تاريخٌ أسود تحمله اختبارات مستويات الذكاء، إذ استُخدمت لفتراتٍ طويلة لتصنيف الطلاب والحكم على قدراتهم وكذلك مراقبة المتقدمين لوظائف في الجيش والشرطة، ومن ثم لاحقا تطور الأمر إلى درجةٍ صدرَ فيها قرارٌ من المحكمة العليا الأمريكية بهدف «تحسين النسل»، أدى إلى أكثر من 65 ألف عقم قسريّ لأفراد صُنفّوا على أنهم ذوو مستويات ذكاءٍ منخفضة.

لكن البروفسور البارز في قسم علم النفس بجامعة كاليفورنيا «دين سيمونتون»، يحاجج أن اختبار معدّل الذكاء (IQ) لا يعوّل عليه إلى تلك الدرجة؛ وإذا ما أجريتَ هذا الاختبار من قبل فإن سيمونتون في مقاله المنشور على موقع «نوتيلوس» يطلب منك ألا تولي للنتيجة أهمية قصوى.

Embed from Getty Images

هل يمكن التنبؤ بالذكاء من عدمِه منذ الطفولة؟



الأطفال العباقرة

غالبًا ما ننسى أن اختبارات الذكاء أمرٌ حديث نسبيًأ، فهي في الواقع تمتد لقرنٍ واحد. ظهرت النسخ المبكرة في فرنسا عام 1905 على يديّ ألفريد بينيه وثيودور سيمون. ومع ذلك لم ترتبط تلك الاختبارات بمفهوم العبقرية حتى أجرى البروفسور بجامعة ستانفورد «لويس تيرمان» تعديلاتٍ عليها، لينشئ ما يُعرف بـ«مقياس ستانفورد-بينيه للذكاء» وذلك في عام 1916. كان الدافع الأصلي وراء هذه الاختبارات هو الحصول على تشخيصٍ يحدد الأطفال ذوي المستويات الدنيا على مقياس الذكاء والذين قد يحتاجون إلى تعليمٍ خاص لمواكبة المناهج المدرسية، لكن بعد ذلك خطرت لتيرمان فكرةٌ رائعة: لماذا لا ندرس عينة كبيرة من الأطفال المسجّلين لمستوياتٍ عليا على المقياس؟ ولم لا نتتبع هؤلاء الأطفال وهم يمرّون في مرحلتيّ المراهقة والبلوغ؟ وهل سينمو هؤلاء الأطفال الموهوبون فكريًا ليصبحوا بالغين عباقرة؟

Embed from Getty Images

نموذج من اختبار « ستانفورد-بينيه للذكاء» الذي كان يطّبق على الأطفال حينها، الصورة تعود لعام 1937

أخضع تيرمان المئات من أطفال المدارس إلى اختباره الجديد للذكاء. وقد انتقى عيّنة بعددٍ معقول لتمكّنه من متابعة عملية تطورهم الفكري وأيضًا لانتقاء نخبة النخبة منهم. تمثلت النتيجة بمجموعةٍ عددها 1,528 فتى وفتاة من الأطفال «اللامعين»، وبلغ متوسط أعمارهم حوالي 11 عامًا. وفي مفردة «لامعين» استهانة كبيرة، إذ بلغ متوسط معدلات ذكائهم 151، مع 77 حالةٍ منهم في المدى ما بين 177 و200. تعرّض هؤلاء الأطفال لجميع أنواع الاختبارات والإجراءات الإضافية مرارًا وتكرارًا حتى بلغوا منتصف العمر.  نتيجة هذه الدراسات الجينية الضخمة ظهرت في خمس مجلدات بين عامي 1925 و1959، علمًا أن تيرمان توفي قبل صدور المجلد الأخير. ما تزال الدراسات تجري على هؤلاء الأشخاص الأذكياء اليوم، أو على الأقل من تبقى منهم حيًا حتى يومنا هذا. وأصبحوا يعرفون لاحقًا باسم «النمل الأبيض».

 

نتائج مخيبة

لم تأتِ النتائج مبشّرة جدًا كما يوضح المقال، إذ لم يكبر أيّ منهم ليصبح ما يمكن أن يعتبره الناس نموذجًا عبقريًا لا ريب به. انصبت مستويات ذكائهم الاستثنائية في مساراتٍ مهنية أكثر اعتدالًا من المتوقع، ما بين الأساتذة والأطباء والمحامين والعلماء والمهندسين وغير ذلك. أصبح اثنان من النمل الأبيض أستاذين بارزين في جامعة ستانفورد، وفي النهاية استلموا الدراسة المطوّلة التي خضعوا لها أنفسهم. هؤلاء الاثنان هما روبرت ريتشاردسون سيرس و لي كورنباخ، ولا يقتربان بالمستوى أبدًا من بافلوف أو فرويد أو غيرهما من العباقرة المعروفين في تاريخ علم النفس.

علاوةً على ذلك، لم ينجح الكثيرون من «النمل الأبيض» في تحقيق أي صفة ذهنية استثنائية. أخفقت هذه النماذج في كثيرٍ من الأحيان في التخرج من الكلية أو الحصول على درجاتٍ أكاديمية عليا، أو حتى الدخول في مهنٍ لا تتطلب أيّ تعليم عالِ على الإطلاق. نتحدث هنا حصرًا عن الذكور، فمن الظلم وضع الإناث بعين الاعتبار في وقتٍ كان المتوقع منهنّ أن يصبحن جميعًا ربّات بيوت، بغض النظر عن درجة سطوعهنّ. (حتى الإناث ذواتِ الذكاء المتجاوز للـ180، لم تتابعن مسيرتهنّ المهنية). من الملفت للنظر بشكلٍ صارخ، أن معدّلات ذكاء الرجال الناجحين لم تختلف بشكلٍ كبير عن نظرائهم من الرجال الفاشلين.  وأيًا كانت اختلافاتهم، فإن الذكاء لم يشكّل عاملًا حاسمًا لدى من نجحَ عمن لم يفعل.

 

 لم تختلف معدّلات ذكاء الرجال الناجحين بشكلٍ كبير عن نظرائهم، وأيًا كانت اختلافاتهم فإن الذكاء لم يشكل عاملًا حاسمًا لدى من نجح عمّن لم يفعل

 

إنجازات باهرة.. لكن للمرفوضين!

على نقيض المتوقع، حصل عدّة أطفال من المرفوضين – ممن حققوا معدّلات ذكاء أقل من أن تضمّهم لعيّنة تيرمان – على مستوياتِ إشادةٍ أعلى من الأطفال ذوي النتائج العالية.

لويس ألڤاريز هو أحد هذه النماذج. عندما بلغ ألڤاريز العاشرة من عمره خضع لاختبار تيرمان ولكنه حقق نتيجةً منخفضة منعته من دخول العيّنة المدروسة. لم يمنعه هذا الرفض من الحصول على الدكتوراه من جامعة شيكاغو في سنّ 25. منذ أن كان طالبًا في الدراسات العليا، بدأ بتقديمِ مساهماتٍ مهمة في الفيزياء، ليصبح في نهاية المطاف «واحدًا من أكثر علماء الفيزياء التجريبية براعةً وإنتاجًا في القرن العشرين». تتضمن إنجازاته عمله في غرف الفقاقيع الهيدروجينية لدراسة الجسيمات الأولية، ما أدى إلى حصوله على جائزة نوبل عام 1968 في الفيزياء. لم يحصل أيّ من النمل الأبيض على جائزة نوبل، لا في الفيزياء ولا غيرها!

حصل لويس ألڤاريز على جائزة نوبل في الفيزياء، في وقتٍ أخفق فيه “عباقرة تيرمان” عن الحصول على أيّ من جوائز نوبل

ويليام شوكلي نموذجٌ آخر لطفلٍ مرفوضٍ من اختبارات تيرمان يحصل على جائزة نوبل في الفيزياء، والتي تشاركها مع زميلين له عام 1965. ولد شوكلي بعدَ عامٍ من ألڤاريز، وعلى الرغم من تحقيقه درجةٍ دون العبقرية في اختبار ذكاء تيرمان (IQ)، إلى أنه تمكن من الحصول على درجة البكالوريوس من معهد كاليفورنيا للتقنية، ومن ثم الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ وكلاهما من المعاهد التقنية المرموقة. انضم بعدها إلى مختبرات بيل وبدأ بالنشر في مجالِ فيزياء الجوامد على نطاقٍ واسع، ليحصل على أوّل براءة اختراعٍ له في سن 28. ومثل ألڤاريز انخرط شوكلي في مسائل الحرب العالمية الثانية، خاصةً في مجال بحوث الرادار. بعد انتهاء الحرب، عاد إلى مختبرات بيل حيث سعى إلى العثور على بديلٍ صلب لأنابيب التفريغ الزجاجية المهيمنة على الإلكترونيات آنذاك. النتيجة كانت ابتكار الترانزستور.

Embed from Getty Images

شوكلي يتوسّط زميليه حوالي عام 1955، حاز الثلاثة على جائزة نوبل في الفيزياء لاختراعهم الترانزستور  

كان ممكنًا أن لا يخضع ألڤاريز وشوكلي لاختبار ستانفورد-بينيه للذكاء، ويحققا مع ذلك إنجازاتهما المتفوّقة على «عباقرة تيرمان» الحاصلين على شهادة «آي كيو» المعتمدة. هذان العالِمان ليسا حالةٍ فريدة بين الحائزين على جائزة نوبل. إذ حصل كلّ من جيمس واتسون – المشارك في اكتشاف بنية الحمض النووي – وريتشارد فاينمان – يُعرف بعملهِ على تكامل المسارات في ميكانيكا الكم – على درجاتٍ أخفض من أن تمكّنهم من الانضمام لجمعية منسا (أشهر وأقدم جمعية لذوي نسب الذكاء المرتفعة).

 

لنجرب الخطف خلفًا!

ليست دراسات تيرمان الوحيدة من نوعها. يعرّج المقال على كاثرين كوكس التي أصبحت طالبته في الدراسات العليا بعد بضعِ سنواتٍ من بدء دراسته. أقدمت كاثرين على خيارٍ جريء. إذا كان تيرمان يسعى لمعرفة إذا ما كان الأطفال المحققين لمستويات عليا في اختبار الذكاء سيكبرون ليصبحوا بالغين عباقرة، لماذا لا نفعل العكس تماما؟ بشكلٍ أدق، لِمَ لا نختار مجموعةً من العباقرة الكبار الواضحين، ونحاول بأثرٍ رجعي تقييم ذكائهم في فترة الطفولة والمراهقة من خلال سيرهم الذاتية.

وجدت كوكس قائمةً مطبوعة استخرجت منها أشهر الأسماء للعباقرة والشخصيات المفيدة لموضوع بحثها. وانتهى بها الأمر مع 301 من المبدعين والقادة. شملت عيّنتها بعضًا من أبرز الشخصيات في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة. كما أقدمت على دراسة المبدعين الاستثنائيين مثل إسحاق نيوتن وجان جاك روسو وميغيل دي ثيربانتس ولودفيغ فان بيتهوفن ومايكل أنجلو، وكذلك القادة البارزين مثل نابليون بونابرت وهوراشيو نيلسون وإبراهام لينكولن ومارتن لوثر كينغ.

Embed from Getty Images
قررت كوكس اختيار مجموعةً من أبرز العباقرة ومحاولة تقييم ذكائهم أثناء الطفولة

يأتي الجزء الصعب بعد اختيار العباقرة الـ301، ويتمثل في تقدير درجات ذكائهم في فترة الطفولة والمراهقة. كيف يكون ذلك ممكنًا حتى؟

لحسن الحظ بعد عامٍ واحدٍ فقط من مقياس ستانفورد – بينيه، أظهر تيرمان كيفية تقدير معدل الذكاء من السير الذاتية. عُرّف معدّل الذكاء آي كيو في تلك الأيام بأنه «نسبة الذكاء» الحرفية، أي العمر العقلي للطفل مقسومًا على عمره الزمني ويتمّ مضاعفة النتيجة الحسابية في 100. يُحدد العمر العقلي من خلال الأداء في المهام الفكرية المصنّفة وفقًا للأعمار. وبناءً على ذلك، إذا استطاع الطفل البالغ من العمر خمس سنوات تحقيق أداءً جيد في المهام الملائمة لعمره، فإن حاصل الذكاء سيصبح 200 (= 10/5 × 100). عملية واضحة ومباشرة، أليس كذلك؟ بالتأكيد لا.

أسلوب تيرمان

كيف يمكن أن تخمّن مستوى ذكاء أحدهم عندما كان طفلًا؟ طبّق تيرمان الطريقة المذكورة سابقًا على العالم الإنجليزي «فرانسيس گالتون» أول الأمر. على سبيل المثال، كتب فرانسيس الرسالة التالية إلى أخته الكبرى:

«أنا في الرابعة من عمري وأستطيع قراءة أيّ كتابٍ باللغة الإنجليزية. أستطيع قول الأسماء اللاتينية والصفات والأفعال المبنية للمعلوم فضلًا عن 52 سطرًا من الشعر اللاتيني. يمكنني حساب محصّلة أي جمعٍ أيضًا، وكذلك مضاعفة الأرقام بـ2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، [9]، 10، [11]. أستطيع أيضًا قول جدول بنس الحسابي. أقرأ قليلًا من الفرنسية وأعرف الساعة».

من الواضح أن گالتون الصغير أدرك أن لديه الكثير حينها، وهذا بحدّ ذاته يمكن اعتباره دليلًا على تطور عمره العقلي. ما هو التوقع الطبيعي لطفلٍ في سنّ أربع سنوات؟ فقط: معرفة جنسِه، اسم المفتاح والسكين والعملة المعدنية عند وضعهم أمامه، تكرار ثلاثة أرقام قيلت أمامهم للتو، ومقارنة خطّين موجودين أمام أعينهم. لا أكثر من ذلك! لو كان ذكاء گالتون متوسطًا لن يتمكن من حساب أربع عملاتٍ معدنية حتى سنّ الخامسة، ولن يُخبِر سنّه حتى السادسة، ولن ينسخ جملة مكتوبة حتى السابعة، ولن يكتب ما يُملى عليه حتى الثامنة.

على أية حال لجأ تيرمان إلى ما يشابه أعلاه من أدلةٍ أخذها من سيرته الذاتية، واستنتج أن معدل ذكاء گالتون يقترب من الـ200. بمعنى أن عمره العقلي ضعف عمره الزمني تقريبًا.

 

Embed from Getty Images

العلامة والعبقري البريطاني فرانسيس گالتون، وهو أيضًا مؤسس حركة تحسين النسل

 

على خطى المعلّم

كما يورد المقال، قررت كوكس تطبيق نفس المنهج على عيّنتها الـ301، لكن مع تجاوزِ معلمها عبر إضافة تحسيناتٍ منهجية، مثل تجميعِ تسلسلات زمنية تفصيلية للنمو الفكري من مصادرَ متعددة في السير الذاتية، والسماح لمدققين مستقلين بتقدير معدلات الذكاء (آي كيو) منها.

اتخذت كوكس خطوة إضافية أيضًا، فلم تختر كل عباقرتها المبدعين من ذوي الشهرة والنفوذ. بل لم يكن الكثير منهم معروفًا إلا للمختصين. مثال ذلك الفيلسوف الفرنسي أنطوان أرنولد، والكيمائي السويدي يونس ياكوب بيرسيليوس، والكاتب الاسكتلندي وليام روبرتسون. كما تنوّعت عينتها، فبعضٌ منهم حققوا مستويات ذكاء دون العبقرية-أحيانًا مستويات منخفضة حتى للتأهل لجمعية مانسا. ومن بين هؤلاء الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس والفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس والرسام الفرنسي نيكولا بوسان.

كانت عيّنتها مصنّفة سابقًا وفقًا لمقدار المساحة المخصصة للشخصيات في المراجع وبالتالي مكانتهم وذيوع صيتهم – احتلّ الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت المرتبة الأولى بينهم، فيما كانت الكاتبة الإنجليزية هارييت مارتينيو الأخيرة.

Embed from Getty Images

استطاعت كوكس بسهولة إنشاء رابطٍ بين درجات معدل الذكاء آي كيو وبين الرتب. وجدت كوكس ارتباطًا هامًا للغاية من الناحية الإحصائية، وظل الارتباط كبيرًا حتى بعد تصحيح موثوقية البيانات (ما يعني أن معلومات السير الذاتية لم تكن متوفرة وجيدة بشكلٍ متساو لجميع العباقرة). ما يُستنتج من ذلك كله أن التفوّق مرتبط بالذكاء الفائق، وأن معلمها تيرمان كان محقًا بعد كل شيء. أليس كذلك؟

لا ليس تمامًا. يطرح كاتب المقال والبروفسور سيمونتون مشاكل أربع تلقي بظلالها على هذا الاستنتاج وتشكك بصلاحيته.

 

أولًا: علاقة الذكاء-التفوق

يشدد الكاتب على أن العلاقة ما بين الذكاء والتفوق ليست ضخمة ولا حتى كبيرة. يصنّفها معظم الإحصائيين على أنها علاقة معتدلة. ما يعني من الناحية العملية وجود مجالٍ واسع للاستثناءات في كلتي الحالتين.  يمكن أن يتحلّى الشخص المتفوّق والمشهور بإنجازاته بمستوى آي كيو أقل من المتوسط، وعلى العكس يمكن أن يختفي صاحب الآي كيو العالي من خارطة الإنجازات والشهرة. أورد الكاتب مسبقًا أمثلة عدّة تبيّن ذلك، ويضاف لها مثلا المؤرخ الفينيسي پاولو سارپي. قدّر أن له معدل ذكاء عالٍ جدًا يصل لـ195، ما يرفعه إلى النخبة الأكثر ذكاءً من بين عيّنة الـ301، لكنه صُنّف ضمن الـ20% الأدنى من جهة الشهرة والتفوق، وتحديدًا احتل مرتبة 242 في العينة.

مارلين ڤوس ساڤانات، نموذجٌ أكثر معاصرة. أدرجت مارلين في موسوعة جينيس العالمية من عام 1986 حتى 1989 على أنها أذكى إنسان في العالم (حصلت على أعلى درجة في مقياس IQ). أفادت التقارير بأنها اُختبِرت بنسخةٍ منقحة من اختبار ستانفورد – بينيه، وحصلت على العلامة الكاملة! وعلى الرغم من وجود بعض الجدل حول كيفية ترجمة ذلك الأداء إلى تقديرٍ دقيق لحاصل الآي كيو، لكنها بكل تأكيد أكثر ذكاء من ألمع أطفال النمل الأبيض وأيّ من عيّنة كوكس الثلاثمائة.

لكن ما هو إنجاز مارلين الرئيس؟ يجيب الكاتب: أصبحت مشهورة بمعدل ذكائها الفائق. وكانت تكتب عمودًا أسبوعيًا تحت عنوان «اسأل مارلين» في مجلة «پريد» الأمريكية. لا يصل مستوى هذا العمود إلى روعة كتابة ثيربانتس في «دون كيشوت» مثلًا أو كتاب كوبرنيكوس حول دوران الأجرام السماوية، وكلاهما أقلّ منها في معدّل الذكاء. أكثر من 60 نقطة إضافية في مقياس آي كيو لم تضف لها أي ميزة إبداعية على الإطلاق.

Embed from Getty Images

حققت مارلين ڤوس ساڤانات شهرةً واسعة بكونِها أذكى إنسان في العالم، لكن ماذا أنجزت في النهاية؟

 

ثانيًا: المجال الإبداعي

يعتقد الكاتب أن العلاقة ما بين الذكاء والإنجاز تعود لمجال الإنجاز نفسه، فبعض المجالات تولي أهمية أقل للذكاء مما تفعل مجالاتٌ أخرى. على سبيل المثال، يميل القادة المشهورون إلى الحصول على معدّلات ذكاءٍ أقل – بالمتوسط – من المبدعين المشهورين. بالحقيقة، تتكرر معدلات الذكاء المنخفضة للقادة (الجنرالات والأدميرالات) – في عيّنة كوكس مثلًا، يحققون درجات أقل بـ20 نقطة من أيّ شخصٍ آخر! القائد العسكري الأكثر تميزًا وشهرة بينهم هو نابليون بكل تأكيد، ولكن أعلى تقدير لذكائه وصل إلى 145 فقط، أي أنه سيصنّف بين النمل الأبيض الأقل ذكاء لو تطلب الأمر.

يسبب الذكاء المفرط مفعولًا عكسيًا أحيانًا وسلبيًا للقيادة الفعّالة. ليكون أحدهم «رجل الشعب» عليه أن يتحلّى بفكرٍ أقرب لمستوى الناس –كما يوحي النعت-. الفهم أكثر إقناعًا من الكفاءة. لا عجب إذن أن رؤساء الولايات المتحدة لا يتحلّون بذكاءٍ أكبر من القادة! وهذه النتائج تساعدنا في فهم ارتباط العبقرية عادة مع المبتكرين والمبدعين وليس مع القادة العظام. ربما يتحلّى القادة بالكاريزما، ولكن من الأرجح أن يُظهر المبتكرون سمة العبقرية.

 

«هارفارد بيزنس»: تبدأ الأشياء دون إكمالها؟ تعلّم تحفيز الذات من خلال هذه الخطوات

ثالثًا: الشخصية والمثابرة

لأن العلاقة بين الذكاء والتفوق منخفضة للغاية، وإن كانت علاقة إيجابية. لا بدّ من وجود عوامل نفسية أخرى لا علاقة لها بالذكاء. كشفت كوكس ذلك بنفسها، فقد أخذت مجموعة من 100 عبقري ممن تتوفر لهم سير ذاتية شاملة، ومن ثم درست وقاست 67 ميزة شخصية لديهم. تبين أن الصفات التحفيزية حاسمة بشكل خاص-وتبرز صفة المثابرة فوق البقية. وكما تشرح الأمر كوكس:

«معدلات الذكاء العالية ولكن ليس الأعلى مصحوبةٌ بالدرجات القصوى من المثابرة، ستحقق تفوقًا أكثر من معدلات الذكاء الأعلى المصحوبة بقدرٍ أقل من المثابرة»

بمعنى آخر، يتميّز ويتفوق عاليًا من يحقق إنجازاتٍ أكثر مما يتوقع له قياسًا على درجة ذكائه على مقياس الآي كيو. لا تعتمد القدرات الفطرية على الذكاء وحسب، بل أيضًا الشغف والمثابرة والإصرار.

 

رابعًا: تقديرات مضلِلة

 غشّت كوكس في دراستِها وفقًا للكاتب، ليس عمدًا لكنها فعلت. درجات الآي كيو لديها لا يمكن أن تعادل درجات الآي كيو لدى تيرمان. فهما لا يقيسان الأمر نفسه في غالب الوقت، يقيس اختبار ستانفورد – بينيه مدى اكتساب الشخص وتطويره للمهارات الإدراكية الأساسية، مثل الذاكرة والاستدلال، والمهارات المدرسية الابتدائية (القراءة والكتابة والحساب). يتوقع من الجميع امتلاك تلك المهارات الأساسية عند الوصول لسنّ الرشد. ما يجعل طفلًا ما أكثر ذكاءً من زميله هو السرعة التي يتمّ بها اكتساب هذه المهارات. على الجانب الآخر، كانت تقديرات آي كيو خاصّة كوكس تعتمد بشكلٍ كبير على المهارات النادرة حتى لدى البالغين. ولأن هذه الدرجات محددة بشكل عالٍ لمجالٍ معين من الإبداع، فإن الدرجات الناتجة بالمحصّلة ستتباين بشدة.

هل تنصحني بالخضوع لاختبار الذكاء؟

يشير الكاتب إلى أن تعريف «العبقرية» يكون متعددًا في معظم القواميس، ولا ينحصر أبدًا بالحصول على درجة 140 بمقياس آي كيو. هنالك مثلا تعريف قاموس التراث الأمريكي للعبقرية: «قوة فكرية أصيلة من النوع الرفيع، مثل ما ينُسب عادة إلى الأشخاص المبجّلين في أيّ قسمٍ من أقسام الفنّ والتكهنات والممارسة، وهي قدرة فطرية وغير عادية للإبداع الخلاق أو الفكر الأصيل أو الاختراع والابتكار أو الاكتشاف». يتوافق هذا التعريف بالتأكيد مع المبتكرين والمبدعين البارزين من عيّنة كوكس، لكنه لا ينطبق على أيّ من النمل الأبيض (عيّنة تيرمان).

إذا كنتَ ذكيًا بما فيه الكفاية لتحقق 140 في مقياس آي كيو أو أكثر، فتقدم للاختبار بكل سرور. ونظرًا لأنه يمكنك أخذ الاختبار منذ أن يبلغ عمرك عامين فقط، فقد يكون هذا الخيار الأفضل إذا أمكن! ليس صعبًا جدًا أن يفعل طفلٌ ما في الثانية من عمره ما يفعله الأطفال عادةً في سنّ الثالثة. اخضع للاختبار وأنت ما تزال طفلًا صغيرًا ومن ثم اقضِ حياتك كلها في مجدِ العبقرية المصدّق عليها.

أما إذا خضعت للاختبار الآن، ولم تنجح به حتى بعد الإعادات المتكررة، فلا حاجة لليأس. ما عليك سوى اختيار مجالٍ ما ضمن «أقسام الفنّ والتكهنات والممارسة»، ومن ثم تحقيقِ التفوق بـ«الإبداع الخلاق أو الفكر الأصيل أو الاختراع والابتكار أو الاكتشاف». ربما يكون طريقًا أصعب وقد يستغرق حياتك بأكملها لإنجازه، لكن على الأقل يجنبك اتخاذ أي اختبار ذكاءٍ على الإطلاق! فضلًا عن أن ادّعائك للعبقرية سيصمد أمام اختبار الزمن. تترك العبقرية الأصيلة أثرًا أطول بكثير من جلسة الاختبار، وتأثيرًا يستمر لعقود، وحتى قرون.

 

مترجم: 5 طرق تساعدك على اتخاذ القرارات

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!