ولادة أوَّلُ طفلٍ في العالم لثلاثةِ آباء، وذلك باستخدام أحدث تقنيات التخصيب في العالم، والتي أعلن عن نجاحها الفريق الطبي الأمريكي الذي أجراها

تقنية مثيرة للجدل، وثورةٌ طبيَّة عظيمة كما وصفها المختصُّون، ونشرت مجلة New Scientist تقريرًا عنها، إنها ولادة أوَّلُ طفلٍ في العالم لثلاثةِ آباء، وذلك باستخدام أحدث تقنيات التخصيب في العالم، والتي أعلن عن نجاحها الفريق الطبي الأمريكي الذي أجراها، وتمَّت تسميتها بـ«الطفل ثلاثي الآباء».

الطفل وُلدَ بصحةٍ جيّدة لأبوين أردنيَّين، ومتبرِّع لم يُكشَف عن هويَّته، وهو يبلغُ من العمرِ 5 أشهر الآن، وقد سبق وعانى والداه من فقد اثنين من أبنائهم بسبب انتقال جينات متلازمة (Leigh syndrome) القاتلة من الأم لأطفالها.

ما هي متلازمة Leigh syndrome؟

متلازمة لي هي اضطراب عصبي نادر، حاد ومُميت، يصيب الجهاز العصبي النامي، وتكمن جينات المرض في الحمض النووي DNA الميتوكوندريا، والميتوكوندريا هي أجزاء صغيرة توجد داخل كل خلية من خلايا الجسم، وهي مسؤولة عن تحويل الطعام إلى طاقة.

ويُصاب الأطفال بهذا المرض عبر انتقال الجين المُسبِّب للمرض من الأمّ، ويتطوَّر بسرعة كبيرة، حيث أنَّ المُصاب يكونُ ضعيفًا ومتعبًا، وضامِرَ العضلات، ويعاني من تراكم حمض «اللبنيك» في جسمه مما يؤدي إلى تلف الكلى، ومشاكل في الجهاز التنفسي، ولا يعيش الأطفال المُصابون عادةً أكثر من ثماني سنوات، وهذا المرض هو ما عانى منه والدا الطفل «ثلاثي الآباء» المولود حديثًا، حيث فقدا بسبب هذه المتلازمة، بنتًا في السابعة من عمرها، وطفلًا آخر بعمر الثمانية أشهر.

كيف حلّت تقنية «ثلاثي الآباء» المشكلة؟

المشكلة جاء حلّها في مركز خصوبة New Hope Fertility Center في نيويورك، بقيادة فريق علمي يرأسه الدكتور جون زانج John zhang، الذي استخدم تقنية تعرف باسم نقل الحمض النووي للميتوكوندريا، وتتم بإفراغ الحمض النووي DNA من بويضة الأم، وإعادة زرعه في بويضة امرأة متبرعة، أفرغت من الحمض النووي مع الإبقاء على الميتوكوندريا السليمة فيها، عندها تتكون بويضة جديدة، تخصب بحيوانات منوية من الأب.

وفي هذه الحالة يحمل الطفل الناتج 0.1 % من حمضه النووي من المتبرع، أما باقي الشيفرات الوراثية والصفات فيكتسبها من الأم والأب الحقيقيين، كلون الشعر والعينين، والصفات الوراثية الأخرى.

تجارب فاشلة

رغم أنَّ المختصِّين يعتبرون أنَّ التقنية الجديدة ثورة علميَّة بكلّ المقاييس، إلاَّ أنَّ هذه التكنولوجيا الجديدة المعروفة باسم «تبرُّع الميتوكوندريا»، تُثير المخاوف أيضًا، حيث أنَّها ليست المرّة الأولى التي يولد أطفال بها، ففي أواخر التسعينيات 1990م، نجح علماء في تخصيب جنينين من بويضات متبرعة، حقنت بالحمض النووي للأم، ولقحت بحيوانات منوية للأب، فكانت النتيجة اضطرابات وراثية، بسبب وجود الميتوكوندريا من مصدرين مختلفين، مما جعل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية توقف العمل بهذه التقنية تمامًا.

ويقول الدكتور Zhang أنّه وفريقه، عندما اختبروا حالة الطفل المولود حديثًا، وجدوا عنده تحولًا في الميتوكوندريا أقل من 1 %، وهو أقلّ بكثير من أن يسبب أي مشاكل للطفل، ولتحدث أي اختلالات عنده يجب أن يكون هناك تحولًا أكثر من 18 %، ولكن مع هذا يجب متابعة مراقبة الطفل والتأكد من عدم حدوث أيّ تحوُّلات في الميتوكوندريا عنده، حيث أنَّ هناك احتمالًا أن يحدث فيها اعتلالات.

هل ما حدث قانوني؟

رغم أنَّ مركز الإخصاب الذي قام الفريق المختصّ بِهِ بإجراء العملية مقرّه نيويورك، إلاَّ أنهم اضطروا إلى الانتقال إلى المكسيك، حتى يتمكنوا من إجراء تجربتهم، وذلك بسبب عدم قانونية هذه التكنولوجيا، أو أي شكل من أشكال نقل الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا في الولايات المتحدة، بينما في المكسيك لا توجد ضوابط تمنع العمل بالتقنية الجديدة، أو أي إجراء تجارب على عمليات نقل الحمض النووي.

أيضًا في الأردن، بلد أبوي الطفل المولود بتقنية «طفل ثلاثي الآباء»، فهذه التكنولوجيا ممنوعة قانونيًا، وغير مسموح القيام بها أبدًا. أما في بريطانيا فالأمر مختلف تمامًا، فهذه التكنولوجيا قانونية، وهي أسلوب معتمد يطلق عليه اسم Pronuclear، ويقصد بها إفراغ نواة DNA بويضات الأم وإعادة حقنها ببويضات مانحة أفرغت من نواتها.

هل ما حدث أخلاقي؟

من وجهة نظر الطبيب Zhang، فإنه يعتبر تجربته خيارًا صائبًا، ويصر على أنَّ إنقاذ أرواح البشر، هو شيء أخلاقي يجب القيام به، وأنَّه وفريقه اعتمدا نهجًا لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية لأنَّ الزوجين والدا الطفل مسلمين، ولذلك تم تخصيب 5 أجنة من بويضات متبرعة بعد حقنها بــ DNA الأم، وتلقيحها بمنويَّات من الأبّ، ثم زراعتها في رحم الأم.

– من وجهة نظر د. بيرت سميتس Bert Smeets الأخصائي في جامعة ماستريخت الهولندية Maastricht University، أنَّ هذه التجربة مثيرة، وأخلاقية، ولكن يجب مراقبة الطفل بحذر للتأكد من بقاء مستويات الميتوكوندريا المريضة منخفضة، حيث أنَّ هناك فرصة لأن تزداد تدريجيًا، لذلك فنحن بحاجة لانتظار مزيد من الولادات، حتى نحكم عليها بعناية، وسيقوم فريق من المختصين بشرح النتائج في الجمعية الأمريكية للمؤتمر العلمي للطب التناسلي في مدينة سالت لايك Salt Lake خلال شهر أكتوبر المقبل.

ويعتبر د. Sian Harding أنَّ الفريق تعامل بمنهج أخلاقي مع التقنية الجديدة، وأنَّ ما قاموا به لا يتنافى مع الأخلاقيات المهنية في المملكة المتحدة، التي تحذر من تدمير الأجنّة، أو نطف من غير الأب، وقال: «إنَّ التجربة مماثلة أو أفضل مما نقوم به في المملكة المتحدة».

تعتقد لجنة من المستشارين في الحكومة الأمريكية أنَّه سيكون أمرًا أخلاقيًا استخدام هذه التقنية على البشر، في حال اتبعت خطوات السلامة بدقة، وأنَّه حان الوقت للمضي قدمًا بالتجارب السريرية في هذا المجال.

 فيما يعترض هنري غريلي Henry Greely مدير مركز القانون والعلوم البيولوجية في جامعة ستانفورد Stanford University بأنّ هذه التكنولوجيا، “غير أخلاقية، وغير حكيمة”.

في حين حذر د. ديتر ايغلي Dieter Egli من مؤسسة نيويوك للخلايا الجذعية، “أنه من المبكر الحديث عن نجاح هذا الإجراء، لأنه إلى الآن ليس من الواضح تماماً ما جرى، وأنه ليس لدينا ما يكفي من المعلومات لنعرف ما جرى بالضبط”.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!