قام ملك إسبانيا فيليب الثالث والمعروف أيضًا باسم فيليب الورع، بطرد الموريسكيين من إسبانيا في عملية استغرقت ما بين 1609 (بلنسية) و1614م (قشتالة). صدر قرار الطرد في سبتمبر سنة 1609 وكان من أهم بنوده عدم السماح للموريسكيين إلا بحمل أموالهم المنقولة التي يستطيعون حملها شخصيًا، وكل من يحاول غير ذلك يعرض نفسه لعقوبة الإعدام. أما الأموال والممتلكات التي لا يستطيعون حملها فتسلم للنبيل الذي كان الموريسكي تابعًا له. والموريسكيون، هم المسلمون الذين بقوا في إسبانيا تحت الحكم المسيحي بعد سقوط المملكة الإسلامية وخُيروا بين اعتناق المسيحية أو ترك أرض الوطن.

إن حُمَّى البحث عن كنوز مطمورة تحت الأرض ليست حكرًا على زمن ما بعد رحيل الموريسكيين عن إسبانيا. لقد استحوذت على مر العصور ، فكرة العثور على كنوز دفينة تحت التراب على عقول عامة الناس، خاصة الأكثر فقرًا منهم والمؤمنين بالخرافة، أولئك الراكضون وراء أمل اكتشاف مدفونات مالية تحول مسار حياتهم وتنهي احتياجاتهم المادية. ولعل الطرد المفاجئ للكيان الموريسكي وتعويضه العنيف بكيان آخر، شكل مادة دسمة غذَّت الخيال العام . استغل ممتهنو البحث عن الكنوز في إسبانيا القرن الثامن عشر سذاجة ومحدودية ثقافة وجشع العاجزين عن الكسب المألوف. تفننوا في ابتكار حيل مختلفة لأكل أموال الناس بالباطل كدعوتهم لإنفاق أموالهم لفك طلاسم الدفائن واستحضار الأرواح وطرد حراس الكنز أو ربط تعاون إيجابي معهم، مع الزعم بأن الكنز المنشود أندلسي موريسكي لإقناع الضحايا بصحة الادعاء.

تعتبر مهنة «صيادي الكنوز» من أقدم المهن التي وُجدت لدى مختلف الحضارات الغابرة. في كتابه «المقدمة» يصفُ ابن خلدون مزاولي البحث عن الكنوز بـ«ضعف العقل والعجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب من التجارة والفلح والصناعة». ويقول أيضًا: «اعلم أن كثيرًا من ضعفاء العقول في الأمصار يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك. ويعتقدون أن أموال الأمم السالفة مختزنة كلها تحت الأرض مختوم عليها كلها بطلاسم سحرية. لا يفض ختامها ذلك إلا من عثر على علمه واستحضر ما يحله من البخور والدعاء والقربان». عرفت «المهنة» انتشارًا واسعًا في إسبانيا القرنين السابع عشر والثامن عشر بعد طرد الموريسكيين. أوهم مزاولوها العامة بإمكانية الظفر بمدفونات مالية إسلامية أندلسية من الذهب والفضة وبالتالي اللحاق بركب أهل الرفاهية والجاه.

دفائن مالية أندلسية عُثِرَ عليها بالفعل في الحقبة المعاصرة!

كثيرة هي الحكايا التي وردت في باب عثور إسبانيا على دفائن مالية إسلامية أندلسية؛ ولكن لحساسية الموضوع الذي يتأثر عادة بالخرافات والمعتقدات الشعبية الزائفة، وتحريًا للدقة والصدق في نقل المعلومة الموثقة والصحيحة والواقعية فقط؛ نعرض في هذا الجزء أحداثًا ووقائعَ لاكتشافات جاءت في وسائل الإعلام الرسمية ودُوِنت بقلم متخصصين في علم «النوميات»، وهو علم دراسة النقود القديمة، لاستنطاق معطياتها، وتحديد تواريخ ضربها ومجالات تداولها. مع إدراج بعض الصور والأدلة التي تؤرخ لكل اكتشاف.

في تمام الساعة الثانية عشرة من يوم الاثنين الخامس من نوفمبر (تشرين الأول) لسنة 2012، فتح متحف تاريخ بلنسية أبوابه على غير العادة أمام جمهورٍ عريض من ممثلي الهيئات الثقافية ووسائل الإعلام؛ وذلك لعرض «كنزٍ إسلاميٍّ» عُثر عليه سنة 2009 في شارع لاكونستيتوثيون ببلنسية. الاكتشاف عبارة عن 1500 قطعة نقدية من الذهب والفِضَّة يعُودُ أقدمها لزمن عبد الرحمن الناصر لدين الله (891 – 961) ثامن حكام الدولة الأموية في الأندلس، أما أحدثها فضرب من قبل الظاهر لإعزاز دين الله (1021 – 1036) الخليفة الفاطمي السابع. يعود تاريخ إخفاء «الكنز» إلى بدايات طائفة بلنسية وبالضبط في زمن حكم المنصور أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن (1021-1061) ابن الحاجب المأمون وحفيد الحاجب المنصور، حاكم طائفة بلنسية في عهد ملوك الطوائف ومُشيِّد حائط بلنسية العربي. تشغل النقود الفاطمية الحيِّز الأكبر من محتوى الاكتشاف من حيث الكمية والعدد. ولعل وجود العملة الفاطمية ضمن «الكنز» الأندلسي المكتشف قد يعكس وجود علاقات قوية بين مصر وبلنسية في تلك الحقبة. ولكن يبقى الأمر فرضية محتملة وظاهرة ما زالت لم تحظَ باهتمام واضح. عولجت القطع النقدية المكتشفة من حالة التضرر السطحي التي لحقتها بفعل الزمن وهي الآن معروضة في متحف تاريخ بلنسية.

بالتأكيد لم تكن تلك المرة الأولى أو الوحيدة التي عُثِرَ خلالها على هذا النوع من الاكتشافات في بلنسية؛ فلقد عثر على ألفي قطعة نقدية ذهبية إسلامية محفوظة بشكل جيد في الثاني عشر من مارس لسنة 2001, تعود للقرنين العاشر والحادي عشر.

جزء من الدفينة الإسلامية الأندلسية المكتشفة سنة 2001 معروضة في مركز بلنسية لثقافة البحر الأبيض المتوسط.

في حقل بمدينة «وشقة» الإسبانية الواقعة بمنطقة آراغون، وأثناء عمليات حفر لبناء وحدة سكنية بشارع الجنرال فرانكو المسمى حاليًا شارع إيل باركي، عثر عامل إسباني سنة 1955 على دفينة إسلامية أندلسية موحدية من القرن الثاني عشر مكونة من خمسمائة قطعة نقدية ذهبية محفوظة بشكل جيد داخل وعاء من السيراميك. ولكن من المعلوم أنه في تلك الفترة، أي في فترة تخزين هذا «الكنز» الإسلامي، كانت مدينة وشقة منطقة مسيحية آراغونية. حيث كان الملك بيدرو الأول قد استولى على المدينة سنة 1096. وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف لنقودٍ إسلامية ذهبية أن تكون في مملكة مسيحية كآراغون؟

الجواب: بالرغم من استيلاء النصارى على المدينة، عاش بها في القرن الثاني عشر، دون أدنى شك، مسيحيون مسلمون ويهود؛ وبالتالي فالذي قام بإخفاء الوديعة المالية التي عُثِر عليها سنة 1955 قد يكون طائفة من الطوائف الثلاث. كما قد تكون الوديعة المالية عبارة عن غنيمة حرب. وتبقى كل الاحتمالات والفرضيات قائمة بهذا الشأن. حدث أمر مشابه بالمناطق المجاورة لـ«فراغا» أو «إفراغة» وهي إحدى مدن مقاطعة وشقة بمنطقة أراغون حيث عُثر على ضفاف نهر سينكا على وديعة مالية معاكسة، في سياقها وحيثياتها، لاكتشاف مدينة وشقة: ألا وهو اكتشاف نقدي من عملة آراغونية من القرن الحادي عشر في موقع «سافراناليس» الإسلامي الأثري على يد الخبير الأركيولوجي فيلكس مونطون ما بين سنتي 1985 و1996. وبالتالي فإننا هذه المرة أمام «كنزٍ» مسيحيٍّ في ديارٍ إسلاميَّة.

لا أحد يعرف كيف وصلت النقود الإسلامية إلى آراغون القرن الثاني عشر المسيحية ولا أحد يعرف كيف وصل «الكنز» الأراغونيّ للحصن الإسلامي. يُعرَضُ حاليًا هذا الأخير، إلى جانب مواد أثرية هامة استخرجت من موقع سافراناليس الأثري، في متحف مدينة «وشقة» الإسبانية.

جزء من القطع النقدية الآراغونية الخاصة بحقبة الملك سانتشو راميريث التي عثر عليها في موقع سافراناليس.

في دراسة تعود لسنة 1892 للمستعرب المؤرخ والباحث الإسباني ذي الأصول العربية فرنسيسكو كُودِيرا زيدين، يتحدث عن تلقي أنطونيو بيبس خبير العملات العربية الإسبانية لـ«كنزٍ» إسلامي. وهو عبارة عن عملات فضية عُثِرَ عليها ببلدية «ألاما دي غرانادا». بلدية تقع في مقاطعة غرناطة التابعة لمنطقة أندلوسيا جنوب إسبانيا وأصل الاسم من العربية: حمّة غرناطة، أو الحامة أو حامة غرناطة. وانطلاقًا من دراسة أجراها خبير العملات العربية الإسبانية أنطونيو ريبيس فقط على القطع النقدية المحفوظة بشكل جيد ضمن مجموع قطع الوديعة المالية، يمكن تصنيف عملات «كنز» حامة غرناطة المكتشف على النحو التالي:

يبلغ مجموع العملات التي تم تحديد تاريخها، 458 قطعة نقدية. المثير للانتباه قلة القطع النقدية التي تعود للسنوات الأخيرة، بينما من المتعارف عليه في «الكنوز » الأندلسية المكتشفة بشكل عام أن تكثر القطع الأقرب زمنيًّا لتاريخ إخفاء «الكنز».

في دراسةٍ أخرى دائمًا للمستعرب والمؤرخ والباحث الإسباني فرنسيسكو كُودِيرا زيدين يتحدث عن تلقيه 467 قطعة نقدية إسلامية مكتشفة في بلدية ترانكون. من المثير للانتباه أن العملات المكتشفة تعود لحكم كل من الخليفة عبد الرحمن الثالث، والحكم الثاني، وهشام الثاني، ومحمد الثاني وسليمان، منذ 318 إلى 402هـ حسب التوزيع التالي:

عبد الرحمن الثالث، 142

الحكم الثاني، 62

هشام الثاني، 206

من فاس، 64

محمد الثاني، 15

سليمان، 26

لعل مسألة وزن العملة لا تعكس أي دلالات هامة، ولكن تجدر الإشارة إلى الاختلاف الحاصل على هذا المستوى من حاكم لآخر:

فمثلًا تزن القطع النقدية الخاصة بالخليفة عبد الرحمن الثالث 2,87 غرامًا، الحكم الثاني 2,74، هشام الثاني 3,00، محمد الثاني 3,00، سليمان المستعين بالله الحاكم الثاني عشر والخليفة الخامس للدولة الأموية في الأندلس 3,00 غرامات.

أما عملات فاس فتزن 2,90 غرامًا.

«مستخرج الكنوز الأندلسية».. مهنة انتشرت في المجتمع الإسباني بعد رحيل الموريسكيين.. شهادات من ملفات محاكم التفتيش الإسبانية

دونت سجلات محاكم التفتيش الإسبانية الخاصة ببلنسية، على مر القرن الثامن عشر، عدة دعاوى وشكايات ضد مستخرجي كنوز إسبان. انتشرت مهنة «صيادي» كنوز الموريسكيين بكثرة في المجتمع الإسباني في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ويطلق اسم مستخرجي الكنوز أو صيادي الكنوز على الأشخاص الذين كرَّسوا حياتهم للبحث عن الأموال المخبأة تحت الأرض، معتقدين بوجود كنوز غابرة قلائل هم من يستطيعون استخراجها. يمنح هؤلاء الأفراد بشكل غير مباشر رؤية واضحة لصورة المسلم والموريسكي في الذاكرة الشعبية الإسبانية. حيث يصور ممارسو هذه المهنة الموريسكي إنسانًا «غنيًّا» ضليعًا في «أعمال السحر والشعوذة».

تؤكد الباحثة باليري موليرو بأن ظاهرة الاعتقاد بوجود كنوز تحت الأرض ليست بالأمر المستجدّ، فمنذ قديم الزمان كانت هناك محاولات استخراج كنوز اعتُقِدَ أنها غابرة ومدفونة في سالف العصر في عهد الرومان والقوط والعرب وغيرها من الشعوب. تعتبر أنشطة استخراج كنوز الأرض ودفائنها أحد أبرز الأنشطة التقليدية الموازية التي مارسها الإنسان في بواطن الأرض والمغارات السحيقة والبنايات الضاربة في القدم.
وهي حرفة مرتبطة بالخرافة والأسطورة والعجائبية ونشاط قام طرد الموريسكيين بإحيائه بإسبانيا. آمن
الخاضعون لعصابات صيادي الكنوز الإسبان بأن الموريسكيين تركوا قبل رحيلهم كنوزًا دفينة التراب بهدف العودة للبحث عنها من جديد في وقت لاحق.

من بين الأشخاص الذين مثلوا أمام محاكم التفتيش الإسبانية في مطلع القرن الثامن عشر بتهمة التنقيب عن الكنوز في المجتمع البلنسي، نذكر الفلاح «بيسنتي نوغيس». عثر بيسنتي سنة 1730 خلال قيامه بإصلاحات في بيته المتواجد ببلدية كارليت ببلنسية، على كتاب مدون بخطٍ عربي. وما أن تبدى المخطوط العربي المبهم حتى عمَّت حالة من البحث الجاد بين جيران نوغيس وأصدقائه ومعارفهم عن شخص متقن للغة العربية قادر على تفسيرها. اتسعت دائرة البحث إلى أن كوَّنوا شبكة من التواصل لا هدف لها إلا الحصول على الكنز المرغوب. التزم الجميع بتقديم الدعم المادي وتوفير شبكة بحث مقابل وعد من بيسنتي نوغيس بتوزيع الثروة المنشودة فور العثور على الدفينة المالية. وبعد مجهوداتٍ كبيرة، عثروا أخيرًا على اثنين من العبيد العارفين باللغة والقادرين، حسب ادعاء الشهود، على القيام بالإجراءات اللازمة للحصول على الكنز. باءت كل المحاولات بالفشل. وصرَّح بعض الشهود أن قصة الكنز لم تكن سوى مؤامرة حاكها العبدان للتحرر من قيد العبودية والفوز بالحرية. وأمام المحاولات المتكررة وغير المثمرة مثلوا بشكل عفوي أمام محاكم التفتيش للتصريح بالضرر المادي.

لم تكن هذه الحالة الوحيدة التي وردت في سجلات محاكم التفتيش. عرف الأمر انتشارًا واسعًا فأصبح مجرد العثور على أي وثيقة مخطوطة باللغة العربية أمرًا مثيرًا للفضول. تحولت المخطوطات العربية إلى مفتاح سحري ومصدر وحي ودليل على وجود كنز ومصدر رزق وجب الحفاظ عليه وإن جهل أصحابه قراءته وفهم معانيه.

نموذج آخر يتجلى في الدعوى المسجلة ضد أنطونيو بنيتو سنة 1728 الذي شكل إلى جانب إيطالي من مدينة فيرارا يدعى خوان دي لا روسا وآخرون فريق بحث عن «كنز» إسلامي. حازت هذه المجموعة تمامًا كمجموعة بسينتي وثيقة عربية اعتقدوا أنها قد تساعدهم في العثور على كنز ما. وبمجرد العثور على مفسر للوثيقة حتى أدركوا أنها لا تتحدث عن أي كنز ولا تفسر أي إرشادات سحرية من شأنها تيسير الحصول على أي ثروة محتملة غابرة. لقد كان مجرد العثور على وثيقة مخطوطة باللغة العربية كفيلًا بخلق بلبلة وتكوين شبكة بحث للعثور على مُجيدٍ لهذه اللغة وبالتالي فهم محتوى الوثيقة. وعادة ما كان يتم البحث عن عبد «مورو»أو مسيحي جديد يساعدهم للاستدلال على مكان وجود الدفينة المالية المنشودة.

وهكذا تحولت الوثائق والمخطوطات المدونة بخط عربي وشخصية العبد «المورو» أو المسيحي الجديد إلى عناصر أساسية ضرورية للبحث عن الكنوز. فمجرد حيازة الاثنين هو بمثابة إثبات مسبق وتأكيد وضمان للمتطلع للكنز على اغتنائه وفوزه مستقبلًا بالثروة ولحاقه بركب الرفاهية. استغل بعض المحتالين من ممتهني حرفة استخراج الكنوز هذا الاعتقاد الشعبي الذي أصبح من مسلمات المجتمع القشتالي المؤمن بوجود مدفونات مالية أندلسية في جوف الأرض، فادعى بعضهم الأصل «الموري» أو الموريسكي لتسهيل عمليات النصب والاحتيال وإقناع الضحايا المستقبليين بصدق ادعاءاتهم. ولعل خير مثال على ذلك، مستخرجَا الكنوز المحتالَان جوسيب كيلي ومانويل دوبري. من بين مغامراتهم المتعددة، تذكر ملفات محاكم التفتيش محاولة إيقاعهم بقاضٍ بَلَنسِي وإقناعه بقدرتهما الحقيقية على استخراج كنوز من جوف الأرض عن طريق انتحال دوبري شخصية رجل عربي.

لم تكن هذه الحرفة منتشرة فقط في إسبانيا بل انتشرت أيضًا في بلدان كثيرة أخرى على مر العصور. يشير الحسن بن محمد الوزان والمشهور بـليون الأفريقي أو الأسد الأفريقي إلى مهنة البحث عن الكنوز في فاس القرن السادس عشر التي ضمَّنها في كتابه «وصف إفريقيا»، قائلًا: «يوجد بفاس أيضًا رجال يدعون الكنزيين، يبحثون عن الكنوز المدفونة في أسس الأبنية الأثرية القديمة. يذهب هؤلاء الحمقى إلى خارج المدينة منقبين في عدد من الكهوف والأطلال لعلهم يجدون فيها هذه الكنوز، لأنهم يعتقدون تمامًا أن الرومان عندما أخذت منهم إمبراطورية إفريقيا وفروا إلى بلاد بيتيك في إسبانيا، دفنوا في ضواحي فاس عددًا وافرًا من الأشياء الثمينة النفيسة التي لم يتمكنوا من أخذها معهم وسحروها».

تسجِّل دفاتر محاكم التفتيش محضرًا آخر وقضية سُجِلَت ضد البلنسي خوان باريرا زعيم عصابة كبيرة من مدعي امتلاك القدرة الخارقة على استخراج المدفونات المالية الأندلسية. أقنع خوان ريبيرا جاره خايمي ريتا الذي يقطن نفس الحي بوجود عدد كبير من المدفونات المالية في إصطبل منزله. في هذه الحالة أيضًا تم اللجوء لكل الوسائل المتاحة لاستخراج الثروة المزعومة. وبعد أن باءت كل المحاولات بالفشل، ادعت عصابة الباحثين عن الكنز أن هناك سلطة خارقة وقوى شيطانية خفية حارسة للكنز تمنعهم الوصول إليه. تكمن أهمية هذا المحضر في تبيان الطقوس الخرافية التي رافقت عملية استخراج المدفونات المالية كضرورة لرفع سلطة الجن عن هذه الدفائن القديمة. استغل ممتهنو البحث عن الكنوز في بلنسية القرن الثامن عشر سذاجة ومحدودية ثقافة وجشع العاجزين عن الكسب المألوف. تفننوا في ابتكار حيل مختلفة لأكل أموال الناس بالباطل كدعوتهم لإنفاق أموالهم لفك طلاسم الدفائن واستحضار الأرواح وطرد حراس الكنز أو ربط تعاون إيجابي معهم، مع الادعاء بأن الكنز المنشود أندلسي موريسكي لإقناع الضحايا بصحة الادعاء.

كما اتهمت محاكم التفتيش الإسبانية «المسيحي الجديد» ألونسو لورينثو بالردة والاعتقاد بالخرافة وممارسة الشعوذة وإشاعة الباطل داخل المجتمع الكاثوليكي طوال الفترة الممتدة ما بين سنتي 1715 و1718. وكانت هذه الحالة الوحيدة التي رُفعت فيها دعوى مباشرة ضد هذه الفئة أي ضد «المسيحيون الجدد» في بلنسية القرن الثامن عشر؛ بينما لم يثبت تورطهم بشكل مباشر في المحاضر السابقة.

الموريسكي في الذاكرة الشعبية الإسبانية: «منجم ذهب لا ينضب»

شكل الموريسكي منجم ذهب لا ينضب، دفع للجميع ثمن اختلافه، ومصدر غنى حقيقي بالنسبة لمحاكم التفتيش الإسبانية. دفع الأموال ليجد لنفسه مكانًا في المجتمع الكاثوليكي وليحافظ على حياته وهويته؛ ودفع الأموال أيضًا للتخلي عن هذه الهوية، إذ كان ملزمًا بالدفع مقابل التنصير.

يذكر الأستاذ الدكتور علي المنتصر الكتاني، في كتابه: انبعاث الإسلام في الأندلس، التالي: «عملت محاكم التفتيش منذ البداية على أخذ أموال المسلمين رشوة لتغض الطرف عن بعض ممارساتهم الإسلامية. فمنذ سنة 1571 أخذ الموريسكيون البلنسيون يدفعون 50 ألف دوقة ذهبية سنويًّا لمحاكم التفتيش من أجل ذلك. وفي سنة 1543 دفع الغرناطيون 12ألف دوقة ذهبية للمحكمة وللملك . وفي سنة 1555 دفعوا لهما 200 ألف دوقة ذهبية. ومنذ سنة 1558 أخذوا يدفعون 100ألف دوقة ذهبية للملك و3 آلاف دوقة سنوية للمحكمة».

شكل رحيل الموريسكيين عن إسبانيا كارثة بالنسبة لمستغليهم على اختلاف شكل الاستغلال الذي مورس عليهم. أحسوا أنهم حرموا شيئًا خاصًا بهم، تحت سيطرتهم ويملكونه.

لقد تأثر المجتمع الكاثوليكي بالأحكام المسبقة والمعتقدات الجاهزة المقتبسة عن هواجس قضاة ومحققي محاكم التفتيش ومعتقداتهم القهرية حول الموريسكي باعتباره كائنًا «غنيًا استغلاليًا» يكدس ليل نهار الكنوز والأموال الطائلة على حساب المسيحيين القدامى. كنوز ردموها دون شك تحت التراب، حسب المعتقدات السائدة، إلى حين عودتهم مستقبلًا؛ تلك العودة التي لم تحدث أبدًا.

تعود هذه الأساطير «الغنية بالذهب» أيضًا لمجموع الروايات الشفهية التي تداولها قديمًا مجتمع شمال شبه الجزيرة الأيبيرية الكاثوليكي حول غنى أهل الأندلس والغنائم التي يجنونها من الفتوحات وتوفرهم على يد عاملة جادة وماهرة ومستوى صناعات تقليدية باذخ الذي لم ينتفع منه فقط الحكام وأصحاب السلطة وإنما أيضًا النخبة الأندلسية. حسب المعتقدات الشعبية السائدة، لا بد أن يكون الموريسكي قد اكتنز من ماضيه الغني نصيبًا دفنه تحت التراب قبل رحيله عن ديار أجداده.

كان للكتب المناهضة للوجود الموريسكي تأثير على العامة، وعلى الشعراء والروائيين الإسبان. أدت بشكل غير مباشر إلى ولادة موضوع «الموريسكي مكتنزًا للذهب» في الأدب الإسباني. فظهرت شخصيات موريسكية خيالية في قالب روائي يحاكي التصور الشعبي القائم. نذكر على سبيل المثال شخصية الموريسكي ريكوتي الحاضرة في رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا للأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا. يشرح الموريسكي ريكوتي لسانتشو بانثا نيته في العودة للبحث عن الكنز الذي تركه دفين التراب بعد صدور قرار الطرد. وبهذه المغامرة وضع ثيربانتس مدخلًا في الأدب الإسباني لموضوع الكنوز الموريسكية.

اعتُبِرَ الموريسكي كائنًا يلفُّ نفسه بالغموض. إنه سليل ذلك الأندلسي الغني. يكسب المال ولكنه يحب العزلة ولا ينفق الكثير . يعشق حياة الكهوف والمغارات. امتزجت هذه الأفكار ببعضها البعض فولدت اعتقادات مترابطة بالنسبة للقارئ: «لغز.. غنى.. كهوف.. كنوز مخبأة». إنها بخلاصة المنظومة الفكرية نفسها التي رسخها كتَّابٌ قدامى ابتداء من رجل الدين والكاتب والشاعر الإسباني لويس دي ليون (1528-1591) وصولًا إلى واشنطن إيرفينغ (1783- 1859) مؤلف وكاتب مقالات وكاتب سير ومؤرخ ودبلوماسي أمريكي. حسب تصور المجتمع الكاثوليكي، شكل الكهف بالنسبة للموريسكي مركزًا آمنًا للاجتماع، نقطة التقاء سرية ومخبأ لحياكة المؤامرات. أحب الموريسكيون الكهوف و الأغوار والمغارات . وحتى عندما كانوا يظهرون للعلن فإن «سرائرهم المخبأة كانت توحي بقتامة شرهم وسواد قلوبهم». وبالتالي فإن الكهف يدل على التصنع وعلى ازدواجية الموريسكي و«غدره». في الكهوف تراكم الموريسكيون لتكوين جماعة «خائنة» وكتلة «متآمرة»، خطيرة ومهددة لأمن المجتمع القشتالي.

في نشاطه التحقيقي ضد الموريسكيين، يُشَبّهُ رجل الدين الإسباني بيدرو أثنار كردونا سلوك الموريسكيين بأفاعيل الشياطين. جميعهم «كذابون»، حذرون، محتاطون، حرسون، شهاداتهم «كاذبة»، ينكرون كل شيء ولا يقولون الحقيقة منذ الوهلة الأولى. والحقيقة أن هذا الميل للتخفي يعود للديانة الإسلامية التي يمارسونها سرًّا ولمبدأ التقية. كان للموريسكيين تنظيم سري له فقهاء سريون. وكان معظمهم يحافظون على صلواتهم الخمس ويقومون بها خفية من النصارى. كما كانوا يتجهون إلى مساجد سرية لصلاة الجمعة كلما أمكن. واعتادوا الانعزال عن النصارى في رمضان في ورشات العمل وفي المزارع حتى لا يفسدوا عليهم صيامهم.

تتجلى صورة الموريسكي «الغني» أيضًا في رواية حوار الكلاب وهي إحدى الروايات القصيرة التي كتبها ميغيل دي ثربانتس بين عامي 1590 و1612. نشرها خوان دي لا كويستا عام 1613 في مدريد. ينعت الكلب بيرغانثا الموريسكيين بالبخل. يرى أنهم أشخاص يعملون ولا يأكلون، وما أن يطرق الريال جيوبهم حتى يتلقى حكمًا بالسجن المؤبد في زنزانة مظلمة. وبما أنهم يربحون الأموال ولا ينفقون منها شيئًا، فإنهم يكتنزون أكبر ثروات إسبانيا. يعرفون جلب المال، يخفونه ويلتهمونه. بل لقد وصل بهم البخل، دائمًا حسب وصف الرواية، لدرجة أنهم لا ينفقون على تعليم أبنائهم فالعلم الوحيد الذي يؤمنون به هو كيفية سرقة الإسبان.

«المورو» والكنز في الأمثال الشعبية الإسبانية

ما من بلدة في شبه الجزيرة الإيبيرية تخلو من كنز خلفه الموريسكيون بعد رحيلهم، إذ إن الكنز الحقيقي، ودون خلط المفاهيم، هو الموريسكيون أنفسهم. وما زال التراث الإسباني يخلد في أمثال شعبية ما يدل على صفة الجدية والكد في العمل المتأصلة في هذا المجتمع نذكر من بينها: «من لديه مور لديه كنز»، «البستان كنز إذا كان البستاني مورو». أما لفظ المورو والجمع موروس أو الموريون فهو مصطلح ذو استخدام شعبي وعامي يطلق على كل سكان شمال أفريقيا أي المنطقة المغاربية. كما أنه يمكن أن يشير بالتحديد إلى مغربي. يطلق من دون تمييز عرقي أو ديني أو ثقافي واضح.

حسب الموسوعة البريطانية «بريتانيكا» فالموري هم السكان المسلمون لشبه الجزيرة الإيبيرية أي الأندلس أو ما بات يعرف اليوم بإسبانيا والبرتغال. أي أن مصطلح المور يشير إلى المزيج العربي والأمازيغي والأوروبي الذي تشكل في البلاد بعد فتح الأندلس حسب نفس المصدر. ولا تستخدم كلمة مورو دائمًا بطريقة مهينة، فحسب السياق الذي تعرضه فيه، يمكن أن تحمل معنى إيجابيًا. فقد «اختلف موقف النبلاء من الموريسكيين المطرودين بعد أن ساندوهم لمدة قرون. فمنهم من عاملهم في محنتهم أحسن معاملة، ومنهم من عاملهم بقساوة ونهب أموالهم بل وحتى ملابسهم الخاصة. تكونت في الطرقات عصابات من النصارى، تسطو عليهم وتجردهم مما يحملون من حلي ومال ويقتلون منهم من شاؤوا. وشارك في النهب والسبي أفراد الجيش الذين يحرسونهم» كما يذكر الدكتور الكتاني في كتابه سابق الذكر. وأغرق أصحاب السفن النصارى كثيرًا من الموريسكيين الذين نقلوهم لسلب أموالهم.

دائمًا في إطار الأمثال التي تربط بين المورو والثروة نذكر مقولة شعبية أخرى تحمل تمييزًا عرقيًا سلبيًا ضد المورو وتُسقطه إلى الطبيعة الحيوانية ألا وهي «الذهب الذي تغوطه المورو»: إذ يُشبَّه الذهب الآتي من عند المور بالبراز. المقولة تحمل معنيين. يتجلى المعنى الأول في كون هذا الذهب ليس سوى فضلات نتنة آتية من عالم الظلمات والذنوب والمعاصي التي يرتكبها المسلمون وليس سوى ذهب يستعمل لتدبير مؤامرات ضد المجتمع الكاثوليكي. أما ملكية هذا الذهب الموري فلن تجلب للكاثوليكي إلا التعاسة فهو ذهب حصله المور بالطمع والبخل والتزييف. نعم! للمور ذهب ولكنه لن يكون إلا نتنًا مثل أصحابه الذين قاموا بتحصيله عن طريق تزييف العملة وتخفيض قيمة الذهب والفضة وإلحاق الضرر بالمجتمع الكاثوليكي حسب ادعاءات الكتاب المناهضين للوجود الموريسكي.

وتستعمل العبارة اليوم للإشارة إلى الذهب المزيف والجواهر المقلدة. فإذا سُئل أحدهم عن جوهرة تقليد إذا ما كانت من الذهب الخالص وهي ليست كذلك يتم الإجابة بأنها مزيفة باستعمال عبارة: «الذهب الذي تغوطه المورو» والعبارة شائعة ومتداولة جدًا في إسبانيا. أما المعنى الثاني فيحيل على معنى الإخفاء والطمس والإكنان والإبطان. فإنه ليس سوى ذهب مخفي وغابر يقطن أحشاء جسم المورو الذي قد يبتلع نقوده لإضمارها ويقطن أيضًا أحشاء الأرض في كنوز طمرها بعناية.

كثيرة هي الأساطير التي حيكت حول البخلاء الذين يبتلعون الذهب والتي لقيت انتشارًا واسعًا خاصة في عصر الباروكية أو الباروك الذي شمل زمنيًّا القرن السابع عشر بأكمله وبدايات القرن الثامن عشر، وهي أساطير علقت خاصة باليهود. حيث يصور الإنسان البخيل كالحمار الذي يعلف الطين وكفئران مناجم الذهب الذين لإخراج ما تناولوه من أحشائهم وجب قتلهم تمامًا كالبخلاء
الذين يبتلعون أموالهم لإخفائها. ومن هنا يأتي التشبيه بين الذهب والفضلات.

لم يقف هذا المعتقد عند هذا الحد، بل تصف بعض القصائد الشعبية كيف ركض الجنود الإسبان وراء الطمع وهوس إيجاد الذهب والعملات النقدية في بطن الموريسكي؛ فتذكر أنهم لم يعذبوهم فقط ليتقيؤوا الكنوز التي يُعتقد أنهم قاموا بابتلاعها، وإنما نزعوا أيضًا أحشاءهم لمواصلة عملية البحث. تروي إحدى القصائد الإسبانية الشعبية أسطورة بلع موريسكي أمواله الذهبية لينقلها مستورة عن الأنظار أثناء عملية الطرد على النحو التالي:

حدث في هذه المناسبة،

أن سقط موريسكي سقيمًا

من جراء تخمة شديدة (…)

تحسسوا بطنه المثقل (…)

فتحوه بسكين،

ومن جسمه أخرجوا

مائة عملة ذهبية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد