تعد مدينة ترينداد الكوبية، نموذجًا للمدن الاستعمارية التي لا تزال تحتفظ بها أرض أمريكا الجنوبية. فالمدينة ذات الطبيعة الساحرة لها قصة تاريخية طويلة من المعاناة مع الاستعمار، إذ تعود معظم المباني التاريخية فيها إلى أكثر فتراتها غنى في أواخر القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر، وقد بقيت إلى اليوم وكأنها قطعة من زمن ماضي، وشهادة استثنائية على ما حدث يومًا للقارة، ولكوبا تحديدًا بسبب صناعة السكر، فما هي قصة هذه المدينة؟ 

بين الشلالات والجبال.. لا مكان للإسبان

تقع ترينداد على الساحل الجنوبي الأوسط لكوبا، ولدخول المدينة ترسو السفن في مدينة سيين فويجوس (Cienfuegos) وهي أحد أفضل المرافئ الطبيعية في كوبا، ويقطع الداخل إليها طريقًا يبلغ حوالي 80 كيلومتر وسط الطبيعة الخلابة وحقول التبغ وقصب السكر التي تحدها الجبال على طول الطريق حتى يصل إلى هناك. 

«مدينة ترينداد اليوم جثة متألقة». *إدورادو غاليانو

أُنشأت المدينة عام 1514، على ضفاف نهر أريماو بالقرب من خليج لطالما استفاد منه الإسبان في عبورهم للبلاد، وكان موقع المدينة على مرتفعات كبيرة يسمح بمراقبة بحر الكاريبي في الحرب والسلم فاختار الإسبان استيطانها لأسباب عسكرية، ولأسباب اقتصادية أيضًا إذ كانت تقع بالقرب من مناجم الذهب وعمل أهلها في التعدين وكونوا ثروات كبيرة، وكانت المنطقة مأهولة بمجموعات عرقية مختلفة من السكان الأصليين. 

اكتشاف أراضٍ أكثر ثراءً في القارة مع أسباب أخرى أهمها التمرد المستمر للسكان الأصليين بسبب الانتهاكات المرتكبة ضدهم؛ دفع الإسبان للتخلي عن المدينة فبقيت تحت سلطة المستوطنين الأصليين وأوائل شعوب الكريول (أبناء الإسبان والهنود)، واستمر الحكم الذاتي لترينداد لحوالي 40 عامًا، وبدأت إعادة توطين الإسبان في عام 1585. 

في القرن السابع عشر كانت المدينة تعمل في رعاية الماشية وبحلول القرن الثامن عشر أصبح التبغ هو العنصر الرئيسي للنشاط الاقتصادي في المدينة واستطاع سكانها توفير منافذ بيع للتبغ والجلود والأسماك المملحة والماشية الحية التي تنتجها المدينة وتراكم لديهم رأس المال، قبل أن يبدأ زحف صناعة السكر، التي صارت بحلول عام المصدر الرئيسي لثروة المنطقة، ودخل إلى المدينة في عام 1778 مزيد من العبيد جاء أغلبهم من القارة الأفريقية للمساهمة في العمل. 

في عام 1820 بدأ الارتفاع الاقتصادي ونمت الثروات المحلية العظيمة، وفي منتصف القرن التاسع عشر خرج الفلاحون الفقراء الذين كانوا يزرعون التبغ عنوة من أراضيهم، لتخصص الأراضي في ترينداد لزراعة قصب السكر، وبلغ عدد معامل التكرير فيها 50 معملًا، ووصلت ترينداد إلى أعلى أرقام إنتاج للسكر في تاريخها عام 1846.

ثروات السكر.. «الفقاعة» التي انفثأت!

انعكس الازدهار الاقتصادي على منازل المدينة وشوارعها، فقد تكونت لقاطنيها ثروة هائلة، فانتشرت الأبنية الاستعمارية ببواباتها وأسقفها الشاهقة، وما تضمه داخلها من ثريات مزينة بالبللور وهياكل وتماثيل من المرمر وسجاجيد فارسية، وقد سكن هذه القصور أرستقراطيون من أصحاب المزارع وتُظهر جوانب حجرات القصور وأبوابها كيف تغلغل الفن الأوروبي في مجتمع الكريول!

لكن ترينداد -وكل كوبا- كانت «تخسر» على الجانب الآخر كما يشير الباحث والروائي والصحافي الأوروجواياني إدواردو غاليانو في كتابه الشهير «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية». فقد «امتصت» معامل التكرير كل شيء بداية من الرجال وحتى الأراضي!

فالحرفيون والعمال والفلاحون الصغار الذين كان يمكن لإسهامهم أن يحدث فرقًا في تقدم الصناعات اتجهوا لمعامل التكرير، فتدهور إنتاج التبغ وصارت الأراضي محلاً جديدًا لبناء المزيد من معامل التكرير، وأخذ «النبات السارق» يقضي على خصوبة التربة. 

ظلت ثروات سكان المدينة من عوائد صناعة السكر تتنامى حتى تدهورت أسعاره عام 1857، بسبب إنتاج سكر البنجر وانخفاض تكاليف إنتاج السكر في أوروبا فزادت ديون المنتجين الكوبيين وجلب ذلك الخراب لمنتجي السكر في ترينداد، وتفاقم الوضع بسبب مشاركة المنطقة في حرب الاستقلال التي خاضتها كوبا ضد الاستعمار الإسباني بين عامي 1868 و1898، بالإضافة إلى الحرائق التي تعرضت لها حقول قصب السكر، في عام 1860، فبعدما كان هناك 44 مصنعًا للسكر في المدينة؛ لم يتبق مع نهاية الحرب سوى 16 مصنعًا.

ترينداد.. مدينة سياحية تأخذ زائريها عبر آلة الزمن

 سقطت المدينة ولم تقم من جديد وعمها الصمت إلى اليوم، ولا تزال تحتفظ بأبنيتها التي تركها ساكنوها في القرن التاسع عشر لتتحول إلى متاحف.

سُميت ترينداد بمدينة «الذين كانوا يملكون»، فقد ظلت المنطقة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مركزًا لزراعة قصب السكر ومصدرًا اقتصاديًا رئيسيًا للبلاد.

صُنفت ترينداد بأكملها منذ عام 1988، واحدة من بين مواقع التراث العالمي لليونسكو، واحتفلت عام 2014 بمرور 500 عام على تأسيسها.

متحف التاريخ في ترينداد – مصدر الصورة

وبالرغم من أن المدينة لم تتعاف من إنهاك صناعة السكر بعد، لكنها تُركز منذ سنوات على النشاط السياحي، فهي تتمتع بطبيعة خلابة وفريدة بين البحر الذي يمتلئ قاعه بالشعاب المرجانية والشلالات والأنهار والجبال، كما أن داخل المدينة يحكي تاريخ طويل؛ فقد تحولت أغلب قصورها ومصانع السكر فيها إلى متاحف يحرص السياح على زيارتها، ولا تزال في الشوارع سيارات تعود إلى الخمسينيات.

فبواسطة القطار؛ ينتقل الزائر إلى حقول قصب السكر ليراقب من برج يدعى برج بيزا -بسبب ميله الخفيف- مساحات كبيرة من الأرض الخضراء. 

وفي متحف التاريخ يمكن التعرف عن قرب على الحياة التي عاشتها العائلات الارستقراطية من خلال غرف القصر الذي لا يزال يُحتفظ بأثاثه المصنوع من الأخشاب الغنية وباللوحات والخزف والأطباق الفضية والملابس الثمينة وبالجرس الضخم الذي وُضع في مدخل القصر للتواصل مع العبيد في المزارع الكبيرة.

تاريخ

منذ 11 شهر
إلدورادو.. قصة «مدينة الذهب» التي بحث عنها الغزاة الإنجليز والإسبان لعقود

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد