بينما لا يزال الساسة في العاصمة الليبية طرابلس مختلفين حول اختيار اسم لترأس الحكومة، وربط البعض ذلك باستقالة رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، استأنفت إحدى محاكم العاصمة الليبية محاكمة بعض رموز نظام العقيد القذافي ومنهم نجل العقيد الراحل، سيف الإسلام القذافي. وهي المحاكمة التي قيل عنها الكثير وأثارت تحفظات المنظمات الحقوقية الدولية من أن تكون مجرد “محاكمة صورية” تفتقد إلى ضمانات المحاكمة العادلة.

محاكمة من داخل الزنازين

العشرات من رموز النظام الليبي السابق داخل القفص

أبرز رموز نظام “جماهيرية العقيد” نجله، سيف الإسلام القذافي، الذي كان أبرز المرشحين لخلافة العقيد معمر القذافي، قبل أن تطيح ثورة 17 فبراير بهذا النظام الذي حكم الليبيين أربعة عقود من الزمن.

أولى النقط المثيرة للأسئلة في هذه المحاكمة تنصب على أن “سيف الإسلام” الذي ظهر لأول مرة أمام محكمة بطرابلس، لكن ليس شخصيا، بل من خلال نقل حي عبر كاميرات من زنزانته بسجنه في مدينة الزنتان، وهو ما يجعل المتتبع يحتار في وصف هذه المحاكمة إذا كانت “حضوريا أو غيابيا” ما دام أن الشخص المتابع لا يتواجد بصفة شخصية أمام القضاة أو القاضي.

وعلى الرغم من ذلك فإن وكالة الأنباء الليبية الرسمية أكدت أن جلسة “المحاكمة العلنية” التي نُقلت عبر الفضائيات، قبل أن ترفع ليؤجل النظر فيها لاحقا، جرت بمثول جميع المتهمين أمام قاضي وهيئة المحكمة بمن فيهم المحبوسون في مدينتي مصراتة والزنتان، وذلك بعد ربط المحكمة عبر الدائرة المغلقة بالمتهمين في الزنتان ومصراتة.

وإلى جانب “سيف الإسلام” مثُل ستة متهمين آخرين في نفس القضية أمام المحكمة، من بينهم منصور ضو، رئيس جهاز الحرس الشعبي، وعبد الله السنوسي رئيس المخابرات، بالإضافة إلى آخر رئيس وزراء في عهد القذافي وهو البغدادي المحمودي.

تُهم ثقيلة

يواجه المتهمون عدة تهم، على رأسها قتل المتظاهرين إبان ثورة 17 شباط/ فبراير، وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وإصدار التعليمات للاغتصابات الممنهجة، وخلق الفتنة بين الليبيين وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، وترويج المخدرات وحبوب الهلوسة، وقطع المياه والكهرباء عن مدينة مصراتة، وغيرها من لائحة طويلة من التهم.

رئيس المخابرات على عهد القذافي عبد الله السنوسي في طريقه إلى المحكمة

ويبدو أن السلطات الليبية كانت تعلم بما قد يوصف “عيبا في شكل” محاكمة رموز النظام الليبي السابق، بعد قرار المشرفين على المحاكمة الاستعانة بكاميرات لإشراك المتهمين في المحاكمة مباشرة من زنازينهم، لذا فقد اضطرت السلطات المعنية عشية بدء هذه المحاكمة إلى إجراء تعديلات قانونية وذلك بإضافة فقرات إلى المواد 241 و243 من قانون الإجراءات الجنائية الليبي، ما يتيح مثول نجل القذافي وآخرين عبر الكاميرات فقط، بالنظر إلى الأوضاع الأمنية التي تؤثر على الاستقرار العام بالبلاد، والتي كان من أبرز تجلياتها اكتشاف “خلايا” تابعة للنظام السابق كانت تنشط في الجنوب الليبي وتتلقى الأوامر والتعليمات من أحد أبناء القذافي وهو الساعدي القذافي. هذه الخلايا كثفت من نشاطها المسلح ضد السلطات المركزية مع بداية السنة الجارية، إلا أن “صفقة” تمت بين الحكومة الليبية وحكومة النيجر، وبوساطة فرنسية، قادت إلى تسليم الساعدي القذافي أواخر شهر فبراير الماضي لطرابلس مقابل حوالي 5 مليارات دولار قبضتها النيجر، وفق بعض التقارير.

محكمة طرابلس حيث يحاكم المتهمون

بالإضافة إلى تلك الأحداث هناك وجود بعض المجموعات المسلحة التي ما تزال ترفض تسليم أسلحتها والتي في نفس الوقت لا تخفي مناهضتها للسلطات المركزية الحالية، وترفع عدة شعارات رافضة لها تحت غطاءات عدة كالدعوة إلى “النظام الفدرالي” القائم على القبلية والعنصر الطائفي، و”تقسيم الثروة النفطية” وغيرها من “الشعارات”، فإن نوايا هذه الجماعات تبقى “غامضة” ولا يتردد بعض السياسيين وساسة طرابلس في اتهامها باستمرار ولائها للنظام السابق، ولاسيما عندما يتعلق الأمر ببعض المجموعات التي تنتسب لمسقط رأس العقيد الليبي الراحل مدينة سرت.

انتقادات

عدد من أبرز رموز نظام القذافي وهم بداخل القفص

هيومن رايتس ووتش المنظمة الحقوقية العالمية أصدرت رأيها بخصوص هذه المحاكمة عشية انطلاقها، وهو الرأي الذي جاء أكثر انتقادا للسلطات وللطريقة التي تتم فيها المحاكمة التي وصفتها بـ”المهزلة”، مؤكدة أن “الحق في النظر العلني للقضايا، هو ضمانٌ أساسي لعدالة واستقلالية التقاضي، وهو وسيلة لحماية الثقة العامة في نظام العدالة”.

وفي حين وجدت الإجراءات التي أقدمت عليها الجهات المكلفة بسير المحاكمة بعض المؤيدين، الذين اعتبروا أنها إجراءات لها ما يبررها على اعتبار الأوضاع الأمنية غير المواتية، والتي إما قد تكون مناسبة لاختطاف المتهمين أو الانتقام منهم، ومن ثم فلا بأس في أن تدار المحاكمة بتلك الطريقة (المغلقة)، وهي إجراءات يوجد مثلها على مستوى محكمة الجنايات الدولية التي استمعت في بعض الملفات لشهود عبر استعمال وسائل التكنولوجيا؛ فإنه على الجانب الآخر هناك من انتقد مثل هذه الإجراءات التي تحرم المتهم من التواجد الشخصي الذي قد يؤثر على مجريات المحاكمة وذلك عندما يتمكن من إبداء وجهة نظره والدفاع عنها مباشرة، وهو ما لن يتأتى له عبر التواصل بالكاميرات فقط.

وبين وجهة النظر الرسمية المدافعة عن هذه “الإجراءات الاستثنائية” لمحاكمة رموز النظام الليبي السابق، وبين رفض الطرف المعارض لها، يبقى رموز نظام “العقيد” داخل زنازنهم يتحسسون رقابهم بسبب لائحة التهم الطويلة الموجهة لهم، وهي اللحظات التي لا شك أنها ستذكرهم بتلك التي كان يعانيها معارضو نظام “العقيد” الذي كان لا يحتاج لا إلى كاميرات ولا إلى محاكم حتّى، وإنما فقط إلى نصب المشانق..

عرض التعليقات
تحميل المزيد