تُعد الأوقات العصيبة بمثابة فرصة لتعزيز مرونة الأطفال واكتسابهم القدرة على التكيف مع التحديات. وحول هذا الموضوع نشر موقع مجلة «سيكولوجي توداي» مقالًا لفانيسا لوبو، أستاذة مشاركة في علم النفس بجامعة روتجرز نيوارك، أوضحت فيه الكيفية التي يستطيع من خلالها الآباء تعزيز مرونة أطفالهم.

نقاط أساسية

  • كان العام الماضي عصيبًا على الجميع بعد تفشي جائحة كوفيد-19 عالميًّا والتراجع الاقتصادي المرتبط بها.
  • الأبحاث العلمية التي أُجريت على مدار عقود من الزمن وثَّقت الآثار الخطيرة الناجمة عن الإجهاد المزمن في مرحلة الطفولة.
  • حدَّد علماء النفس الوسائل التي يمكن للآباء استخدامها لتعليم أطفالهم كيفية التعامل مع المصاعب.
  • نقدم لكم الطريقة التي يمكن من خلالها تدريب الأطفال على التكيف والمرونة في العام الجديد.

تُشير الكاتبة في بداية مقالها إلى أن السنوات القليلة الماضية كانت عصيبة على الجميع بسبب ما واجهته من أزمات، بداية من تفشي جائحة كوفيد-19 عالميًّا، ومرورًا بالتراجع الاقتصادي المرتبط بها، ووصولًا إلى الاحتجاجات العارمة ضد العنصرية. ويعاني كثير من الناس من اضطرابات القلق والتوتر التي تستنفذ قدراتهم، ويجدون أنفسهم غير قادرين على النوم أو التركيز.

تقول الكاتبة: بصفتي أخصائية نفسية تنموية وباحثة في اضطرابات القلق والخوف لدى الرضَّع والأطفال الصغار، كان يساورني القلق بصورة خاصة إزاء تأثير الجائحة على الصحة النفسية للشباب. إذ لم يذهب كثير منهم إلى المدرسة فعليًّا منذ مارس (آذار) 2020. كما كانوا بمنأى عن أصدقائهم وأقاربهم، نظرًا لأن بعضهم كان يخشى من أن يُصاب هو أو أي من أحبائه بالفيروس، وربما يتعرضون للأذى بسبب العنف العنصري أو العنف المنزلي أو قد يفقدون منزلهم بسبب حريق هائل أو فيضان، وهذه كلها عوامل ضغط حقيقية هائلة.

وقد وثَّقت الأبحاث العملية، التي أجريت على مدار عقود من الزمن، الآثار الخطيرة الناجمة عن الإجهاد المزمن في مرحلة الطفولة. لكن علماء النفس حدَّدوا الوسائل التي يمكن للآباء من خلالها تعليم أطفالهم كيفية التعامل مع المصاعب وهي فكرة معروفة عمومًا بالمرونة.

آثار التوتر المزمن في مرحلة الطفولة

تؤكد الكاتبة أنه لا يمكن حماية الأطفال من التأثر بكل شيء يدور حولهم، ومنها، على سبيل المثال، طلاق الوالدين ونَشأة الأطفال في ظل الفقر، وربما إصابة أصدقائهم أو أحبائهم بالجروح أو الأمراض أو الموت. وربما يُعاني الأطفال من الإهمال أو يتعرضون للمعاملة السيئة من الناحية الجسدية أو النفسية أو يتعرضون للتنمر. وقد تضطر العائلات إلى الهجرة عن أوطانها فينتهي بها الأمر إلى أن تصبح بلا مأوى أو تعيش في ظروف من الكوارث الطبيعية.

Embed from Getty Images

ويمكن أن يكون لهذا كله آثار بعيدة المدى. وقد تؤدي المعاناة التي يعيشها الأطفال في مرحلة الطفولة إلى التغيير الفعلي على تركيبة عقل أي طفل ينمو. وقد تؤدي هذه الآثار الوخيمة إلى إعاقة التنمية المعرفية والاجتماعية والنفسية، مما يُؤثر على القدرة على التعلم والذاكرة واتخاذ القرار وغير ذلك.

وتوضح الكاتبة أن بعض الأطفال يعانون من مشكلات وجدانية، أو يتصرفون بسلوك عدواني، أو تخريبي، أو يقيمون علاقات غير ناجحة، أو ينتهي بهم الأمر فيصبحون خارجين عن القانون. وفي أغلب الأحيان يتأثر الأداء الدراسي للأطفال؛ مما يقلص فرص العمل والدخل في نهاية المطاف. وقد تزداد مخاطر الإقدام على الانتحار، أو تعاطي المخدرات، والكحول. وقد يكون الأطفال الذين يتعرضون للإجهاد المزمن عرضة للمشكلات الصحية التي تستمر مدى الحياة، ومنها النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، والسمنة، ومرض السكري، والسرطان.

إذًا كيف ينجو بعض الأطفال من براثن التحديات الخطيرة المحدقة بهم، وينجحون في حياتهم، بينما تتغلب هذه التحديات على أطفال آخرين؟ تجيب الكاتبة قائلة: يعمل الباحثون في مجالي على تحديد الوسائل التي تساعد الأطفال على تجاوز العقبات، ويحققون النجاحات بينما تتكدس في طريقهم المصاعب والتحديات. ويبدو أن الأمر يُعزى إلى الحصول على الدعم، والقدرة على التكيف، والمرونة.

وتُعرَّف المرونة بأنها القدرة على العودة إلى الوراء، أو الارتداد، أو التعافي سريعًا من أضرار الشدائد. وهي خاصية تُتيح للأشخاص التميز بالكفاءة، والقدرة على الإنجاز، على الرغم من الظروف العصيبة. ويستطيع بعض الأطفال الذين مروا بظروف عصيبة أن يُحسِنوا التصرف منذ صباهم. بينما يستطيع أطفال آخرون فيما بعد تحقيق النجاح والازدهار، من خلال إيجاد طريق حياتهم بمجرد بلوغهم سن الرشد.

وتشير الكاتبة إلى وصف آن ماستن، أستاذة في معهد تنمية الطفل في جامعة مينيسوتا ورائدة في أبحاث علم النفس التنموي، للمرونة بأنها «سحر طبيعي». ولا يمكننا القول إن الأطفال الذين يتمتعون بالمرونة لديهم نوع ما من القوة الخارقة التي تساعدهم على المثابرة في الوقت الذي يتعثر فيه غيرهم، ولكن المرونة ليست سوى ميزة وُلدنا بها وهي شيء يمكن تعزيزه.

عناصر أساسية لتحقيق المرونة

تلفت الكاتبة إلى أنه من المرجح أن تكون المهارات الوظيفية التنفيذية التي تحقق النجاح الأكاديمي هي نفسها، على ما يبدو، التي تُثقِل الأشخاص بإستراتيجيات التكيف البالغة الأهمية. ومع القدرة على التركيز، وحل المشكلات، والتنقل بين المهام، يعثر الأطفال على وسائل تمنحهم القدرة على التكيف والتغلب على التحديات بطريقة سليمة. كما يُعد التحكم في السلوكيات والعواطف أمرًا أساسيًّا.

Embed from Getty Images

وقد توصلت دراسة أجريت مؤخرًا إلى أن الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و17 عامًا واستطاعوا الحفاظ على التوازن العاطفي على الرغم من إساءة معاملتهم كانوا أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب، أو أي مشكلات عاطفية أخرى. ومع ذلك فمن الواضح أن العلاقات هي الأساس الذي يرتكز عليه الأطفال حتى يحققوا التوازن والاستقرار. وتوفر «علاقات التعلُّق» إحساسًا بالأمان والانتماء يستمر مدى الحياة.

وتنوه الكاتبة إلى أن الدعم المتواصل والحماية التي يوفرها الوالدان، أو مقدمو الرعاية، يُعد أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق النمو الصحي، والأكثر أهمية يكمن في هذه العلاقات. كما يمكن أن يساعد الأطفال في هذا الشأن آخرون: كالأصدقاء، أو المعلمين، أو الجيران، أو المدربين، أو المرشدين التربويين، أو غيرهم. وحصول الأطفال على دعم متواصل يضمن إضفاء الاستقرار، ومساعدتهم في بناء الثقة بالنفس، والاعتماد على الذات والقوة.

لهذا السبب، كانت روث بادر جينسبورج رمزًا للمرونة، إذ نشأت في حي بروكلين للطبقة العاملة وفقدت والدتها، الشخص الأساسي الداعم لها، قبل تخرجها من المدرسة الثانوية. لكنها ثابرت وتمكنت من التخرج من جامعة كورنيل في المرتبة الأولى على زملائها، وأصبحت في نهاية المطاف واحدة من أربع نساء فحسب يعملن في المحكمة العليا. وهناك مثال آخر على المرونة وهو جون لويس، الذي كان ابن مزارعين مستأجرين للمزارع في ولاية ألاباما النائية، لكنه أصبح زعيمًا رائدًا في حركة الحقوق المدنية، واستمر نائبًا في الكونجرس الأمريكي لمدة 33 عامًا.

كيف نُعزِّز مرونة الأطفال في المنزل؟

أفادت الكاتبة أن هناك العديد من الطرق التي يمكن للوالدين من خلالها مساعدة أطفالهم على تحقيق المرونة، ومنها السماح لهم بالحديث والإنصات الحقيقي، من خلال إظهار الاهتمام والتسليم بما يقولونه، وتصديق مشاعرهم ومساعدتهم على وضع المسائل في سياقها الصحيح. وفي بعض الأحيان تكون الإجابة عن بعض تساؤلات الأطفال بالسماح لهم بدرجة من الاستقلالية. ويمكن أن يؤدي الوثوق بهم في تجربة الأشياء بأنفسهم، حتى وإن أخفقوا، إلى مساعدتهم على تعلم حل المشكلات، أو السيطرة على الغضب، أو خيبة الأمل، أو غيرها من المشاعر غير المريحة. وتوفر أساليب «التنفس بهدوء» أداة أخرى تساعد الأطفال في التحكم في مشاعرهم.

Embed from Getty Images

ومن الضروري ملاحظة أن كثيرًا من الأطفال لا يواجهون مصاعبَ من نوع واحد فحسب، بل يواجهون أنواعًا عدة من الصعوبات. على سبيل المثال قد تكون الصعوبات التي يواجهها الأطفال، الذين يعيشون في ظل الفقر، أن آباءهم غير مؤهلين وكثيرو الغياب، أو أن الأطفال يتعرضون لمستويات مرتفعة من التوتر اليومي، أو يعانون من الجوع، أو سوء التغذية، أو العيش في ظروف اكتظاظ صعبة مع عدد قليل من الحدائق، أو لا يتوفر لهم رعاية صحية، بالإضافة إلى الدراسة في مدارس دون المستوى المطلوب، وتتزايد احتمالات تعرضهم لسوء المعاملة.

وألمحت الكاتبة إلى أن المبادرات على مستوى المجتمع قد تساعد في تقليل المخاطر في الوقت الذي تجري فيه مساعدة الأطفال على تحقيق المرونة. ويمكن لهذه المبادرات المجتمعية توفير ظروف معيشية أفضل من خلال الإسكان الميسور التكلفة وتحسين الصحة عن طريق الحد من التلوث. ويمكن للبرامج القوية إشراك المعلمين وأولياء الأمور وأفراد المجتمع لبناء منظومة دعم مستقرة للأطفال المحليين.

وذكرت الكاتبة أن فصول «التعليم الاجتماعي والعاطفي» اكتسبت زخمًا في المدارس، ويوفر منهج هذه الفصول تدريب الأطفال على فهم مشاعرهم والتحكم فيها، وتنمية شعور التعاطف مع الآخرين واتخاذ قرارات تتسم بالمسؤولية، بالإضافة إلى حل المشكلات. وتحقق هذه البرامج نتائج ملموسة: إذ أظهر أحد التحليلات الذي أجري على 270 ألف مشارك أن الطلاب رفعوا درجاتهم بمعدل 11٪. بينما كشفت دراسات أخرى أن عددًا أقل من المشاركين تركوا المدرسة أو تعاطوا المخدرات أو انخرطوا في أنشطة إجرامية، وشهدت سلوكيات الأطفال في المدارس تحسنًا ملحوظًا.

وتختم الكاتبة مقالها بالتأكيد على أن مساعدة الأطفال على تحقيق المرونة يُعد أمرًا بالغ الأهمية حاليًا، في ظل مواجهة الأمريكيين اضطرابات خاصة في حياتهم اليومية. كما أن الآباء في حاجة إلى حماية صحتهم النفسية من أجل توفير الدعم الضروري للأطفال: تحقيق المرونة لا يتعلق بالأطفال فحسب. ويعاني أكثر من 5 مليون طفل في الولايات المتحدة من نوع ما من أنواع الصدمات النفسية سنويًّا. ويعاني الآلاف من التوتر المزمن. لذلك، وفي ظل جائحة عالمية ينبغي تزويد الأطفال هذا العام أكثر من أي وقت مضى بأكبر قدر ممكن من الدعم  قدر المستطاع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد