إنَّك تعرف معظم ما تعرفه دون أن تعرف كيف تعرفه. عندما تقارن على سبيل المثال بين الصورتين التاليتين، تعرف دون تفكيرٍ في السبب أنَّ إحداهما حقيقية والأخرى مصطنعة، إذ تبدو الاختلافات مثل ضحكة «عين» كلٍ منهما واضحة عندما تنظر عن قرب، ولكن كيف عرفتَ أنَّ التجاعيد حول العين تنُم عن سعادة متأصلة بينما غيابها يعني أنَّ الشخص يصطنع الابتسامة؟

1

وكذلك إذا كنتَ جالسًا في مطعمٍ يعج بالضوضاء وعيناك مغلقتان ومرَّ أحدٌ بجانبك، بالقرب من جانبك الأيسر، ستشعر بوجوده حتى إذا لم يُصدِر صوتًا. يأتي هذا الوعي تلقائيًّا، دون حاجةٍ إلى أن تُفكِّر وتقول «همم، لقد قلَّت ضوضاء المطعم في أذني اليُسرى عنها في أذني اليُمنى، لذا لا بد أن يكون هناك ظل صوتي قد مرَّ من جانبي الأيسر، وهذا الظل الصوتي على الأرجح سيكون إنسانًا عابرًا».

ومن الأمثلة الأخرى لتجربة «أن تعرف دون أن تعرف» هي الطريقة التي يُحدِّد بها عقلك مواضع الأصوات. فإذا كانت عيناك مغلقتين وطقطق أحدٌ أصابعه فوق رأسك إلى جانبك الأيمن، ستتمكَّن من تحديد اتجاه الصوت بدقة، وتُخمِّن حتى بُعد مسافته، دون تحليلٍ واعٍ لكيفية تمكُّنك من أداء هذا العمل.

(يُحدِّد عقلك مواضع الأصوات في ثلاثة أبعاد من خلال مقارنة زمن الوصول واختلافات ارتفاع الصوت بين أذنيك، بالإضافة إلى فحص تردُّد الصوت بعناية، والذي يتغيَّر مع مسافة الصوت بسبب خصائص تنقية التردُّد الموجودة في أذنك الخارجية ورأسك وكتفيك).

والمثال الأخير، إذا التقيتَ شخصين من الجنس الآخر جذابين (بصريًّا) بنفس القدر، ستشعر على الأرجح بانجذاب جنسي تجاه أحدهما أكثر من الآخر، دون أن تدرك أنَّ أنفك تستشعر المواد الكيميائية الصادرة من أحدهما عبر الهواء مُشيرةً إلى أنَّه أكثر ملاءمةً للتزاوج من الآخر. (تحمل المواد الموجودة في رائحة الجسم بيانات عن التكوين الجيني للفرد، والتي ترتبط بدورها بملاءمة الأطفال الذين قد تنجبهم من ذلك الفرد).

لكلٍ من هذه الأمثلة تفسير علمي في مقابل التفسير الخارق للطبيعة. إنَّ الشعور بتعبيرات الوجه الحقيقية والمصطنعة، وبالحركة من خلال الظل الصوتي، وبمسافة مصدر الصوت، هي أمثلة لظاهرةٍ يُطلَق عليها «التعلُّم الضمني». على الرغم من أنَّه علينا عادةً الانتباه إلى الأحداث لكي تُخزَّن في ذكريات يمكننا استرجاعها لاحقًا بصورةٍ واعية، إلَّا أنَّه من الممكن الوصول بصورةٍ لا واعية إلى ذكريات تشكَّلت عبر ارتباطات لم ننتبه لها بوضوحٍ. فعادةً نرى مصدر الصوت ونسمعه على سبيل المثال، ولكن بعد اختبار العديد من حالات الترابط بين المعلومات البصرية (التي تنقل معلومات دقيقة للغاية عن الموقع) والمعلومات السمعية (التي تحمل معلومات أقل دقة بدرجةٍ كبيرة) تتعلَّم عقولنا ضمنيًّا أنَّ المحتوى الطيفي (التردُّد) للصوت الصادر من أعلى رؤوسنا يختلف عن التكوين الطيفي للأصوات الصادرة من أسفل رؤوسنا.

وعلى نفس المنوال، عندما نلاحظ انخفاض مستويات الصوت في إحدى الأذنين عندما يمر أحد بجوارنا، يتعلَّم عقلنا بصورةٍ لا واعية أنَّ الظل الصوتي يرتبط بمرور شخص (أو شيء) بجوارنا. ويمكننا تفرقة الضحكة المصطنعة من الحقيقية عبر تذكُّر السياقات التي رأينا الناس يبتسمون فيها في الماضي بصورةٍ لا واعية، عادةً ما تجعل جملة «ابتسموا للكاميرا» الناس يبتسمون ابتسامات مصطنعة، أمَّا الاستجابات العفوية للنكات تثير الضحكات الحقيقية.

ولكن ليست كل المعرفة اللاواعية مُكتَسَبة، فتحديد مواضع الأصوات من اليسار إلى اليمين خاصية موجودة مسبقًا في عقولنا في دوائر فطرية تُحلِّل الزمن واختلاف حدة الأصوات المسموعة في الأذنين، فالأصوات إلى جانبنا الأيسر على سبيل المثال تصل إلى الأذن اليُسرى قبل أن تصل إلى اليُمنى، كما أنَّها تكون أعلى في اليُسرى. وكذلك الاستجابة للإشارات الكيميائية الموجودة في روائح الجسد خاصية موجودة مسبقًا منذ الولادة على الأرجح.

من المفيد أن نكون على وعي بأنَّنا نعي الأشياء -المُكتَسَبة والفطرية- على الرغم من أنَّنا لا نعي سبب وعينا بها، لأنَّ مثل هذا الوعي قد يُخفِّض من انعدام الثقة بالنفس الضار.

عندما كنتُ أشارك في عيادة مجانية في جنوب كاليفورنيا بصفتي معالجًا نفسيًّا متطوعًا لسبع سنوات، لاحظتُ أنَّ العملاء عادةً ما يصبح لديهم ثقة ضعيفة بالنفس، يرجع ذلك جزئيًّا لعدم ثقتهم في إدراكهم وحدسهم الذاتي، ومن ثم التقليل منه. عندما سُئلوا عن سبب شكِّهم في أنفسهم، كان الكثيرون منهم يقولون مثلًا: «ليس لدي سببًا جيدًّا لأصدِّق س أو ص أو ع»، لأنَّهم لم يستطيعوا الوصول بصورةٍ واعيةٍ إلى التجارب (أو الإدراكات الفطرية أحيانًا) التي أثارت تلك المشاعر.

خلاصة الأمر أنَّ هناك أسبابًا سليمة علميًّا تدفعك للثقة في مشاعرك وإدراكك وحدسك، حتى عندما لا تشعر بكيفية شعورك بهم. لديك بالفعل حاسة سادسة، وسابعة وثامنة، وأكثر من ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

Major histocompatibility complex genes, symmetry, and body scent attractiveness in men and women
عرض التعليقات
تحميل المزيد