء، والمطار، والبنك المركزي، ومناطق حكومية أخرى.

ورفض مسؤولون في ثلاث محافظات جنوبية – شبوة، وحضرموت، وسقطرى – إعلان الحكم الذاتي. وقال وزير الخارجية اليمني: إن الإعلان «استئناف لتمرده (المجلس الانتقالي) المسلح»، وحذر من «عواقب خطيرة وكارثية».

هكذا يمكن أن يضر إعلان الانفصال بفرص نجاح السلام

بحسب التقرير يأتي هذا الإعلان عن الحكم الذاتي في ظل ضعف حكومة هادي نتيجة المكاسب العسكرية الكبيرة التي أحرزها الحوثيون، والمؤشرات التي تدل على أن السعوديين يبحثون عن طريقة للخروج من الحرب. وليس ذلك كله «سوى ضربة أخرى لمصداقية» الحكومة، كما تقول إليزابيث كيندال.

عربي

منذ 4 شهور
سر صنعاء.. لماذا تظل عاصمة الحوثيين محصنة ضد السقوط؟

يمكن أن يضر إعلان الانفصال أيضًا فرص نجاح السلام. ويستشهد التقرير بقول كبير محللي الشأن اليمني في مجموعة الأزمات الدولية، بيتر ساليسبري إن الإعلان «يجعل وقف إطلاق النار والتسوية السياسية أكثر صعوبة». ذلك أن اتفاق الرياض كان قد مهَّد الطريق لتشكيل حكومة أكثر تمثيلًا للأطياف اليمنية، مما يعطيها مصداقية أكبر للتفاوض مع الحوثيين. لكن «إذا انهار الاتفاق، لن يعود لهذا البند مكان على الطاولة»، كما يؤكد ساليسبري.

ويضيف: «ثانيًا، المجلس الانتقالي الجنوبي هو أحد الجماعات التي تقاتل الحوثيين على الأرض. وإذا لم يكونوا جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار، يمكن للحوثيين القول بأنه لا يوجد أصلًا وقف لإطلاق النار».

وترى إليزابيث كيندال أن «الفائزين على المدى القصير هم بالطبع الحوثيين؛ لأن أي عودة للخلافات في أوساط التحالف تصرف الطاقة والموارد بعيدًا عن الحرب ضدهم».

وختم التقرير بالإشارة إلى أن السعودية أعلنت وقف إطلاق النار في اليمن، بينما تستعد وكالات الإغاثة لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد. وكانت السعودية والمتمردون اليمنيون قد أحرزوا تقدمًا نادرًا في محادثات السلام، لولا اشتعال شرارة العنف الجديدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد