بعد رحلة طيران طويلة، أخيرًا وصلت لغرفة الفندق، تظن أنك ستنام نومًا عميقًا، تفاجأ أنك لا يمكنك النوم؟ وحتى إذا نمت في نهاية المطاف تستيقظ كثيرًا في منتصف الليل فلا تنعم بساعات نوم متصلة، أو ربما تستيقظ مبكرًا جدًّا مترنحًا.

إليك المفاجأة.. لطالما عرف الباحثون تلك الظاهرة، إذ أطلقوا عليها «تأثير الليلة الأولى». فما هو؟

نشر موقع «ذاكونفرسيشن» مقاًلا تناول دراسة أجراها مجموعة من الباحثين على 35 مشاركًا محاولة منهم للتأكد من وجود نفس الظاهرة التي سبق اكتشافها في عقول بعض الطيور والثدييات البحرية عند اضطرارها للنوم في أماكن غير مألوفة. لاحظ الباحثون القائمون على الدراسة أن المشاركين في تجارب النوم عادة لا ينعمون بنوم جيد في الليلة الأولى من التجارب بينما يتغير الحال في الليالي التالية، لماذا إذًا؟ وما الذي يحدث في عقولهم في المرة الأولى يختلف عن الثانية؟

تأثير الليلة الأولى

عرفت ظاهرة تأثير الليلة الأولى بين العلماء إذ وجد أن الطيور عادة ما لا تنام نومًا عميقًا في الأماكن الغريبة لها وكذلك الطيور التي تنام في طرف السرب لا تنام بشكل عميق مثل تلك التي تنام في الوسط منه. على الأرجح يرتبط ذلك بغريزة البقاء حيث يظل جزء من المخ متيقظًا لأي خطر محتمل على حياته.

وفقًا للمقال، يفترض العلماء أن نفس تلك الظاهرة تحدث في الدماغ البشري، حيث يتدخل نظام المراقبة الداخلي في الإنسان في حال عدم تيقنه ما إذا كان المكان آمنًا أم لا. لذا عمل العلماء على دراسة تلك الظاهرة، هل مخ الإنسان لا يستغرق في النوم العميق حال التعرض للنوم في أماكن غير مألوفة، أم لا؟

التجربة الأولى

يشير المقال إلى أن مخ الإنسان ينقسم إلى فصين أيسر وأيمن، الفص الأيسر فيه مراكز مسؤولة عن معالجة اللغة، والأيمن فيه مراكز مسؤولة عن معالجة الحس المكاني ومعالجة كل ما يتعلق بالبيئة المحيطة.

يقول العلماء أنهم استخدموا دراستهم في تقنية تصوير عصبي متقدمة للكشف عن مقدار عمق نوم فصي المخ في مجموعة المشاركين على مدى ليلتين منفصلتين في أسبوعين متتابعين. وذلك حتى يتسنى لهم التميز بين أثر المرة الأولى عن الثانية.

Modern 3T MRI.JPG

تصوير الرنين المغناطيسي

جمعت التقنية تخطيط الدماغ المغناطيسي (MEG) وهي تقنية تصوير الأعصاب الوظيفية لنشاط الدماغ ورسم الخرائط عن طريق تسجيل المجالات المغناطيسية الناتجة عن التيارات الكهربائية التي تحدث بشكل طبيعي في الدماغ، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الذي يقيس ويصور المعلومات البنوية والتغيرات الباثولوجية في الدماغ ويدرس ويصور حالة النوم العام في الدماغ.

تقيس تلك التقنية نشاط الموجات البطيء الذي يشير إلى مدى عمق النوم. فعندما يكون نشاط الموجات بطيئًا بشدة يكون النوم أعمق، وعندما يكون أضعف يكون النوم أخف. وقد وجد العلماء أن الفص الأيسر من دماغ المشاركين في التجربة ينام بشكل أخف في الليلة الأولى في المكان غير المألوف.

تقاس درجة عمق النوم في عدد من شبكات المخ المختلفة الموجودة في مناطق عديدة في المخ لكنها تعمل معًا. أحدها هو «شبكة الوضع الافتراضي» وهي حالة تنشط ويدخل فيها المخ تلقائيًا عند المرور بوضع غير مألوف.

وجد العلماء أن شبكة الوضع الافتراضي لم تكن خاملة أثناء نوم الفص الأيسر الخفيف، مما يشير إلى أن المخ كان في حالة تيه أو أنه كان في حالة من التنبه والحذر.

كما وجد العلماء أيضًا أن المشاركين الذي عانوا من عدم تناسق في مستوى عمق نوم الفصين معًا، كان الوضع الافتراضي في أسوأ حالاته. اللافت للنظر هنا أن كل ذلك حدث في الليلة الأولى فقط، حيث كانت البيئة غريبة وجديدة على المشتركين. بينما في الليلة الثانية نام المشاركون نومًا طبيعيًّا عميقًا.

السؤال المهم هنا: هل كان نوم الفص الأيسر أخف لأنه كان يراقب البيئة المحيطة؟ إذا كانت الإجابة نعم إذًا بإمكان المخ الاستجابة لبعض الإشارات. فكان لا بد من فحص ذلك بالتجربة أيضًا.

هل سيستجيب؟

في تلك التجربة نام المشاركون بينما وضعت لهم سماعات للأذن تصدر نوعين من الموجات الصوتية؛ إحداهما ذات تردد عالٍ غير معتاد، والأخرى ذات تردد طبيعي.

في أغلب الأوقات تم إسماع المشاركين الأصوات ذات التردد العادي، لكن بين الحين والآخر تعرضوا لأصوات ذات تردد عالي. وجد الباحثون أن الفص الأيسر في حالة النوم الخفيف في الليلة الأولى كان أكثر انتباها لتغير ترددات الصوت من الفص الأيمن، بل إنه استجاب بقوة للترددات غير المعتادة عالية التردد.

ووفقًا للمقال، فقد طرحت هذه النتائج تساؤلات عما إذا كانت تلك الحالة من التيقظ تعني تيقظ الناس وتفاعلهم بشكل أسرع مع المثيرات، أو الإشارات إذا كانوا في مكان جديد، أم لا؟ فطلبوا من المشاركين النقر بإصبعهم إذا ما سمعوا صوتًا خلال سماعات الأذن كما في المرة الأولى.

في الجلسة الأولى وجدوا أن المشاركين تيقظوا ونقروا بإصبعهم أسرع من المرة الثانية بعد أن صارت الغرفة مألوفة لهم. كما وجدوا في تخطيطات التصوير لفصي الدماغ أن الفص الأيسر كان المسؤول عن تلك الاستجابة.

ربما يكون القلق السبب؟

وفي محاولة التاكد من عدم تدخل عامل القلق في التأثير على مدى عمق النوم. قام الباحثون بقياس مستويات القلق في المرتين ولم يكن هناك أي اختلاف في مستوى القلق لدى المشاركين، لذا من غير المرجح تدخل القلق في التأثير على خفة نومهم أو بالأحرى خفة نوم الفص الأيسر.

فهل مخ الإنسان مثل بعض الطيور والحيوانات يظل متيقظًا ليحميها من الخطر أثناء نومها في الأماكن غير المألوفة؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s