طرحت مجلة «فورين بوليسي» تقريرًا حول العقل الإرهابي المدبر والزعيم الحالي المتقدم في العمر لتنظيم القاعدة، أيمن الظواهري. جاء ذلك في ذكرى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) التي وقعت ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وتساءل التقرير عما آل إليه حال الظواهري، وهل حقًا لم يعد يحاول التخطيط لهجوم آخر.

هل فقد أيمن الظواهري خطورته؟

يستهل كولين كلارك، الأستاذ المساعد في معهد السياسة والإستراتيجية بجامعة كارنيجي ميلون، ود. أسفنديار مير، الباحث في مركز الأمن والتعاون الدولي بجامعة ستانفورد تقريرهما قائلين: بعد 19 عامًا من أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، لم يحقق زعيم القاعدة أيمن الظواهري بعد الشهرة التي أثارها سلفه المباشر أسامة بن لادن.

جزء من ذلك يعود إلى أن الولايات المتحدة لم تهتم بتركيز الانتباه عليه بما يكفي. وبصرف النظر عن العروض المالية الهائلة التي أعلنت عنها وكالة الاستخبارات الأمريكية لمن يدلي بمعلومات عن مكان وجوده، فهناك حاليًا مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يأتي برأسه، وهي أعلى من أي مكافأة رُصدت لإرهابي آخر في العالم. إلا أن الحكومة الأمريكية لم تعد مهتمة نسبيًا بشأن القاعدة منذ تولي الظواهري زمام الأمور في عام 2011 حتى أن بعض محللي الإرهاب يزعمون أن بقاء الظواهري على قيد الحياة ألحق ضررًا بالقاعدة أكثر مما يمكن أن يلحقه لو كان ميتًا.

Embed from Getty Images

أيمن الظواهري وأسامة بن لادن 

لكن هذا الاستنتاج لا يتوافق مع المسار الأخير للمجموعة. فعلى الرغم من أن القاعدة لم تعد قادرة على تكرار شن هجوم مثل 11 سبتمبر، إلا أن هذا الأمر يُعد أيضًا مقياسًا ساذجًا للنجاح. فالقاعدة تحتفظ بفروع لها في مناطق عبر أفريقيا، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا. وعلى الرغم من أن زعيم القاعدة الحالي لا يتمتع بمواصفات الشخصية الآسرة، إلا أنه لا يقل خطورة على الولايات المتحدة من زعيمها السابق ابن لادن.

«داعش» يهدد عرش الظواهري

يرى المحللان السياسيان البارزان أن الحقائق الأساسية لا جدال فيها: فالظواهري متقدم في السن، ويكرر نفسه في خطب طويلة وملتوية. وبالمقارنة مع ابن لادن فإن أيمن الظواهري يتسم بضبط النفس في إستراتيجيته العملياتية، ومتصلب في أسلوب إدارته. وتبنى الظواهري قيام القاعدة بدور أكثر ثباتًا وأقل لفتًا للأنظار: مهمته الحفاظ على الطليعة الجهادية من خلال الوحدة والسياسات الحذرة، وهو نهج لا يزال غير جاذب خصوصًا للأفواج الأصغر سنًا من الشباب المستعدين للجهاد.

ويشير المنتقدون إلى الصدع القائم بين القاعدة وجبهة النصرة، فرعها الرئيس في سوريا، باعتباره تجسيدًا لعدم كفاءة الظواهري في القيادة. ففي الوقت الذي أعقب وفاة ابن لادن، ظهر «داعش»، وتمكن من فرض نفسه كقائد للجهاد العالمي، واستطاع الوليد الجديد التفوق على أسلافه. ولا يرجع هذا فقط إلى زلات الظواهري في الإدارة، ولكن أيضًا إلى إخفاقاته في تطوير عقيدة (أيديولوجية) جهادية يمكن أن تضاهي تركيز «داعش» على الدولة الإقليمية والعنف المفرط.

نقاط ضعف الظواهري مصدر قوة القاعدة

لكن المحللين السياسيين اعتبرا أن نقاط ضعف الظواهري الجلية ساعدت في نهاية المطاف قضية القاعدة، خاصة في عالم يركز على «داعش». فالظواهري، على سبيل المثال، يعارض قيام الدولة، وهو موقف حمى القاعدة ووفر للجماعة راحة نسبية؛ إذ أصبحت الدولة الإسلامية هدفًا مباشرًا لجهود الولايات المتحدة الرامية لمكافحة الإرهاب.

دولي

منذ سنة واحدة
بعد 8 سنوات من مقتل أسامة بن لادن.. أين «تنظيم القاعدة» الآن؟

ومع تكثيف الضربات الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تحسن تماسك الجماعات التابعة للقاعدة وحلفائها. وعلى الرغم من أن المجموعة تعرضت في البداية لضغوط هائلة بسبب الانشقاقات والانفصالات، إلا أن قيادتها تمكنت من انتهاز تلك الفرصة الإستراتيجية للتركيز على سياساتها الداخلية وقضاياها المحلية. ولعل أبرزها منع الظواهري انشقاق قياديين بارزين في القاعدة، من بينهم سيف العدل، وأبو محمد المصري. وكان انقياد سيف العدل المستمر للظواهري أمرًا لافتًا للنظر على نحو خاص؛ لأنه يتمتع بعقلية مستقلة نسبيًا وكان ممن يوجهون النقد حتى لطريقة ابن لادن في صنع القرارات. 

إن دعوة الظواهري للوحدة وعدم اهتمامه عمومًا بالمزايدة في العنف مكن تنظيم القاعدة من تصوير نفسه أمام مؤيديه، ومن يُحتمل تجنيدهم على أنه الجبهة الجهادية الأكثر موثوقية في مواجهة «داعش». وبدلًا عن أن يستهلكه خصمه، ركز الظواهري على استخدام الميول التكفيرية «داعش» – أي اعتبار المسلمين الآخرين كفارًا – وهوس هذا التنظيم بالعنف البشع لإعادة صياغة الصورة المشهورة عن القاعدة. وبصورة لا تصدق، تمكنت الجماعة المسؤولة عن هجمات 11 سبتمبر من التموضع ككيان معتدل في الوسط الجهادي السني.

القاعدة تكسب أرضًا على حساب «داعش»

يرى كلٌّ من كولين كلارك وأسفنديار مير أن ظهور الظواهري بمظهر المُتسم بضبط النفس – على الأقل بالنسبة إلى «داعش» – عزز جهود التوعية المحلية التي تبذلها فروع التنظيم الإقليمية.

وفي الوقت الذي تعثر فيه تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن حقق نجاحات أولية ثم واجه ردة فعل شعبية عنيفة، قدمت فروع القاعدة التي يقودها الظواهري نفسها كبديل جهادي أكثر قبولًا. وكجزء من هذه الجهود، حاول المقاتلون استرضاء المواطنين واستمالتهم على نحو مطرد على المستوى المحلي في أجزاء من الصومال، وسوريا، واليمن، وكذلك في غرب أفريقيا، وفي بعض الحالات أخذوا زمام المبادرة من الجماعات التابعة لـ«داعش».

Embed from Getty Images

ومن ناحية أخرى، جادل محللون بأن أيمن الظواهري ورط القاعدة في حروب أهلية محلية إلى درجة أنه لم يعد بإمكان المنتسبين إليه (تابعيه) التركيز على الهجمات العابرة للحدود. لكن الاتجاه العام للقاعدة يشير إلى خلاف ذلك. فقد دفع الظواهري تنظيم القاعدة بعيدًا عن الجدل (الخلاف) الدائر منذ أمد طويل بين الجهاديين حول «العدو القريب» في مقابل «العدو البعيد». وبدلًا عن ذلك وجد طريقة لتحقيق التوازن بين الأهداف العابرة للحدود الوطنية والضرورات المحلية للجماعات الإقليمية التابعة لتنظيم القاعدة، وحاول في الوقت نفسه إدارة المخاطر المرتبطة باستهداف الولايات المتحدة لتنظيم القاعدة.

فعلى سبيل المثال يبدو أن الظواهري أوكل مهمة القيام بالعمليات العابرة للحدود إلى الجماعات التابعة للقاعدة في اليمن وسوريا، وإن كان ذلك يعني أداء عدد أقل وأكثر تواضعًا من المؤامرات، ليركز على أن يكون – وفقًا لأحد كبار مسؤولي مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة – «إستراتيجيًا وصبورًا». ففي منطقة الساحل بغرب أفريقيا، فالظواهري راضٍ بالسماح لجماعة نصر الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة بمتابعة تنفيذ أهداف إقليمية. وفي جنوب آسيا، يريد الظواهري من الجماعة المحلية التابعة للقاعدة أن تستضيف القيادة العليا للجماعة وتدعم حركة طالبان الأفغانية.

الظواهري البراجماتي يتصالح مع أشد أعدائه

يضيف التقرير أن الظواهري كان براجماتيًا فيما يتعلق بعلاقة القاعدة المعقدة مع إيران. وكان هذا السلوك بعيدًا عما ورد عن الظواهري من كلمات قاسية حول إيران حتى عام 2010. لكن خلال العقد الماضي – والسنوات القليلة الماضية على وجه الخصوص – خفّت حدة آرائه وأصبحت أكثر لينًا. وسمح هذا التغيير الذي اتُخذ في توقيت جيد للقاعدة بحماية قيادتها ونقل بعض المساعدات المادية، إن لم يكن من خلال إيران مباشرة، فعلى الأقل عبر الطرق الجغرافية التي تتيحها الأراضي الإيرانية.

ولعل أهم انتصار إستراتيجي للظواهري هو أنه تمكن من الحفاظ على علاقة القاعدة مع حركة طالبان الأفغانية، والتي ظلت قائمة على الرغم من الضغوط العسكرية الدولية والأمريكية الهائلة لقطع العلاقات مع القاعدة. وذكرت الأمم المتحدة مؤخرًا أنه في الأشهر الأخيرة، تفاوض الظواهري شخصيًا مع كبار قادة طالبان الأفغانية للحصول على تأكيدات بمواصلة الدعم.

ويبدو أن هذه المحادثات كانت ناجحة. فعلى الرغم من الالتزامات التي تعهدت بها حركة طالبان الأفغانية تجاه الحكومة الأمريكية كجزء من اتفاق الدوحة للسلام الذي أُعلن في فبراير (شباط) عام 2020، لم تتخل الحركة علنًا عن القاعدة ولم تتخذ أي إجراء واضح للحد من عمليات الجماعة في أفغانستان.

وعلى الرغم من القيادة الثابتة للظواهري – التي قللت من خسائر القاعدة وفي الوقت نفسه منحتها فرصة لإعادة بناء نفسها – لا يزال التنظيم يواجه تحديات خطيرة في المضي قدمًا. وأول هذه التحديات، السؤال المطروح حول من سيقود القاعدة بعد رحيل الظواهري.

هل تنهار القاعدة بعد الظواهري؟

ويختم الكاتبان تحليلهما قائلين: على غرار الجيل الذي سبقه، سيواجه خليفة أيمن الظواهري معضلة الموازنة بين ما يعتقده المنتسبون للقاعدة من ضرورة تنفيذ هجمات إرهابية عابرة للحدود في الغرب وتكاليف جهود مكافحة الإرهاب التي تتكبدها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ومن المحتمل أن يعتبر العديد من القادة أن القيام بهجوم كبير سيثبت مرجعية القاعدة كحركة جهادية مهيمنة تنفذ إستراتيجية ابن لادن الكبرى المتمثلة في استدراج الولايات المتحدة وإرهاقها في مواجهات صعبة.

Embed from Getty Images

لكن يبدو أن هناك آخرين يدركون أيضًا تكاليف القيام بعملية إرهابية واسعة النطاق. فأحد الدروس التي يظهر أن الظواهري استوعبها هو أن قدرات مكافحة الإرهاب الأمريكية لا تزال قوية، وهي حقيقة يمكن أن تحد من حرية القاعدة في الحركة، وفي الوقت نفسه تجعل دعم بعض المنتسبين والحلفاء للتنظيم أمرًا مكلفًا. كما يبدو أنهم يقدرون أن التحول السريع للقيادة – كما حدث في الفترة من عام 2008 إلى عام 2015 – يمكن أن يؤدي فعليًا إلى انهيار القاعدة.

إلا أنه في الوقت الحالي لا يزال أيمن الظواهري على رأس تنظيم القاعدة، ويظل هذا الزعيم المعتدل في حديثه وسلوكه قوة لا يستهان بها، بغض النظر عما إذا كان هناك هجوم وشيك آخر على غرار 11 سبتمبر أم لا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد