رِسالة إلى ابنتي، رُقَيَّة

أنتِ جميلة. أدركتُ ذَلِك منذ اللحظة الأولى التي وَقَعَت فيها عيناي عليكِ في المشفى، وبعد تعب شديد من آلام ما قبل الولادة والولادة نفسها، وكنتِ وقتها بالنسبة إليّ جميلة جدًا، حتى وأنتِ تملكين تلك التجاعيد والملامِح الغريبة لحديثي الولادة، وصراخك من الألم يَشُق السَماء والهواء مِن حَوْلنا. بَدَوْتِ جميلة في عينيّ حتى مِن قَبل أن تُولدي وتَقَع عَيْناي عليكِ. كُنت أرى ذلك الجَمال في رَفَساتِك، في ركلاتك وفي الحركات الأكروباتية التي تقومين بها، خاصةً عِندما كُنتُ أحاوِل أن أنام للحظات قليلة. كُنتِ السبب في إصابتي بالتُخْمَة وعُسر الهَضم، ولَكِن كُنتِ السَبب في جَعْل حياتي أكثر رَوْعةً وجمالًا.

لقد كُنْتِ مألوفة لله سبحانه وتعالى، وكذلك كان جمالك، حتى مِن قَبْل أن أعلم أنا بوجودك.

 

سَوْف تَلْحَظين وجود قُوَى تبدو أقوى مِنّي ومنْكِ، والتي ستقوم بكل أسف بمحاولات لا تَنْقَطِع لتحديد قيمتك الشخصية استنادًا إلى مظهرك الخارجيّ فقط. سيخبرونك بأنكِ لَسْتِ جميلة بالقدر الكافي، وِفقًا لمعاييرهم ومقاييسهم للجمال. وسيخبرونكِ أيضًا بأن بَشْرتكِ تبدو شديدة السواد، وأن شعرك كثير التجاعيد، وبأن شَفَتيكِ شديدتا الرُفع أو شديدتا الضخامة. سيُصِرّون على قَوْلهم إما أنك شديدة البدانة، أو شديدة النحافة. سيقولون أيضًا أن حاجِبَيْكِ شديدا السُمْك، وأن قدمَيْك لن تبدو جميلة إلا مع ارتداء الكعب المُرْتَفِع. وأخيرًا، سيُخْبِرونك بأن التجاعيد والانكماشات التي ستَظْهَر على وجهك سَتُشَكِّل حاجِزًا بَيْنك وبَين سعادَتِك.

الجميع سيعمل جاهدًا لإقناعك بأنك قبيحة الشَكْل. وأنكِ تعيسة وتَمْقُتين العديد من الأشياء عن نفسِك. سيعملون على إقناعك بأنه لا بُد لَكِ مِن شِراء العديد من الأشياء مِن أجل محاربة تلك المُلاحظات والعيوب والرؤى عن حالك.

سيبدأ الجميع في إغوائك بالروائح العِطرية والملابِس ومُسْتَحْضرات التجميل، والتي سيَزْعمون أنها ستجعل رائحتك ومَظْهرك وشعورك أقل قُبْحًا،

ولَكِنَّهُم ليسوا على صواب.

هذا وَعْدٌ مِنّي إليكِ بأنَّكِ جميلة. أَضْمَنُ لَكِ بأن أنفك خلِقَت على الشكل الأنسب والأكثر مُلاءمة لوجهك، وأنه ما كان ليناسِبكِ شيء أفضل من تجاعيد شعرك وبشرتك البرونزية والتي تَخْلق ذلك التناغُم المِثالي في مَظْهَرك.

 

أنتِ جميلة. ولَسْتِ مُضْطَرَّة لتصديقي، ولَكِن ينبغي عليكِ تصديق خالِقك سبحانه وتعالى والذي قال:
“وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
وَطُورِ سِينِينَ
وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم” – سورة التين.

أَقْسَم الله سبحانه وتعالى بالتين وبالزيتون، وبجبل سيناء، وبالمدينة المُباركة المُكَرَّمة مكّة؛ بأنَّكِ تامّة الخِلْقَة في الإتقان والكَمال. لقد تَذَوَّقتُ طعم التين والزيتون، وتَسَلَّقْتُ جبل سيناء، وأتمنى لو أن الله يمنّ عليّ بزيارة قريبة لمكة المُكَرَّمة. وها أنا أقول لكِ بأن تلك الأشياء جميعها، ليست بأشياء هيّنة ليتم القَسَمُ بها. فَهُم جميعًا مخلوقات بديعة مِن خَلْقِ الله لنا لكي نتأمَّلهم ونَنْظُر ونَتَفَكَّر في حكمة الله.

نبدأ بالتين والزيتون، وهما اثنان مِن أكثر الأطعِمَة لذيذة الطَعْم التي تنمو على الأشجار. ويتم اعتبارهما مصدرًا للحياة للكثير من الناس، أما الأشجار التي تَنْمو عليها تلك الأشياء فيرجع أصلها إلى الأرض التي كانت مَوْطِنًا للعديد مِن الأنبياء. وقَد ذَكَرَت بعض تفاسير القرآن أن تلك الأراضي هي سوريا وفَلَسطين.

نأتي الآن إلى ذِكر جبل سيناء وما يحيط به من جبال على مساحات شاسِعَة ومُمْتَدَّة بشكل مخيف، مليئة بالصخور، وعلى الأغلب خاوية مُقْفرة وغير صالحة للزراعة. عند الوقوف على قمة الجبل وتَأَمُّل المساحات المحيطة من الأرض، لا تُرى حَوْله سوى المزيد من الجبال الصخرية على امتداد البَصَر. وإن القصّة المعروفة للنبي موسى عليه السلام مع بني إسرائيل عندما هرب موسى مِن فرعَوْن، كانت تجري أحداثها على هذا الجزء من الأرض. وقد ابتلى الله تعالى بعضهم بالتيه في ما بين تلك الجبال لمدة ٤٠ عامًا بسبب عصيانهم لأوامر الله سبحانه.

وأخيرًا، نأتي لِذِكر مكّة المُكَرَّمة، تلك المدينة التي بدأ فيها جزء كبير من تاريخنا، والذي يستمر حتى يَوْمنا هذا. المدينة التي قام سيدنا إبراهيم ووَلَدَه إسماعيل عليهما السلام ببناء بيت الله الحرام عليها، والتي قام فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بِهَدْم الأفكار الجاهلية والأَوْثان، وأَعَاد نَشر مبدأ عِبادة الإله الواحد الأحد. إنها المدينة التي نقوم بزيارتها مرة واحدة في حياتنا – على الأقل – لتأكيد عبادتنا لله عز وجل وتَوْحيده ولتَوْثيق روابِط الإيمان به ولإعادة شَحْن الإيمانيات في قلوبنا، وللسَيْر على خُطى خاتم النبيين والمُرْسَلين صلى الله عليه وسلم.

الله سبحانه وتعالى، خَلَقنا وسَوّانا ونَفَخ فينا وفي آبائنا الروح، وكذلك في كُل مَن سَبَقنا وصولًا إلى بداية البشرية آدم وحواء. مَن قام بِكُل ما سَبَق ذِكْره، أَقْسَم بجميع مخلوقاته البديعة المُذهِلَة تِلْك ثُم قال أنَّكِ كامِلَة الخِلْقة، ومَخْلوقة على الوجه الأجمل والأكثَر مُلاءمة لكِ.

والآن، هل فَهمتِ لِمَ هو ضروريّ وأساسيّ أن تؤمني بأنَّكِ خُلِقْتِ في أبدع صورة؟

 

وقد عَلَّمنا أيضًا رسولنا الكريم ترديد هذا الدعاء عند النظر إلى صورتنا في المرآة: “اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي”.

وعندما نَتَأَمَّل هذا الدُعاء نَجِد أنه يَفْتَرِض مسبقًا بأننا جميلو الخِلْقَة. فلم يَقُم الرسول صلى الله عليه وسلم بالطَلَب مِن هؤلاء الذين يرون في أنفسهم قدرًا مِن الجمال فقط بترديد هذا الدعاء. بَلْ إن هذه الكلمات واجِبة على كُل إنسان وتُناسِبه تمامًا، وذَلِك لأنه على الرغم من اختلاف الهيئة الخارجية التي خلِق كُل إنسان عليها، فإن تِلك الهَيْئة تَحْمِل مِقْدارًا مِن الجمال فيها.

 

والآن بعد أن تَعَرَّفْتِ بالدليل والفَهْم بأنَّكِ جميلة، فلا بُد لكِ مِن معرِفة أن الجمال الخارجي ليس هو الأهم في حياتك.

” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ
إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ” – سورة التين.

 

الجمال والحُسْن الأوْحَد والذي يُعَدّ ذا أهميّة كُبرى هو جمال العقل والقلب، ذلك الجمال الذي يدفعك إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والذي يزيد مِن إصرارك على أن تكوني أفضل، وأن تحرصي على تقديم ما هو أفضل كل يوم طالما أَنَّكِ لا زلت على قَيْدِ الحياة. ولتعلمي أن ما سيعينك على دخول الجنة والحصول على نعيمها اللامحدود، هو تواجُد تِلْك الرغبة في إرضاء الله عز وجَل مِن خلال الحِرْص على اتباع خُطى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

الجمال الخارجيّ سوف يبقى ظاهِرًا حتى وإن كُنْتِ إنسانة مُرَوِّعة وفظيعة في شتى النواحي وبكُل المقاييس، وحتى وإن وَصَل بِكِ الحال إلى عدم الإيمان بالله ورَفْض وجوده. ولَكِن، ذَلِك الجمال سيبقى سَطْحيًّا، لَن يَتَخَطَّى عُمقه أكثر مِن القشرة الخارجية للجلد، وسيكون قصير الأَجَلْ. فَسُرعان ما ستكتشفين أن قُبح قلبُكِ وبَشاعَته لن يلبَث في الخَفَاء طويلًا وسوف يقوم بإلقاء الظِل على جمالِك الخارجي الذي سيكون قد بدأ في الاختفاء تدريجيًا حينها.

لن تكون الملابِس التي ترتدينها ذات قيمة كبيرة، لن يتغيّر الكثير إن كانت ماركات عالمية أو ملابِس بسيطة؛ كُل ما تملكينه بين يديكِ، إن تم استخدامه بِجَشَع وطَمَع، إن قُمْتِ باستخدامه بِتعالٍ وبدون إظهار أدنى اهتمام بمن حَوْلك أو تقدير لهم، فإن كُل ما سوف تقومين بحصاده في النهاية هو النَدَم يَوْم الحِساب. سَيَفْنى كُل ما تملكينه ولن يبقى إلا ما تَم تقديمه بنيّة خالِصة لوجه الله تعالى.

لا يستطيع أحد إنكار حَقُّكِ في أن يكون لديكِ لونك المُفَضَّل؛ الأبيض أو الأسود، الوردي أو الأزرق، الأخضر أو الأُرْجُواني، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان لديه لونه المُفَضَّل، ويُمْكِنك كذلك ارتداء الملابِس التي تُناسِب ميولِك وذَوْقِك وثقافَتِك، طالما يبقى ذَلِك في حدود البَساطة والعِفَّة والاحتشام. كُل ما سَبَق ذِكره مِن نِقاط، هي أمور طبيعية ومُسَلَّم بِها. ذَلِك لأن مَن يقوم بإنكار حق الإنسان في ارتداء ما يريده والاهتمام بمظهره، فكأنما ينكِر عليه جزءًا مِن إنسانيته.

ولِذا، احرصي على ارتداء الملابِس النظيفة المُحْتَشِمة، وتَأَكَّدي مِن نظافتك الشخصية والاهتمام بنظافة ما يحيط بِكِ، قومي بغسل أسنانِك، داوِمي على تمشيط شَعْركِ، كوني دَوْمًا صحيحة البَدَن. فإن هذه الأشياء جميعها، ما هي إلا أمانة مِن الله سبحانه وتعالى، وَجَبَ عليكِ الاهتمام بها جيدًا. وذَلِك ما كان يَحْرِص عليه الرسول الكريم بصورة تامَّة وشامِلة.

يُمْكِننا ببساطة استخدام النظافة الخارجية وحُسن المَظْهَر والحياء والتواضُع والصِحَّة الجَيِّدة كوسائِل تعيننا على عِبادة الله تعالى على أفضل وجه، فالاحتياجات الخارجية للإنسان لا بُد مِن الاهتمام بِها ولَكِن لا يعني ذلك إهمال ما دونها والتركيز عليها وحدها.

حقيقة الأَمر هي أنه يُمكِنكِ ارتداء الملابِس التي لا تتماشى مع الموضة، لا يهمّني ذَلِك، فَلَسْتِ مَدينَة لأحد بِخَزَانة كبيرة من الأحذية والتي تُناسِب كُل طقم ترتدينه. لَسْتِ مَدِينَة لأحد بِخَزَانة دائِمة التجديد وتتماشى دائمًا مع كُل ما هو شائِع ويِتَّبِع الموضة، والأهم هو أنَّكِ لسْتِ مُضطرة لاتباع الطُرُق الجديدة المؤذية المُسيئة والتي يُطلِقون عليها “صَيْحَات الحِجاب”.

بِكُل بساطَة، يُمكِنكِ ارتداء الملابِس ذاتها لأيام متتالية، طالما أنها نظيفة، وسُرعان ما ستكتشفين بأن هذا الأَمر ليس بالأهمية التي كان يبدو عليها وليس هو الأهم في الحياة.

يُمكِنك أيضًا الخروج بتلك الكُرات الداكِنة التي تُحيط بعينيكِ بدون الشعور بأنه لِزامٌ عليكِ تغطيتها بالكريم الذي يعمل على إخفاء تِلك البُقَع، وإن شَعُرْتِ يَوْمًا بالتَعَب مِن محاولاتك لتغيير هذا العالم والعَمَل على جَعْله مكانًا أفضل، وأَرَدْتِ بناء منزِل لنفسِك – عن طريق رحمة الله تعالى ومغفرته – إذا فلتبدئي بارتداء تِلك الكُرات الداكِنة بِكُل سرور. فإنها لا تجعلكِ أقل جمالًا، بل تُزِيدك سِحرًا وبريقًا.

كَوْنِك مِثالية يُعَدّ بُرهانًا ودليلًا على كمال خالِقك، لا عن قُدْرتِك الشخصية أو استحقاقِك وجَدَارَتِك. ذَلِك لأنَّكِ لَم يَكُن لَكِ القرار في تحديد نوع جِنسك، أو اختيار والدك ووالدتك، أوالهيئة التي خُلِقْتِ عليها. كان القرار لله وحده في ذلك كله.

أنتِ جميلة لأن الله سبحانه وتعالى خلقكِ على تِلك الهيئة، ولِذا عندما تقع عيناكِ على المرآة، وتبدئين في التأَمُّل والتَفَكُّر في تِلْكَ الدِقَّة المُتناهية والإفراط في إتقان خَلْق الله لأصابِع يديكِ وقدميكِ، والصورة التي يبدو عليها وجهُكِ، والمُنحَنى الدقيق لحاجِبَيْكِ، وكُل تَفْصيلَة صَغيرة مُعَقَّدة فيكِ، لا بُد لَكِ مِن الثَناء على الله سبحانه وتعالى الذي سَوَّاكِ على هذه الصورة مِن الكَمَال.

ومِن ثَمَّ، اجتهدي للوصول إلى مِثل ذَلِك الكَمال مُنْعَكِسًا على قَلْبك وذاتِك.

 

ويبقى الأَهَم ما بين ذَلِك كُله، هو أن قَناعَتِك بأنك – مِن دون أدنى شَك – جميلة، سيعمل على توفير قوّة ليس لها مِثال ما بين يديكِ وهي وقتك الثمين، فمع غياب محاولاتك للوصول إلى مقاييس الجمال الخارجي التعجيزية والتي يستحيل إدراكها في الدنيا لِكَوْنها مُعْتَمَدة مِن مؤسسات الخِدمة الذاتية التي لا يعود النفع فيها إلا عليها، فإنك بِمُخالفة تِلك القوانين والمقاييس ووضعها وراء ظَهرك، ستملكين الوقت الكافي لمحاولاتِك للوصول إلى حالة أفضَل مِن الناحية الروحانية والقلبية والنفسية، وحالة أفضَل لأُسْرتك، وحالة أفضَل للعالَم بأَسْرِه. لن يكون أكبر هَمّ لكِ في الحياة هو محاولة الوصول لمستحضرات التجميل التي تناسِب بشرتك وملامحك على الوجه الأفضل، أو الملابِس التي تتطابق مع بعضها بصورة أنسَب، أو الماركات العالمية الأكثر شُهرة في الوقت الجاري.

مع توفير الوقت الذي يقضيه الجميع في الانشغال بتلك الأمور، يُمْكِنك حينها وبِكُل بساطة، قضاء ذلك الوقت في القراءة، العِبادة، تَعَلُّم الجديد النافِع، الضَحِك، التغيير الحقيقي مِن الداخِل أو تعليم مَن حَوْلك.

وما مِن حياة أخرى قادِرة على أن تُضاهي تِلك الحياة في جمالها ورَوْعتها وما تبعثه مِن سلام داخليّ واستسلام حقيقي وتَصَالُح مع النفس.

 

للمزيد من المقالات والكتابات المُبْدِعَة للكاتبة أسماء حسين، يمكن متابعتها:

على تويتر: @UmmRuqaya

وعلى الفيسبوك: https://www.facebook.com/asmhuss

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد