لا تتوقفوا عن التأكيد على حقيقة أننا كثيري التدقيق، ومن الصعب إرضاؤنا. وأَخْبِرونا بأنَّ الرجل المِثاليّ لا وجود له. وأضيفوا على ذَلِك أن المقاييس والمعايير التي قُمنا بتحديدها، مُستحيلَة المَنال. استمروا في المساومة واطلبوا مِنّا التَنازُل.

 

قولوا ما تريدون قَوْله ولكِن في النهاية، الحقيقة هي: أنكم لا تفقهون شيئاً.

 

 

لقد ظَلَلْنا طوال حياتنا نَتَلَقَّى المفاهيم التالية؛ أننا لابُد أن نمتلك زِمام الأمور ونقود حياتنا الخاصة ونبقى دَوْماً مُتَحَفِّزين، وأن نَضَع أمامنا دَوْماً أهدافاً سامية وغير محدودة، وأنّ النِساء مِثْلهن مِثْل الرِجال فيما هُن قادرات على فِعْله، وأن المُجتمعات لا تُبِنى إلا بِسَواعِد النِساء القويّات، وأنه لا يُمْكِننا بأي حال مِن الأحوال أن نَتَخَلَّى عن أحلامنا لِمُجَرَّد أنْ واجَهَتنا بضعة عَقَبات على الطريق.

 

وما الذي يَحْدُث بَعْدَ ذَلِك؟ بينما نزداد شباباً وكِبَراً، يخبروننا بأن الفتيات الصالِحات لا يَذْهَبْنَ إلى المدارس، وأَنَّهُنّ يَبْقين في بيوتِهِنّ مع آبائهِنّ حتى يحين الوقت لزواجِهِنَّ، الأغلبية العُظمى تَتَجاوَب مع تِلك الأفكار وتَمْتَثِل لها، رُبما قسْراً وعلى مَضَض، ولَكِن في النهاية نَخْضَع.

 

 

نُحاوِل خِداع نفوسنا وإقناعها بأن الدليل على نجاحنا لا يَنْحَصِر في الذهاب إلى المدرسة أو يُقاس بدرجاتنا فيها، ولَكِن بكيفية استخدامنا العِلم والمعرفة التي نحصل عليها. نَتَفَوَّق. نَتَمَيَّز عن الجميع في فصولنا الدراسية، سُرعان ما نصبح الطالبات المُقَضَّلات لأساتذتنا، نبدأ في حَمل المزيد والمزيد مِن المِنَح الدراسية، البعثات العِلمية، الامتيازات، المُكافآت والجوائز، الاعترافات والإقرارات بالتَمَيُّز، والخبرة في القيادة والإدارة…

 

كُل ذَلِك بما يفوق مجموع ما حصل عليه إخوتنا وأصدقاؤهم مجتمعين. صِرنا النجوم المدرسيّة البارِزة. نُمَثِّل قصة نجاح المُغْتَرِب، نَحْنُ الوجه المُبْتَسِم على أغلفة الكُتَيِّبات المُختلفة المُتَنَوِّعة والتي تقوم بالدعاية لجامعاتنا، نَحْنُ سُفَراء ثقافتنا الغير مألوفة وديننا الأعجمي الدَخيل، نَحْنُ الوَجه البارِز ذو البشرة السَمراء والذي دائماً ما يكون لديه سؤال أو تعليق أو تنبيه يَوَدّ إضافته.

 

مُحاطون نَحْنُ بالكثير من الرِزق والبَرَكات. يقوم آباؤنا بتشجيعنا، والمُجتمعات بتأييدنا ومُساندتنا، والجامعات بالاحتفاء والاحتفال بِنا. ولكن، ما إن نخطو أولى خطواتنا خارِج قاعة الاحتفال بِحَفل تَخَرُّجنا، حتى تبدأ تِلك الواجِهة السعيدة الزائِفة المليئة بالأرزاق في الانهيار.

 

“لِمَ لَسْتِ مُتَزَوِّجَة؟ ولِمَ تبدو أولوياتك جميعها خالية مِن المُحاولات؟ ألا تَلْحَظين أنك تكبرين في العُمر، وأصدقاؤك جميعهم قد تزوجوا! هيا فَلْتَتَعْجِلي، فالوقت يَمُر سريعاً ويكاد يَنْفَد!”.

 

“لا بأس،” يقولونها لتهدئتنا، “على الأقل تمضين وقتك وأنت تفعلين شيئاً يفيدك، رُبما تُقابلينه في العَمَل أو في الجامعة.” وهكذا، يتم السماح لنا بالمُضِيّ قُدُماً وإاتلاء درجة جديدة في مسيرة النجاح المِهَني، بَل أعني، مسموح لنا باختيار هواية جديدة بينما “نمضي وقتنا”.

 

نَعِي تمام الوعي بأننا لازِلنا عَزْباوات -أو وحيدات غير مُتَزَوِّجات- ونَعِي كذلك بأنه لم يأتِ بَعْد. البعض جاءوا، ولكنه – هو تحديداً – لم يأتِ. “كل شيء قسمة ونصيب.” يذكروننا دَوْماً. “لا تقلقي، أنتِ فتاة صالِحة؛ ذكية، جميلة، مُلتَزِمة دينياً، مُتَعَلِّمة، تنتمين لأسرة لائِقة، لطيفة، وأي فتى يَحْصل عليكِ سوف يكون ذلك مِن حُسن حَظّه.” يقولون ذلك وأنتِ تعلمين أنهم لا يرونك هكذا أبداً!

 

 

فأنتِ دائماً ما تكونين في نظرهم إما شديدة الطول أو القِصَر، لستِ بالقوام النحيل المُناسِب أو شديدة البدانة، مُثيرة للجَدَل أو مِن الصَعب فهمك، طَموحَة بطريقة مُبالَغ فيها، وحازِمَة، وقوية الإرادة… وكبيرة في العٌمْر.

 

وهكذا، فجأة، وبِغَيْر سابِق إنذار، تَتَحَوَّل الأشياء التي تَكَيَّفْتِ عليها طوال حياتِك إلى أعظم جُرم ارتكبتيه. كَوْنِك سَبَبا في جَعْل المُجِتَمَع فخوراً بِكِ، وتَمْثِيله بصورة إيجابية مُشَرِّفَة، ونَشَاطِك الطُلّابي مِن أجل القضايا التي يُسانِدها الجميع مِمَّن حَوْلِك في المُجتَمَع في صَمْت، وسيرتك الذاتية المُكَدِّسَة، على عَكْس المُتَوَقَّع، يجعلك ذَلِك كله مكروهة وغير مَرْغوب فيكِ.

 

تَتَأَمَّلين مُتَسائِلة، لِمَ قد قاموا بتربيتي وتنشئتي على تلك المبادئ إن كانوا يَمْقتونها لهذه الدرجة؟ وبعدها تُدْرِكين الآتي:

 

تِلك القِيَم التي عملوا جاهدين ليغرسوها فيكِ، لم يكن الهدف والحكمة من ورائها أن تقومي أنتِ بتطبيقها في حياتك الخاصة. بل، غرسوها لكي تصبحين أُماً من الدرجة الأولى، الأم التي تُعَلِّم أبناءها أن يكونوا متفوقين وطموحين، لكي يقوم الابن بِجَعل المُجتَمَع فخوراً به يوماً ما، وتقوم الابنة بالزواج وهي في سِن صغيرة وتُرَبِّي الأبناء تماماً كآبائهم.

 

 

تدركين أخيراً بأنه وعلى مدار حياتك الكاملة، كانوا يهيئونِك لا لتكوني طبيبة، أو محامية، أو أستاذة أكاديمية، أو صحفية، أو محترفة في مهنة ما، بل، لتكوني تِلْك الأم التي تُرَبِّي الأبناء الذكور الذين يَتَوَلّون تِلْك المناصِب المجتمعية والمِهَن المهمة.

 

 

والآن، على حِيْنِ غَفْلَة، تجدين حالِك غير متزوجة، وقد تَعَدَّى عمرك الرابعة والعشرين، وأنتِ على الطريق للحصول على مستقبل مهنيّ باهِر. لديكِ أهداف من المُمْكِن تحقيقها والوصول إليها، وحَشْد كبير من المعارِف والصِلات، و خِبرة هائلة فيما يتعَلَّق بالمجال الذي تعملين به. أنتِ تَعْمَلين على خِطَط حقيقية، والحياة المِهَنِيّة التي لطالما حلمتِ بالوصول إليها، أصبحت قريبة في مُتَناوِل يديكِ.

 

وبدلاً مِن إهدار وقتك في الإصابة بالهوس حيال أشياء خارِجة عن نِطاق سيطَرَتِك وليس لديك حُكم عليها، مِثل الزواج (فكل شيء في النهاية “نصيب مكتوب”)، تقومين عِوَضاً بتكريس نفسك كُلِّياً مِن أجل نَفْع عائلتِك والمجتمع مِن حولِك بكل ما تستطيعين الإسهام فيه أياً كانت طبيعة تِلك الإسهامات. فأنتِ تعرفين تماماً أين تريدين العَيْش، وما هي المؤسسة التي تودّين العمل معها، وعدد ساعات العمل التي تناسِبك، وبيئة العمل التي ترغبين فيها.

 

 

وقتئذٍ، يَطرق أحدهم الباب. يبدو لا بأس به، هو ليس مثالياً، ولكن لَسْتِ مثالية أنتِ الأُخرى. يعيش في سيبريا، أو نيروبي أو منجوليا. تِلْك الأماكِن جميعها عظيمة وجميلة وتودّين زيارتها يوماً ما، ولَكِن لديكِ خطة: فجميع مُخَطَّطاتِك وعلاقاتِك وخبراتك في مكان مُخْتَلِف تماماً. لقد قضيتِ وقتاً طويلاً في العَمَل جاهِدة. ولا يُعْقَل أن يَنتَظِروا مِنْكِ التَخَلّي عن كُل ما سَبَق وأن تقومي بإلقائه بعيداً، فقط مِن أجل ذلك الطارِق، أَوَ تعلمون ما تبريرهم وسببهم لعدم رفضه؟ إن ذلك السبب الوحيد لديهم هو أنهم لا يستطيعون إيجاد ما يعيبه أو يجعلك ترفضينه. فقط ذَلِك.

 

 

والآن، أنتِ “غير ناضِجَة وسَطْحية.” “أكان ذلك بسبب أنه ليس وسيماً بالدرجة الكافية؟ أم لأنه ليس ثرياً بما فيه الكفاية؟ أم ربما لأن شعر رأسه في بداية التَسَاقط ومُنْحَسِراً عن جبهته؟ أولوياتك جميعها تحوي قدراً كبيراً مِن الالتواء والتحوير والسخافة، وربما أيضاً التفاهَة!

 

ولتعلمي أن الرِجال الصالحين ـ الموقّرين ـ لا يأتون كثيراً، وإن رفضتِ قبوله، فلا سبيل للتأكُّد متى يُمْكِن أن يأتيك آخر، لا يمكن التأكُّد إن كان سيأتي في الأساس. بينما يُمْكِن لحياتك المهنية أن تنتَظِر قليلاً وتأتي لاحِقاً.”

 

 

“لا بأس إن لم تكوني مُتَحَمِّسة لرؤيته أو التَحَدُّث معه، فلابُد أن ذلك لأنك لازِلْتِ تُصابين بالتَوَتُّر في وجوده. لا بأس إن كُنتِ تُصابين بالصداع عندما تُفَكِّرين به، وإن كُنْتِ لا تُفَضِّلين نِقاش أمره مع أسرتك والأصدقاء، فالسبب فقط أنكِ تخجلين، ويُعَد الأمر مُحْدَثاً إليكِ. أما عن البُكاء والشعور بالغَثَيان، فَتِلْك أمور اعتيادية للعرائِس الجُدُدْ المُنْتَظَرِين. إن رَفَضْتِ قبول عرضه للزواج، فقد فَقَدْتِ عقلك لا محالة، فربما لا يأتي آخر بعده!”

 

 

نعم. أنا عنيدة وصَعْبَة المِراس، ولكنني في الوقت ذاته على استعداد تام للقيام بالتضحيات والتَنازُلات اللازِمة، فقط عندما أجد أن الأمر يَسْتَحِق التضحية. سوف أقوم باعتزال الحياة المهنية التي طالما حلمت بها وأتخلى عنها، فقط للرجل الذي أؤمن بأنه سَيُبْقيني سعيدة ويُحْسِن مُعاشَرَتي ومُعامَلَتي، ولكنني لا أَظُنّ أن الذي طرق بابي الآن هو ذلك الرَجُل.

 

 

وكَوْنه لا يَشوبه عَيْب فادِح ظاهِر لا يعني أنني لا أمتَلِك الحق لرفضه. فإن ذَلِك الذي نقوم بالمُغامَرَة به والمُراهَنة عليه هو مُسْتَقبلي أنا، وأنا لا أشعر بالراحة حيال هذا المُراهِن. قد لا تستوعِبون ذَلِك، ولكنني سأُمَثِّل نِصف تركيبة هذا الزواج، ألا يجعل ذَلِك من رغباتي في تحديد مكان العَيْش والعمل وتكوين الأسرة أية أهمية؟ من الواضِح أن الإجابة بالنفي. وأنّ تِلْك الرغبات لا تعني الكثير، أو لا تعني شيئاً على الإطلاق.

 

 

“إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ” (رواه الترمذي)
لقد انهَزَمتِ. لابُد من الخضوع. لابد من التوقف عن المُقاوَمة والنِضال. فقد خسرتِ. وانتهى الأمر.

 

ما تَرَبَّيتِ عليه ونَشْأَتِك بأكملها كانت أكذوبة؛ لستِ بالشَخْص ذي القيمة، والذي يتم تقدير أفكاره الدقيقة الفاصِلة وآرائه المليئة بالتَحَدّي. لا، فما أنتِ سِوى زَوْجَة. زَوْجَة حَسَنَة السيرة الذاتية، ولكنك في النهاية زَوْجَة فقط على الرغم مِن ذَلِك. لا ترتقبي المزيد ولا تَتَطَلَّعي إلى تغيير الأعراف والقواعِد المُعْتَرَف بها مُجْتَمَعيّاً. لابُد من الخضوع. لابد من التوقف عن المُقاوَمة والنِضال. فقد خسرتِ. وانتهى الأمر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد