منعطف آخر يدخله المشهد الليبي هذه الأيام؛ حيث إنه في الوقت الذي بدأ فيه الحديث عن استعداد بعض المجموعات المسلحة لرفع يدها عن الموانئ التي تسيطر عليها، يبث التلفزيون الليبي الرسمي ما وصفها بتصريحات للساعدي القذافي، نجل العقيد القذافي الراحل، المعتقل لدى السلطات الليبية منذ بداية الشهر الماضي، يؤكد فيها علاقته بالمسمى “إبراهيم الجضران” أحد كبار قادة الجماعات المسلحة، والذي تسيطر جماعته على موانئ نفطية، ويدعو إلى إقامة منطقة ذات حكم ذاتي حيث تسيطر جماعته في شرق البلاد

ابن القذافي يخلط الأوراق

“اعترافات” الساعدي القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، كما وصفها التلفزيون الحكومي الليبي، مساء الثلاثاء الماضي، تشير إلى أنه جرى تنسيق بينه وبين إبراهيم الجضران، الذي يقود حركة تطالب باستقلال مناطق في شرق ليبيا وتسيطر منذ أشهر على موانئ نفطية، وكان أبرز مظاهر هذه السيطرة أزمة ناقلة النفط الكورية التي شحنتها العناصر التابعة لـ”الجضران” ووفرت لها الحماية والغطاء الأمنيين إلى أن خرجت من الميناء الليبي وأصبحت في المياه الدولية، قبل أن تعترض سبيلها البحرية الأمريكية بموجب مذكرة توقيف دولية؛ هذا الأزمة كان من تداعياتها إقالة المؤتمر الوطني العام لرئيس الوزراء، علي زيدان، واتهامه بالتقصير والمسئولية عن إفلات الناقلة الكورية، وهو ما نجم عنه أيضًا “فرار” الأخير بعدما بات مهددًا في حياته، كما قال.

المعطيات التي نشرها التلفزيون الرسمي وكذا الوكالة الرسمية للأنباء كشفت عن أن القذافي الابن كان يجري “اتصالات مكثفة” مع الجضران، وأنه كانت هناك “علاقة وثيقة وبرامج عمل مشتركة تربطهما من خلال الاتصالات” التي كان الساعدي يشرف عليها من النيجر، وتتم عبر وسطاء من مدينة سرت – معقل العقيد القذافي – ومدينة إجدابيا ومناطق الجنوب.

كما أشار الساعدي إلى أن أشخاصًا قدِموا من المنطقة الشرقية إلى النيجر من أجل “التنسيق” مع “الجضران”، ومن بين هؤلاء الأشخاص جاء ذكر اسم القائد السابق للجيش، خليفة حفتر – الذي أعلن في وقت سابق عن “انقلاب عسكري” اتضح لاحقًا أنه كان “وهميًّا” – هؤلاء كانوا ينسقون مع الساعدي ورجالات أخرى من النظام السابق بغرض القيام بـ”أعمال كبيرة وأشياء محورية في الشغل السياسي المعارض للدولة الآن”، وفق “تصريحات” الساعدي القذافي التي أعلنتها مصادر رسمية.

تصريحات الساعدي أماطت اللثام أيضًا عن تدخل مخابرات دول خارجية بهدف تقسيم البلاد، وترك الثروة النفطية عرضة لسوء تدبيرها، ما يضعف الدولة المركزية!

مناورات!

هذه التطورات تأتي في وقت أعلن فيه كل من إبراهيم الجضران وعبد ربه البرعصي – أحد زعماء المسلحين في شرق ليبيا أيضًا – عن قرب التوصل إلى اتفاق مع الحكومة المركزية لإنهاء سيطرتهم على الموانئ النفطية، بعد تدخلات من قبل وجهاء وشيوخ قبائل, وهو ما اعتبره البعض قد يكون محاولة للتماطل أو مناورة من قِبل هؤلاء لربح المزيد من الوقت ولإحكام سيطرتهما على الموانئ المحاصرة.

ومعلوم أن جماعة البرعصي تسيطر على ثلاثة موانئ في شرق ليبيا منذ العام الماضي، وقد نصّب البرعصي نفسه من جانب واحد رئيسًا لإقليم برقة وذلك للضغط على الحكومة في طرابلس للحصول على مزيد من الحكم الذاتي وعلى حصة أكبر من عائدات النفط.

ويبدو أن الأحداث تتسارع في ليبيا هذه الأيام بحيث تأتي هذه الاستجابة لكُبرى الجماعات المسلحة لتسليم الموانئ النفطية التي تسيطر عليها، إلى السلطات المركزية، في وقت تعاني فيه هذه السلطات من شبه فراغ، بعدما كانت في السابق ضعيفة فقط ولا تستطيع فرض هيبة الدولة؛ حيث أعلنت غالبية الكتل في المؤتمر الوطني العام الليبي (البرلمان)، بعد مداولات فيما بينها يوم الثلاثاء، عن تعيين عمر الحاسي رئيسًا للوزراء، خلفًا لنوري أبو سهمين، الذي كان بطل “فضيحة” شريط فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدا فيه مرتعشًا يتوسل إلى محققين يتهمونه بشبهة الفساد مع امرأتين في مقر إقامته.

فراغ..

هذا الفراغ ربما سيؤثر على موازين القوى بين الجماعات المسلحة والسلطة المركزية، التي يمثلها في الغالب المؤتمر الوطني العام ذي الأغلبية “الإسلامية”، وهو ما سيضع مسألة تسليم تلك الموانئ المتنازع عليه على محك حقيقي، لا سيما أن “زعماء” المجموعات المسلحة المسيطرة عليها، أبدوا في كثير من المناسبات غير قليل من التحدي للسلطة، والجميع يتذكر في هذا الصدد “السخرية” والتحدي الذي كان يبديهما المسمى “الجضران” عندما تمكنت عناصره من شحن ناقلة النفط الكورية من الميناء التي تسيطر عليه، وتم تغطيتها أمنيًّا من لدن تلك العناصر إلى أن بلغت البحار الدولية، في حين كانت تتحدث سلطات طرابلس عن “سيطرة” تامة على السفينة، وهو ما لم يتم كما اتضح فيما بعد.

في ظل هذا الموقف “المتردد” من طرف الجماعات التي ما فتئت تطالب بعائدات أكبر من الثروة النفطية و”الاستقلال” الذاتي عن سلطات طرابلس، وفي هذا الموقف “المتردد” أيضًا من لدن ساسة طرابلس فيما إذا كانوا قادرين على التدخل عسكريًّا – كما وعدوا عقب حادثة ناقلة النفط الكورية – من أجل فك الحصار على الموانئ، يبقى السؤال قائمًا: من القادر على فرض سلطة القوة في غياب قوة السلطة؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد