إن زوزانا كابوتوفا، المحامية المتخصصة في قضايا البيئة والمؤيدة للحركة النسوية، استطاعت قبل أقل من عام الخروج من حالة الغموض لتفوز برئاسة سلوفاكيا وتحقق انتصارًا ساحقًا. وفي هذا الصدد، نشرت مجلة «فورين بوليسي» تحليلًا للكاتب بول هوكينوس عن فشل حزب «سلوفاكيا التقدمي» في إحياء الليبرالية بمنطقة شرق أوروبا.

يضيف هوكينوس أن العديد من المحللين داخل سلوفاكيا وخارجها كانوا يأملون في أن تمهِد زوزانا – باعتبارها هي أول امرأة تفوز بالانتخابات الرئاسية والأصغر على الإطلاق (45 عامًا) – إلى جانب حزبها حديث التأسيس، لمستقبل سياسي جديد في أوروبا الوسطى.

سلوفاكيا ليست الاستثناء في شرق أوروبا

يوضح الكاتب أن سلوفاكيا لم تكن الاستثناء عن منطقة شرق أوروبا التي يتفشى بها الفساد، كما أنها لم تسلك مسارات الشعبوية اليمينية المتطرفة كالمجر أو الاعتداء على استقلال القضاء مثل بولندا.

Embed from Getty Images

علما سلوفاكيا والاتحاد الأوروبي 

ويتابع: «لكن حزب (الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي الحاكم) الذي تولى زمام السلطة خلال أفضل أوقات العقد والنصف، لطالما كان يمارس نمطًا من حكم رأسمالية المحاسيب (الاقتصاد القائم على العلاقات القوية بين أصحاب العمل التجاري والمسؤولين الحكوميين) الذي يدير الأمور بقبضة قوية، بموازاة الانضمام إلى موجة تحقير المهاجرين والحط من قيمة طائفة الغجر داخل البلاد على نحو مثير للسخرية».

يقول الكاتب «لكن على الرغم من استمرار شعبية زوزانا منذ انتخابات العام 2019، كان حزبها سلوفاكيا التقدمي يعاني. ففي الانتخابات البرلمانية التي أجريت السبت الماضي، وشهدت تنافسًا بين أكثر من 20 حزبًا، أخفق الحزب حتى في تجاوز العتبة الانتخابية، ونسبتها 7% للتحالف المؤلف من أكثر من حزب».

وأسس حزب سلوفاكيا التقدمي تحالف المعارضة بالاشتراك مع حزب «معًا» صاحب التوجهات المماثلة، لخوض الانتخابات. واستطاعت أحزاب المعارضة في سلوفاكيا، والتي شاركت في حملة مكافحة الفساد، هزيمة أحزاب المؤسسة الحاكمة.

فوز مفاجئ لحزب أولانو بالانتخابات البرلمانية

يقول الكاتب إن الفوز المفاجئ في الانتخابات البرلمانية، كان من نصيب حزب يمين الوسط أولانو «المواطنون العاديون» وزعيمه الديماجوجي رجل الأعمال إيجور ماتوفيتش، والذي حصل على قرابة 25% من إجمالي الأصوات. أما حزب الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي الحاكم، والذي تضررت صفوفه بشدة من الفساد والمحسوبية، فقد مُني بهزيمة مدوية، وحصل على 18% فقط من إجمالي الأصوات.

ويستبعد هوكينوس وقوع سيناريو الانتخابات الذي أقلق غالبية الليبراليين، وهو: تشكيل حكومة على غرار حكومتي رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان وحكومة حزب القانون والعدالة في بولندا.

دولي

منذ 10 شهور
هذه الدولة داخل الاتحاد الأوروبي تحولت للديكتاتورية والقمع دون أن ينتبه أحد

يتحدث الكاتب أيضًا عن النتيجة السيئة التي أحرزها الحزب اليميني المتطرف «الشعب – سلوفاكيا خاصتنا» إذ حصل فقط على نسبة 8% من إجمالي الأصوات.

كيف استفادت زوزانا من منصبها رئيسة للبلاد؟

يرى الكاتب أن عصر حزب الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي قد انتهى، الأمر الذي تسبب في ارتياح لدى العديد من مواطني سلوفاكيا. لكن هذه الهزيمة الشبيهة باقتحام سجن الباستيل لن تقود إلى عصر جديد لحكومة ديمقراطية مدنية.

يؤكد الكاتب أنه سيتعين على الرئيسة زورانا كابوتوفا التعامل مع ائتلاف حكومي صعب المراس، من المرجح أن يقوده الرجل الغامض ماتوفيتش وحزبه أولانو، الذي يدعو لتبني شعبوية محافظة غير تقليدية.

Embed from Getty Images

إيجور ماتوفيتش 

ويتساءل الكاتب عن سبب توقف زخم الحركة التقدمية للرئيسة زوزانا. ويجيب: إنها لا تتحمل مسؤولية سقوط الحزب، ورغم أن منصب الرئاسة في سلوفاكيا شرفي إلى حد كبير، إلا أنها حققت أقصى استفادة منه.

يوضح الكاتب أن زوزانا استطاعت من داخل القصر الرئاسي بالعاصمة براتسلافا الترويج لمصطلح «الوطنية الإيجابية»، الذي يعزز شفافية الحكومة وحماية التضاريس الطبيعية والقيم الليبرالية والتنوع في سلوفاكيا.

كما شجعت زوزانا النقاش القائم على الأدلة حول القضايا الأكثر إلحاحًا في البلاد – مثل الفساد والفقر والمؤسسات الضعيفة – علاجًا لنظريات المؤامرة والترهيب، التي يروج لها الديماجوجيون في المنطقة.

وخاضت رئيسة سلوفاكيا مواجهة مباشرة مع زعيم حزب الاتجاه ورئيس الوزراء السابق روبرت فيكو حول قانون الانتخابات المتحيز، والذي ألغته المحكمة الدستورية في نهاية المطاف؛ ما اعتبر انتصارًا لـزوزانا.

انتصار زوزانا يؤكد صعود الليبراليين

ويبدو أن انتصار زوزانا في الانتخابات الرئاسية يؤكد صعود الليبراليين السلوفاكيين والذي بدأ العام الماضي، عندما وضعت الاحتجاجات جريمة القتل، التي نفذتها المافيا بحق الصحفي الاستقصائي يان كوتشياك وخطيبته، على أجندة الأعمال الوطنية.

وكان كوتشياك البالغ من العمر 27 عامًا، يجري تحقيقات استقصائية عن الكسب غير المشروع في سلوفاكيا والعلاقات بين رجال الأعمال الغامضين ونخبة الحزب الحاكم، فضلًا عن الجريمة المنظمة للمافيا الإيطالية.

وفي ليلة 21 فبراير (شباط) عام 2018، دخل قاتل مأجور، استعان به رجل الأعمال ماريان كوشنر، الذي أجرى كوتشياك تحقيقات استقصائية عنه، منزل الأخير وأطلق النار عليه وعلى خطيبته.

وتسببت جريمة القتل في اندلاع مظاهرات شارك فيها عشرات الآلاف من مواطني سلوفاكيا في جميع أنحاء البلاد، ولم تكن تهدف فقط لتحقيق العدالة في جرائم القتل، بل أيضًا لمواجهة الفساد المتفشي في الطبقة السياسية في البلاد.

حزب زوزانا في طليعة حركة مكافحة الفساد

وأصبحت الأشرطة والملفات الموجودة بحوزة كوشنر، والتي يُفترض أنها مواد احتفظ بها لابتزاز السياسيين والقضاة، مُتاحة للعامة مما أجج الاحتجاجات وزاد من الكراهية الشعبية.

Embed from Getty Images

زوزانا كابوتوفا

وأدت المظاهرات إلى موجة من الاستقالات في جميع أنحاء البلاد، حتى أنها طرقت أبواب رئيس الوزراء فيكو، زعيم حزب الاتجاه، وأعضاء مجلس الوزراء بأكمله، فضلًا عن العديد من الشخصيات رفيعة المستوى داخل جهازي الشرطة والقضاء. وحوكم مرتكب جريمة قتل كوتشياك، وهو جندي سابق، وحُكِم عليه، في حين لا يزال كوشنر سجينًا في انتظار محاكمته بتهم الاحتيال والتآمر للقتل.

ويعزو الكاتب صعود حزب «سلوفاكيا التقدمي» إلى هذه الاحتجاجات، مشيرًا إلى أن الحزب تأسس عام 2018 على أيدي نشطاء مدنيين وجماعات غير حكومية كانت في طليعة حركة مكافحة الفساد داخل البلاد.

وفي العام 2019، فاز مرشح الحزب ماتوش فالو المهندس المعماري والناشط الحضري بمنصب عمدة العاصمة براتسلافا. ومضت زورانا كابوتوفا في تصعيد حملتها الشعبية التي تركز على محاربة الفساد وإصلاح الرعاية الصحية. وفي مايو (آيار) من العام نفسه، استطاع حزب سلوفاكيا التقدمي الفوز بانتخابات البرلمان الأوروبي متفوقًا على حزب الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي.

وقالت أنيتا فيلاجي، أستاذة العلوم السياسية بجامعات كومينيوس ببراتسلافا: إنها شعرت بالتفاؤل الشديد؛ إذ كانت تلك المرة الأولى في تاريخ سلوفاكيا التي تتفوق فيها إجمالي الأحزاب الديمقراطية على الأحزاب الممثلة للقوميين. لقد عكست الأغلبية القيم المؤيدة للاتحاد الأوروبي. لكن لم يستمر ذلك الإجماع، بحسب الكاتب، إذ بدأت أرقام حزب سلوفاكيا التقدمي في الانخفاض بعد انتخابات الاتحاد الأوروبي؛ لأسباب من بينها ظهور أحزاب جديدة خرجت من رحِم الاحتجاجات.

ينقل الكاتب عن الكاتبة الصحفية بجريدة (SME) السلوفاكية زوزانا كيبلوفا قولها: «إن كابوتولو نقلت حالة النشاط التي ولدّتها احتجاجات الشوارع إلى منصبها، لكنها لم تحقق النجاح، لأن سياساتها كانت ليبرالية أو لأن الناخبين أقروا جميع مواقفها».

Embed from Getty Images

زوزانا كابوتوفا وأنجيلا ميركل

وعزت الكاتبة زوزانا كيبلوفا انتصار زورانا إلى ما تتسم به من وقار، وما تملكه من مهارات اتصال وسلوكيات إيجابية. منوهةً عن أن حزب سلوفاكيا التقدمي عانى من حملة مضادة ضخمة، إذ وجهت بعض الأحزاب الديمقراطية الأخرى انتقادات للحزب باعتباره «ليبراليًا متطرفًا».

كما انتقدت أحزاب، من بينها حزب أولانو، موقف حزب سلوفاكيا التقدمي المؤيد للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمسألة الهجرة، أي دعوة الاتحاد لنظام محاصصة لإعادة توطين طالبي اللجوء داخل الدول الأعضاء بالتكتل الأوروبي.

ينوه الكاتب عن أن زورانا اختارت بحكمة تجنب الالتزام بذلك الموقف خلال حملتها الرئاسية. وعلى الرغم من أن سلوفاكيا منحت حق اللجوء السياسي لخمسة لاجئين فقط في عام 2018، فإن مسألة الهجرة لا تزال قضية مثيرة للجدل في الحياة السياسية السلوفاكية.

علاوة على ذلك، فإن الزعيم الحالي لحزب سلوفاكيا التقدمي ميشال تروبان، الناشط المناهض للفساد والمدافع عن الديمقراطية الرقمية، لا يتمتع بشخصية جذابة مثل زورانا. من جانبها، نجحت زورانا في إبقاء حملتها النشطة على المسار الصحيح، حتى وإن فشل حزبها في الاستفادة من زخمه الخاص.

وختم التحليل بالقول: «سيكون صوت العقل الهادئ لـزورانا أكثر أهميةً من ذي قبل؛ لأنه من المؤكد أن يكون تأسيس ائتلاف لتشكيل الحكومة الجديدة بمثابة اختبار لمؤهلات سلوفاكيا الديمقراطية من خلال طرق جديدة».

دولي

منذ 10 شهور
«واشنطن بوست»: أوروبا تتجه نحو الاستبداد شيئًا فشيئًا!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد