الرحلة قديمة قدم الإنسان، وما كان البشر في يوم من الأيام ساكنين إلى الأرض مطمئنين إليها، وترحال الإنسان وتنقله بين موطن وآخر هو ما عمر الأرض كما نراها اليوم، ويذكر العلماء أن البشر ما زالوا في ترحال دائم منذ أن وجدوا على الأرض، وربما تعد رحلة قدماء المصريين عام 1493 قبل الميلاد من أقدم الرحلات التي دونها البشر ووصلنا خبر عنها، كما يذكر الباحث الفرنسي مودوي. فمنذ اختراع الكتابة أصبح بمقدور البشر أن يدونوا تاريخ حركتهم على هذه الأرض.

يقول مصطفى بن فتح الله الحموي مؤلف كتاب فوائد الارتحال ونتائج السفر: “إن موضوع الرحلة والترحال والسفر والغربة عن الأهل والأوطان، موضوع استغرق كتب المصنفين، وامتلأت به صحائف المدونين، تصف ترحالهم من بلد إلى بلد، واجتهادهم بين أيدي العلماء على الركب، فتنوعت أخبارهم وتعددت أساليبهم، حسب ما قصدوا من ترحالهم، حتى أصبح في عصرنا الحديث نوع خاص من الأدب يسمى أدب الرحلات.

 

نشأة أدب الرحلات وتاريخه

 

ولد أدب الرحلات عبر تدوين الرحالة لقصصهم ومشاهداتهم للبلدان التي زاروها والغرائب التي شاهدوها، وتنوعت أهدافهم ومقاصدهم بحسب غرضهم من الرحلة، فمنهم من قصد العبادة كالمسلمين الذين كانوا يقصدون الحج من أطراف الأرض وعادوا يحكون للناس ما رأوه خلال رحلاتهم، ومنهم من قصد العلم وانتقل بين البلدان كي يحصّل منه ما تحمله عليه همته، ومنهم من كان يسعى في تجارته فخالط أهل تلك البلد وخبرهم وعاد يحكي تجربته، ومنهم من كان في مهمة أوكلت إليه من الخليفة أو الوالي لغرض دبلوماسي أو تفاوضي أو غيره، ولذلك يتنوع ما كتبوه ودونوه، كلٌّ بحسب دوره، ويعتبر أدب الرحلات مرجعًا مهمًّا لأقوامهم في فهم البلدان التي زاروها كلّ في مجاله.
ويكفي أن نعلم أن الكثير من معلوماتنا وتصوراتنا عن الحياة في مكان ما وفي وقت ما كان يعتمد على مدونات رحال زار تلك المنطقة في تلك فترة، وسنسرد بعض الأمثلة من ذلك.

 

أهمية أدب الرحلات

 

تعتبر كتب أدب الرحلات مرجعًا مهمًّا في علمي الإثنوغرافيا (علم وصف أساليب حياة وتقاليد وقيم وأدوات وفنون المجتمع)، والإثنولوجيا (علم يهتم بتحليل وتفسير الحالة الثقافية للمجتمع بطريقة ممنهجة)، فالعناصر التي يستند إليها علم الإثنوغرافيا نجدها وافرة في كتب الرحالة عبر التاريخ، فكتاب البيروني “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” يعتبر من أهم الكتب التي وصفت عقائد أهل الهند وعاداتهم وأنكحتهم وأعيادهم وأطعمتهم وطرائق حياتهم وخصائص لغاتهم، أما الإثنولوجيا فيمكن أن تدرس من خلال ما تحويه وتتيحه كتب أدب الرحلات في مجموعها، حيث يختص وصف الرحالة دائمًا بوقت محدد، وهو ما يجعلها مادة إثنولوجية جيدة عند مقارنتها مع غيرها من الرحلات تبعًا للزمن.
إضافة إلى ذلك، تعتبر كتب أدب الرحلات مصدرًا للمعلومات التاريخية التي تحكي الأحداث التي عاصرها ذلك الرحالة من تتابع السلاطين والحروب الدائرة أو الأحدث العظيمة التي وقعت في عصره، كما اهتم كثير من الرحالة بوصف المناطق التي زاروها فساهموا بشكل كبير في علم الجغرافيا ورسم الخرائط، كابن خرداذبه والبكري والإصطخري، ولكل واحد من هؤلاء الثلاثة كتاب يحمل اسم “المسالك والممالك” يصف فيها جغرافيا البلدان التي شاهدها والطرق التي مر بها.
ولا يخفى ما للرحلة من دور في توسعة أفق الإنسان ومعارفه، حيث يقول أحد الكتاب الفرنسيين في القرن الثامن عشر: إن الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفًا للإنسان.

 


أنواع أدب الرحلات

 

وتصنف الرحلات بحسب الغرض منها والدافع لها فمنها الرحلات العلمية، وقد صنف فيها العلامة الخطيب البغدادي كتابه “الرحلة في طلب الحديث” حيث ذكر فيه آداب وفنون هذا النوع من الرحلات. وعالم النبات لابن البيطار الذي قام برحلاته في اليونان وأوروبا والجزيرة العربية متتبعًا أنواع النباتات حيث رصدها ودونها في كتبه، إضافة إلى العلوم الأخرى التي مر ذكرها، والتي كان لأدب الرحلات نصيب كبير منها.

رسم يوضح خريطة العالم كما رسمها الرحالة والعالم الإصطخري قبل أكثر من ألف عام

ومن أنواع الرحلات أيضًا رحلات الحج، وكثير من هؤلاء الرحالة كانوا من أهل الأندلس “المغرب”، يقول الدكتور محمود على مكي: “ذلك أن الرحلات التي كان يقوم بها أهل المغرب – بمعناه الواسع- وإن كانت في المبدأ من أجل أداء فريضة الحج فقد كانت في الوقت نفسه تتيح الفرصة لطلبة العلم من أجل التزود بالثقافة الإسلامية في مختلف أمصار المشرق”، حتى أن الدكتور
محمود حسن زيني ألف كتابًا أسماه “أدب الرحلة الحجازية عند الأندلسيين من القرن السادس حتى سقوط غرناطة”، ومن أشهر من قاموا بهذه الرحلات ابن بطوطة وابن جبير وأبو مروان الحاجي، ويعتبر ابن بطوطة وكتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” من أشهر كتب أدب الرحلات التي دونت في العالم الإسلامي.

الطرق التي سلكها أمير الرحالة ابن بطوطة خلال رحلته التي استمرت 28عامًا

ومن أدب الرحلات، الرحلات السياسية وهي تلك التي تمت بتكليف من الملك أو الخليفة، ومن أشهرها رحلة سلام الترجمان إلى بلاد القوقاز للبحث عن سد يأجوج ومأجوج، وذلك تكليف من الخليفة العباسي الواثق، كما كلف الخليفة المتقتدر ابن فضلان برحلة إلى ملك الصقالبة بعد أن بعث هذا الأخير رسالة إلى أمير المؤمنين يسأله فيها أن يرسل إليه من يفقهه في الدين ويعلمه شرائع الإسلام، وقد دون ابن فضلان تفاصيل رحلته ومشاهداته في كتابه “رحلة ابن فضلان”، كما يعد أحمد بن المهدي الغزال من أشهر الرحالة السفراء، وهو شاعر وأديب، كما كان سفير المغرب في إسبانيا، وله كتاب “الاجتهاد في المهادنة والجهاد” الذي دون فيه رحلته إلى الأندلس وما رآه من آثارها.

ومن جميل أدب الرحلات ما يعتمد على الخيال، وهي الرحلات التي يكتبها صاحبها من وحي خياله وإن لم يبرح داره، كقصة السندباد البحري، وهو ذلك الفتى البغدادي البحار الرحال الذي تعتبر قصصه من أشهر قصص الشرق وأكثرها إثارة، أو رسائل الغفران لأبي العلاء المعري التي ينتقل فيها في رحلة بين الجنة والنار يحاور الشعراء في كل منهما.

وعن دور الرحلة وأهميتها للإنسانية ككل يقول صلاح الشامي: “صحيح أن كل رحلة قد حققت الهدف لحساب الإنسان ونبض الحياة المستمر على الأرض، وصحيح أيضًا أن الإنسان الذي كرس اجتهاده لإنجاز الرحلة لم ولن يفرط أبدًا في جني ثمرات الرحلة والانتفاع بها، ولكن الصحيح بعد ذلك كله أن الرحلة قد رسخت كل العوامل والمفاهيم التي بنيت عليها مسألة وحدة البشر على الأرض، بل لقد فجرت في الإنسان استشعار المصالح المشتركة التي وثقت عرى هذه الوحدة على الأرض، ومن غير الرحلة ينفرط عقد هذه الوحدة، وتتضرر حركة الحياة ومصيرها المشترك”.

لم أذكر هنا إلا بعض أمثلة من أدب الرحلات في العصور القديمة في العالم الإسلامي، وإلا فإن أدب الرحلات موجود قائم ما دامت الرحلة قائمة، والمكتبة العربية في العصر الحديث زاخرة بكتب أدب الرحلات، كما أن المكتبة العالمية غنية بهذا النوع من الكتب، والتي تعتبر بالنسبة لنا الأعين التي نعرف من خلالها كيف ينظر العالم إلينا.

تمثال ابن بطوطة في متحف تشوانتشو لتاريخ المواصلات البحرية

يقول أليوت مخاطبًا البشر: ارتحلوا… انطلقوا أيها الرحالة، فأنتم لستم نفس الأشخاص عند بدء الرحلة!

من أمثلة الرحلات العربية في العصر الحديث، “الرحلة السورية إلى أمريكا المتوسطة والجنوبية”، وتخليص الإبريز في تلخيص معرفة باريز لرفاعة الطهطاوي، وكتابات محمد بن ناصر االعبودي.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد