هل تخيلت يومًا كيف يبدو انهيار أيديولوجية ما؟ في روايته الخيالية المذهلة «فيض أحمر»، أوضح فرانسس سبافورد كيف انهار حلم السوفييت في بناء مجتمع المدينة الفاضلة.

لم يكن ثمة حدود للحلم السوفييتي، رغم قمعهم لشعبهم. يتخيل بطل الرواية «ليونيد كانتوروفتش»، السوفييتي الوحيد الذي حاز جائزة نوبل في الاقتصاد، البلاد بعد أن اغتنت فيقول «تتبختر النسوة في ملابس من الحرير، ويرتدي العسكريون زيًا بالرمادي والفضي، ووجوه الناس منبسطة، هادئة، لا يعتريها قلق ولا نظرات جوع ولا كل علامات العوز».

لكن الواقع يحيل ذلك إلى سراب. تزداد الإحصائيات تزييفًا. ولا يمكن تنفيذ الخطط الطموحة إلا بالغش، وواضعوها يدركونها أكثر ممن يعارضونها. هنا برز بُعد نظر سبافورد، فقبل اندلاع أي احتجاجات، أشعل الممسكون بزمام الأمور فتيل القلق. فقوض النظام أركان حكمه بنفسه. ولا يتبقى سوى مشهد إطاحته الختامي.

يقول الكاتب إنه حين نُشرت تلك الرواية في 2010، كانت الرأسمالية قد بدأت رحلة الانهيار، لكنها لم تمت. إلا أن ما يحدث الآن يشبه ما سردته الرواية. وأقرت طبقة الحكم بتردد بأنها في ورطة.

يمكنك ملاحظة ذلك حين تنظر إلى تصريحات مارك كارني محافظ بنك إنجلترا المحذرة من »تباطؤ في النمو وتضخم منخفض ومعدل فائدة منخفض«، أو في تحذيرات بنك التسويات الدولية من أن «الاقتصاد العالمي عاجز عن العودة إلى معدلات النمو المنتظمة والدائمة». ثم أتى صندوق النقد الدولي ببيانٍ بدا هو الأوضح في هذا الشأن.

اللافت في بيان صندوق النقد الدولي ليس ما ذكره، وإنما الجهة التي أصدرته. في ذلك البيان تحدث ثلاثة من كبار الاقتصاديين في مقال بعنوان «هل بلغت الليبرالية الجديدة ذروة البيع؟».

يشكل العنوان صدمة، يشير الكاتب، فلطالما أنكر الاقتصاديون وصناع القرار وجود شيء بهذا الاسم «الليبرالية الجديدة»، متهمين من اخترعوه بأنهم لا يفقهون شيئًا لا في الاقتصاد ولا الرأسمالية. ثم يفاجئ صندوق النقد الدولي العالم بالقول إن أجندة الليبرالية الجديدة قد انتشرت على مستوى العالم في العقود الثلاثة الأخيرة. المقصود بذلك هو أن كثيرًا من الدول أعادت صياغة مؤسساتها وحولتها إلى نسخ شاحبة من السوق. فقد تحولت المؤسسات الصحية والجامعات إلى أسواق. وحل القطاع الخاص محل القطاع العام والمنافسة محل الديمقراطية.

وكانت نتيجة ذلك مريعة. فلم يستفد من ذلك سوى حفنة قليلة من الناس، ولم تقدم الليبرالية الجديدة النمو الاقتصادي الذي وعدت به. بل إن تكاليف إصلاح ما أفسدته ستتخطى المليارات وتركت الملايين من البشر في حالة يرثى لها. فما وصفه جورج أوسبورن بـ«إصلاح السقف بينما لا تزال الشمس مشرقة» رآه صندوق النقد الدولي «تقليصًا لحجم الدولة بتكاليف تزيد على المنافع».

ويمكن ملاحظة أمرين هنا، يقول الكاتب. أولهما هو أن الدراسة صادرة عن جهة رسمية، شعبة البحوث في صندوق النقد الدولي، وليس عن محللين يتنقلون بين الدول المفلسة ويبتزون الحكومات بقروض مجحفة. ومنذ العام 2008، ظهر تباين بين أقوال صندوق النقد الدولي وأفعاله. وثانيهما، أن الباحثين يتجاهلون بنودًا هامة. وقد دافع مؤلفو الدراسة عن الخصخصة لأنها تؤدي إلى توفير أفضل للخدمات وإنفاق حكومي أقل.

يقول الكاتب إن هذا خروج ملحوظ عن التوافق حول الليبرالية الجديدة. وقد غدت مواضيع مثل غياب العدالة وعدم الجدوى لقمة سائغة في فم الاقتصاديين والسياسيين، الذين يتعاملون مع الأمر على أنه خروج عن المألوف. وأخيرًا سعت مؤسسة دولية خلف السبب وليس الأعراض فقط، مؤكدة أن السبب سياسي بحت.

يشير التقرير إلى أن نخبة صانعي القرار نفت أن تكون تحركاتها مبنية على أيديولوجيتها، وإنما هي تطبق ما ينجح. ولكن هذا الزعم لا أساس له لأن ما يطبقونه قد ثبُت فشله في الواقع. فمنذ أزمة عام 2008، ما انفكت المؤسسات المالية والسياسيون ووسائل الإعلام في إقناع الرأي العام بأن تلك الإجراءات ستؤتي أكلها وتعيد الاقتصاد إلى الطريق الصحيح. ورغم أنهم لم يتركوا شيئًا لم يفعلوه، خفض النفقات والأجور ووضع خطط لإنقاذ البنوك المتعثرة وضخ المليارات من الدولارات، فلا يزال الاقتصاد هشًا.

ومع استمرار الأزمة، يزداد الرأي العام اقتناعًا أن النمو كان ضعيفًا وأن البسطاء قد انخفضت المنافع التي يتحصلون عليها. وقد أقرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن حصة العمال من النمو الاقتصادي البريطاني هي في أقل معدلاتها منذ الحرب العالمية الثانية, والأفدح من ذلك، هو أنها ذكرت أن نفس الأمر ينطبق على العمالة في الغرب.

تنتهي رواية «فيض أحمر» بهرولة نيكيتا خروشيف إلى خارج الريف إلى حيث سيتقاعد. «الجنة هي مكان يتمنى الإنسان الانتهاء فيه وليس أن يفرّ منه. أي اشتراكية خرقاء هذه؟ أي نظام اشتراكي يسمح لك بتقييد الناس؟ أي جنة هذه؟».

يتحدث الاقتصاديون بلغة مختلفة عن الروائيين، ولكن ما تشي به الرسوم البيانية هو بداية عهد موت أيديولوجية صمدت طويلًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد