كان القنوط يلف أجواء مدينة طرابلس التي احتلَّ القلقُ والإرهاق ملامح أبنائها، بعد أن أنهكهم الحصار الطويل. كانت أنفاس الحياة تنسحب تدريجيًّا من شوارع طرابلس – في لبنان الحالية – حاضرة شرق البحر المتوسط، التي طالما كانت تزخرُ بالتُّجار والبحارة وطلبة العلم، والورَّاقين والكُتاب، الوافدين إليها من كل حدبٍ وصوب، ليطلب كلٌّ منهم وَصلًا بليلاه، سواءً كان هذا في مينائها الزاخر بالحياة والبضائع، أو جوامعها الهادرة بالصلوات وحلقات العلم، أو مكتبتها العامرة بعشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات التي لا تُقدَّر بثمن.

على مدار أكثر من ستة أعوام، استُنزفَت طاقاتُ المدينة كافة، في شهور الحصار الصليبي الطويل، واستُهلِكَت مواردها في محاولاتٍ عبثية من حكام المدينة وأعيانها لكبح سطوة الصليبيين بالمال، ليسمحوا بنفاذ بعض القوافل إلى المدينة المُحاصَرة، أو تخفيف حدة الحصار، أو محاولة إقناع أمراء الشام والعراق المتناحرين بالقيام بجهدٍ حقيقيٍ لإنجاد المدينة، وكسر الطوق الصليبي الخانق.

وهكذا بحلول عام 1109م = 502هـ، أصبحت المدينة الحصينة كالثمرة الناضجة في نظر الصليبيين، ولا تنتظر سوى أن يمدُّوا قبضتهم لانتزاعها، أو يهزوا الجذع هزَّةً أو هزتيْن فتسقط بين أقدامهم دون جَهد. لكن كيف وصلت حاضرة شرق البحر المتوسط إلى تلك اللحظة من الوهن تتكاثف في أجوائها أشباح السقوط؟

طرابلس.. طريق الغزو الصليبي يبدأ من هنا!

قبل أقل من 12 عامًا من وصول المدينة إلى نقطة القنوط التام، بفعل الحصار الصليبي، انقضَّ عشرات الآلاف من الفرسان الأوروبيين على الشرق الإسلامي مثل ميكروبٍ شرس وجد ضالته في جسدٍ خائر المناعة، فيما عُرف تاريخيًّا بالحملات الصليبية.

البابا أوربان الثاني يدعو للغزو الصليبي عام 1095 – مصدر الصورة

جاءت تلك الحملات استجابة لدعوةٍ أطلقها بابا روما، أوربان الثاني، عام 1095م في مجمع كليرمونت بفرنسا، لغزو الإسلام في عقر أراضيه، والاستيلاء على بيت المقدس وفلسطين، مهد المسيح.

كانت لتلك الدعوة دوافع عديدة مركبة. فقد عجز البابا عن إيقاف التناحر بين الزعماء الأوروبيين، فأراد توجيه طاقاتهم التدميرية والتوسعية نحو عدوٍّ خارجي. كذلك أراد البابا الاستجابة لاستغاثة وجَّهها البيزنطيون الذي تلقَّوْا ضرباتٍ موجعة متتالية من الأتراك السلاجقة، لاسيَّما في موقعة ما نزيكرت عام 463هـ = 1071م، والتي اجتاح في إثرها الأتراك هضبة الأناضول، مقتربين كثيرًا من العاصمة البيزنطية القسطنطينية.

أراد البابا استغلال تلك الاستغاثة في فرض هيمنة الكنيسة اللاتينية على الكنيسة الشرقية البيزنطية بعد قرونٍ من الانقسام.

خلال بضعة أعوام، ونظرًا لحالة التشرذم والصراع التي كانت تهيمن على معظم أرجاء العالم الإسلامي، تمكَّن الصليبيون من الاستيلاء على الكثير من حواضر الساحل الشامي من أنطاكية شمالًا، إلى قرب عسقلان جنوبًا، وارتكبوا مذابح مروعة ضد المسلمين واليهود، لاسيَّما في القدس عام 492هـ = 1099م.

ولم يعد بحوزة المسلمين من ساحل الشام سوى بضعة مدن معزولة عن المحيط الإسلامي، من أهمها ميناء صور، وميناء بيروت، وبالطبع حاضرة الساحل الشامي طرابلس، التي كانت الأكثر ازدهارًا وعمرانًا وتحصينًا.

في العاميْن التالييْن للاحتلال الصليبي للقدس، حاول بعض الأمراء المسلمين المحليين – أغلبهم من الأتراك – مواجهة التمدد الصليبي السرطاني، وبالفعل نجحوا في تحقيق بعض الانتصارات الجزئية، كانتصار الأمير التركي دانشمند قرب ملطية في جنوب شرق الأناضول على أمير أنطاكية الصليبي بيمند، وأسره.

وكذلك انتصار سقمان بن أرتق التركي على الصليبيين قرب الرها. لكن لم تسفر تلك المواجهات عن تغييرات جذرية في المشهد، لغياب التنسيق والعمل المنظم الموحد، وكذلك لخشية الأمراء بعضهم بعضًا أكثر من الصليبيين.

تاريخ

منذ سنة واحدة
موقعة ملاذكرد 1071.. عندما فُتِحَت أبواب العالم والتاريخ للأتراك

أما في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، التي لم يعد لخلفائها سوى الاسم دون الرسم، وتفكَّكت الإمبراطورية السلجوقية التي منحتها بعض القوة، بعد وفاة السلطان ملِكشاه بن ألب أرسلان قبل سنوات، فقد كان التناحر على أشده بين الأمراء الأتراك السلاجقة على منصب السلطنة، لاسيما بين الأمير بركياروق، وأخويْه غير الشقيقيْن محمد وسنجر، وامتدَّت المعارك بين الطرفين إلى أجزاءٍ عديدة من العراق وفارس، وعانى الشعب الأمريْن نتيجة الضرائب الباهظة والسلب والنهب.

في قلب تلك المعامع، كانت طرابلس آنذاك خاضعة لحكم القاضي فخر الدين بن عمار، والذي كان رجلًا براغماتيًّا قويًّا، همُّه الرئيس هو تأمين طرابلس وتوابعها مهما كان الثمن المادي أو الأخلاقي لذلك.

ورغم الحاجة الماسة في الشام لأي شكلٍ من أشكال الوحدة والتضامن بين الأمراء المسلمين لتنظيم مقاومةٍ فعَّالة ضد الصليبيين، فقد كان التفكير في مثل هذا ضربًا من الخيال، لتجذُّر العداوة والصراعات المحلية على النفوذ بين هؤلاء الأمراء. وكان أقرب هؤلاء الأمراء مكانًا من طرابلس، الأمير دُقاق بن تاج الدولة، حاكم دمشق وجوارها.

عام 494هـ = 1101م، وبينما كان الصليبيون يحكمون قبضتَهم على حيفا وقيسارية وأرسوف، وغيرها من المواقع الشامية، ضاق أهلُ مدينة جبلة بجند دمشق الأتراك، وراسَلوا ابنَ عمار، فاستغل الفرصة، وانتزع المدينة من الدمشقيين، ثم اعتذر لحكام دمشق بخوفه من سقوط المدينة في يد الصليبيين، فضمها لحكمه ليستطيع الدفاع عنها. أضافت تلك الواقعة مزيدًا من سوء الظن والوحشة بين حكام طرابلس ودمشق.

الفرصة الضائعة

ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صغارٌ… وإن كانتْ لهم جثثٌ ضِخامُ

أرانبُ غير أنهمُ ملوكٌ… مفَتَّحةٌ عيونهُمُ نيامُ

*أبو الطيب المتنبي ساخرًا من حكام زمانه الضعفاء 

عام 494هـ = 1101م، سنحت فرصة كبيرة لتدمير الوجود الصليبي الغض في الشام، لكن لم يستغلها الأمراء المتشاحنون. إذ فَقَدَ الصليبيون عددًا من كبار قادتهم في ملابساتٍ مختلفة. كانت البداية مع صنجيل، الطامع الأكبر في طرابلس، والذي اختلف مع باقي القادة الصليبيين، وانسحب إلى القسطنطينية، ومنها إلى أوروبا.

ثم قُتل كندفري ملك بيت المقدس الصليبي بسهمٍ أثناء محاصرته لمدينة عكا الساحلية. وعلى بعد مئات الكيلومترات شمالًا، أُسِر أمير أنطاكية الصليبي، بيمند، بعد مواجهةٍ مع جيش تركي في منطقة جبلية في جنوب شرق تركيا الحالية.

كان الصليبيون في الشهور التالية لتلك التطورات، أشبه بجسدٍ بلا رأس. رغم ذلك لم تُنظَّم جهودٌ موحَّدة بمعرفة أمراء المسلمين في الشام وجواره لشن حربٍ شاملة تقضي على الوجود الصليبي بضربةٍ واحدة. بل لم يتورَّع البعض عن تقديم خدماتٍ حاسمة للصليبيين نكاية في خصومه المحليين.

من أبرز تلك المواقف الصادمة، ما حدث مع توجه بغدوين أمير الرها الصليبي ليسيطر على مملكة بيت المقدس التي فقدت ملكها كندفري للتوِّ. كان بغدوين مقاتلًا شرسًا، وكان القضاء عليه يجعل مستقبل الصليبيين في مهب الريح. كانت مملكة بيت المقدس قد اصطدمت في الشهور السابقة بدمشق، وجرت مناوشات عديدة بين عسكر دمشق، والقوات الصليبية التي انشغلت بالإغارة على بساتين دمشق وجوارها.

مصدر الصورة

أراد ملك دمشق دقاق أن ينتقم من الصليبيين ويستعيد هيبته المترنِّحة أمام شعبه بضربة موجعة تفرض هيبته بين أمراء الشام، فأعدَّ كمينًا محكمًا لبغدوين في الطريق إلى القدس ليقضي عليه، لاسيَّما وقد علم أن بصحبة الصليبي 500 فارس فحسب. أعدَّ دقاق سبعة أضعاف ما يملكه خصمه من قوات، وركَّز جنده في منطقة ضيقة من الطريق قرب بيروت. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان. تجنَّب بغدوين منطقة الكمين في اللحظات الأخيرة، وعبر إلى فلسطين دون خدش!

كان خصم دُقاق المتغلب على طرابلس، القاضي ابن عمار، هو كلمة السر فيما وقع. فقد خشي إن تمكَّن خصمه من تحقيق ذلك الانتصار المؤثر أن يفرض نفسه حاميًا للإسلام وللأمة، ويطمع في طرابلس. فراسل ابن عمار القائدَ الصليبي وأنذره بما يعده له الدمشقيون، وعقد أواصر الصداقة معه.

ولا عجب أن آل مثل ذلك التنافس العجيب – الذي لا نبالغ في وصفه بالصبياني والإجرامي في آن – إلى انتعاش الوجود الصليبي مجدَّدًا، فقد لملم بغدوين شتات مملكة بيت المقدس، ثم ما لبث صنجيل أن عاد بجيشٍ صليبي جديد نحو الشام بعد أشهر. ورغم الهزائم الثقيلة التي تعرض لها جيش صنجيل على يد الأتراك في طريقه عبر الأناضول، فإنه نجح في الوصول إلى الشام بصحبة 300 من أشرس فرسانه، واتجه نحو طرابلس، لتحدث واقعة نادرة في تاريخ الحملات الصليبية.

300 صليبي ينتصرون!

عام 495هـ = 1102م، وعلى طريقة كرة القدم، عندما يضيع فريقٌ ما فرصة سانحة لإحراز هدف، فيقوم الخصم بهجمة مرتدة بعدها، ويحرز هو الهدف، حدثت موقعة غريبة وفاصلة في تاريخ طرابلس والاحتلال الصليبي المتربِّص بها.

لم يكن هذا هو الاستهداف الصليبي الأول لطرابلس، فقبل أعوامٍ ثلاثة، وفي طريقهم نحو بيت المقدس، حاصر الصليبيون حصن عرقة الحيوي في منطقة طرابلس، لكن المدافعين عنه صمدوا لثلاثة أشهر، حتى اضطر الصليبيون لرفع الحصار لكيلا يتأخروا عن مباغتة هدفهم الأهم، بيت المقدس.

ما إن ظهر صنجيل على أعتاب طرابلس مثخنًا بعد رحلته القاسية في آسيا الصغرى، حتى راسل ابن عمار ملكيْ دمشق – خصمه دقاق – وحمص، للانقضاض على صنجيل بشكلٍ متزامن والقضاء عليه. وبالفعل أعدَّ الأمراء المتحالفون آلاف الجند والفرسان لسحق صنجيل ومن معه.

اضطر صنجيل إلى تقسيم قواته. 100 فارس لمواجهة الدمشقيين، و100 للطرابلسيين، و50 للحمصيين، و50 تحت قيادته المباشرة لدعم أي من الأقسام الثلاثة. لم تكد المعركة تبدأ، حتى وقع انهيارٌ غير مفهوم اخترق صفوف جيوش المسلمين الكثيفة، فانسحب جيشا دمشق وحمص فورًا قبل أن يقع قتالُ مؤثر.

استغلَّ صنجيل الفرصة السانحة، وانقض بقواتِه جمعاء على الطرابلسيين الذين أذهلتهم المفاجأة ومرارة الخيانة، فركب الصليبيون أكتافَهم، وقتلوا الآلاف منهم، وفرَّ ابن عمار بالبقية بأعجوبة خلف أسوار طرابلس. وبدا أن دُقاق قد ردَّ لابن عمار الصاع صاعيْن على حساب طرابلس وأهلها، وشرف الشرق الإسلامي برُمَّتِه.

أراد صنجيل أن يستثمر في نصرِه العريض المفاجئ، فشرع في حصار طرابلس فورًا، لكن النقص العددي لم يسمح له بمهاجمة أسوارها الحصينة بفاعلية، رغم انضمام المئات من نصارى الشام المحليين لقواته المنتصرة، فعدل عن حصار طرابلس وتوجَّه للاستيلاء على بعض المناطق المهمة المحيطة بطرابلس مثل أنطرسوس، ومواقع مهمة في وسط الشام كحصن الأكراد، وبعض القرى المحيطة بحمص.

ثم عاد صنجيل للتضييق على طرابلس من خلال إنشاء حصنٍ بموازاة المدينة، عُرف فيما بعد بقلعة صنجيل، يسيطر على الطرق والمُقتَرَبات الحيوية للمدينة. ليتحكم في دخول وخروج كل شيءٍ إليها ومنها، خطوةً أولى في سبيل إضعافها للسيطرة عليها.

حصار طرابلس

خضعَ ثغر طرابلس الحصين لحصارٍ طويل المدى يتناسبُ مع النقص العددي النسبي الذي يعاني منه الصليبيون، والذي يحول دون فرض تطويقٍ شامل على المدينة حتى تتضوَّرَ جوعًا فتستسلم في وقتٍ وجيز. وأصبحت قلعة صنجيل شوكةً في حلق المدينة المحاصَرة، وكثيرًا ما اضطر ابن عمار وأعيان طرابلس لدفع إتاواتٍ باهظة للصليبيين مقابل السماح بعبور بعض القوافل منها وإليها.

عام 497هـ = 1104م، وصل إلى ميناء اللاذقية المحتل أسطول صليبي كبير يحمل مؤنًا ومقاتلين قادمين من أوروبا للمشاركة في حصار طرابلس. اشتبك الوافدون الجدد مع حامية طرابلس لأيام، فلما استعصت عليهم، تركوها وحاصروا مدينة جبيل القريبة، حتى اضطروا حاميتها وسكانها لطلب الأمان مقابل تسليم المدينة. لكن بمجرد أن تمكَّن الصليبيون منها، نقضوا العهد، وأعملوا القتل والنهب والسبيْ في سكانها.

وفي العام نفسه، تمكَّن بغدوين ملك القدس، بالتعاون مع أسطول جنوة، من السيطرة على ميناء عكا الحيوي. وتعزَّز موقف الصليبيين جنوبي الشام أكثر فأكثر، لاسيَّما بعدما هزموا المصريين في العام التالي هزيمةً نكراء قرب عسقلان.

مصدر الصورة

في العام التالي، استنجد فخر الدين ابن عمار بالأمير التركي، سقمان بن أرتق، لفك الطوقِ عن طرابلس، فحشد سقمان الآلاف من الفرسان، لكنه مرض وتوفِّي في الطريق من العراق إلى الشام، ولم تُستَكمَل المهمة.

كذلك فشلت حملة عسكرية لفك حصار طرابلس قادها الملك رضوان أمير حلب؛ إذ اصطدم بجيش إمارة أنطاكية الصليبية الذي أنزل بجيش حلب هزيمة فادحة. وفي نهاية العام، هزم صليبيو بيت المقدس جيشًا مصريًّا كبيرًا – بقيادة ابن الوزير الفاطمي الأفضل بن بدر الجمالي – قرب عسقلان جنوبي فلسطين، كان الطرابلسيون وسواهم في الشام قد استبشروا به لإحداث الفارق في المشهد.

بالتوازي مع محاولات استنهاض أمراء المسلمين لدعم طرابلس عسكريًّا، تفاوض ابن عمار مع الأمير الصليبي صنجيل؛ ليسمح بعبور بعض القوافل التجارية والمسافرين إلى طرابلس، مقابل الإتاوة المالية، ومقابل توقف الطرابلسيين عن الإغارة على الحصن. وقد أعان ابن عمار على إقناع صنجيل بنتائج تلك المفاوضات غارةٌ جريئة قام بها قبل عدة أشهر، مع المئات من حامية طرابلس ومحاربيها، حيث تمكنوا من أخذ الصليبيين على غِرة، وإحراق أجزاءٍ من قلعة صنجيل.

بعد هذا الاتفاق بقليل، توفي صنجيل فجأة، لكن حصار طرابلس لم ينكسر؛ إذ واصل أحد أقاربه المتحمسين، واسمه الكونت دو سرداني، قيادة الحصار، فشدَّد الخناق على طرابلس، وتحلَّل تدريجيًّا من الاتفاقات التي سبق لصنجيل وابن عمار إبرامُها لتخفيف حصار المدينة. فأخذت الأسعار ترتفع بجنون في طرابلس، واختفت العديد من السلع الحيوية، وبدأ الكثير من سكان طرابلس في مغادرتها إلى مدنٍ أفضل حالًا مثل دمشق، أو صور، أو حلب.

استنجد ابن عمار عام 500هـ = 1107م بالسلطان السلجوقي محمد بن مَلِكشاه، ليرسل حملة عسكرية لفك حصار طرابلس، لكن تنازع الأمراء الأتراك وخلافاتهم البينية أفسدت تلك الحملة، ولم تصل إلى طرابلس أبدًا.

تاريخ

منذ 6 شهور
الفاطميون والحملة الصليبية الأولى.. عدو عدوي ليس دائمًا صديقي!

في العام التالي 501هـ = 1108م، وبعد أن يئس من المراسلات مع السلطان في بغداد، خرج ابن عمار بنفسه من طرابلس في موكب كبير يحمل الكثير من التحف والهدايا الثمينة الباقية في المدينة المحاصرة، ليتوجه أولًا إلى دمشق، حيث استقبله أميرها آنذاك ظهير الدين طغتكين، وأرسل معه ابنه بوري، ليصاحبه إلى بغداد، حيث يعطي نفائس طرابلس للسلطان محمد بن ملِكشاه، ويناشده وجهًا لوجه لفعل ما يلزم لفك حصار طرابلس.

دامت سفارة ابن عمار شهورًا، حصل فيها على الكثير من الموائد العامرة، والكلام المعسول، والوعود العريضة، وعلى حملةٍ عسكرية كبيرة، توجهت أولًا إلى القضاء على تمردٍ في الموصل على أن تتوجه بعدها إلى طرابلس، لكن بالطبع لم تصل الحملة أبدًا إلى طرابلس.

وعاد ابن عمار إلى دمشق، وقبل أن يعود منها إلى طرابلس، بلغته الأنباء الصاعقة بأنَّ أعيان طرابلس قد خافوا من غيبته الطويلة، فراسلوا الوزير الفاطمي الأفضل بن بدر الجمالي في مصر لكي يرسل واليًا وأسطولًا ليتسلم طرابلس ويتولَّى أمر الدفاع عنها. اعتقل الوالي الفاطمي أنصار ابن عمار في طرابلس، وصادر أمواله وأرسلها إلى القاهرة.

ضاق الخناق عام 502هـ على طرابلس أكثر فأكثر مع سقوط حصن عرقة القريب منها في قبضة الصليبيين، الذين وصلهم المئات من المقاتلين نجدةً من أوروبا، وأكثرهم من جَنَوَة الإيطالية، في أكثر من 60 مركبًا، بقيادة ريموند بن صنجيل، والذي وقعت بعض المشادات بينه وبين السرداني، الذي قُتل فجأة في شجارٍ مريب مع أحد الفرسان الصليبيين. كذلك انضم إلى قوات حصار طرابلس المئات من فرسان الصليبيين من إمارة أنطاكية، ومن مملكة بيت المقدس.

سقوط طرابلس.. المذبحة

«وبعدَ ألفيْ يومٍ من المقاومة، خُرِّبت مدينة المصوغات والمكتبات والبحارة البواسل والقضاة المثقَّفين على يد محاربي الغرب، ونُهبت مئة ألف مجلد كانت في دار العلم، ثم أُحرقَت، لكي تُمحى الكتب المُلحدة من الوجود». *أمين معلوف، من كتاب «الحروب الصليبية كما رآها العرب»

منذ شهر شعبان 502 هـ، ومع توفر العدد الكافي من قوات الحصار الصليبي، بدأت الهجمات النهائية  الشاملة لإسقاط المدينة؛ إذ أنشأ الصليبيون آلات الحصار، لاسيما الأبراج الضخمة، وهاجموا بها أسوار المدينة الحصينة أكثر من مرة، حتى أنهكوا الحامية التي أفناها الحصار الطويل، وتأخر وصول الأسطول الفاطمي بالإمدادات.

وهكذا بحلول عيد الأضحى في ذلك العام، تمكَّن الصليبيون من اقتحام طرابلس بعد أكثر من ست سنواتٍ من الحصار، فاستباحوا المدينة، ونهبوها، وأحرقوا الكثير من دورها ومساجدها، وقتلوا المئات من أهلها، وسبوْا الآلاف من النساء والأطفال، ولم تسلمْ مكتبتها الكبيرة من الخراب والإحراق والنهب. أما الأسطول المصري فللمفارقة، سيصل إلى بحر طرابلس بعد أسبوعٍ من سقوطها، فيتركها ويتوجَّه إلى مدينة صور القريبة لدعم دفاعاتها.

حصار طرابلس والغزو الصليبي

تقاسم الصليبيون ما كان في طرابلس، فكان الثلث لمقاتلي جنوة الإيطالية، والباقي لريموند بن صنجيل، الذي كافأ صليبيي بيت المقدس ببعض الغنائم لمشاركتهم في الهجوم الأخير على المدينة. وهكذا نشأ في طرابلس ما بات يُعرف بإمارة أو كونتية طرابلس الصليبية.

سيمتدُّ عمر كونتية طرابلس الصليبية لما يقارب 180 عامًا، رغم العواصف المتتالية، التي كان أبرزها المد الجهادي الذي صاحب تمكن سلطنة صلاح الدين الأيوبي في مصر والشام، لاسيَّما مع الهزيمة المذلة للصليبيين في موقعة حطين الفاصلة عام 583هـ = 1187م.

لكن مع الصحوة العسكرية الإسلامية بظهور الفرسان المماليك في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي = السابع الهجري، وتثبيت هؤلاء لسلطانهم على مصر والشام، بدأ العد التنازلي لانتهاء كونتية طرابلس وسواها من الجيوب الصليبية في الشام، لاسيَّما بعد سلسلة الانتصارات الكاسحة التي حققها السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، بقضائه على إمارة أنطاكية الصليبية، والاستيلاء على العديد من الحصون المحورية في منظومة الدفاع الصليبي، مثل حصن الأكراد وقلعة صفد.

بعد وفاة الظاهر بيبرس، سيصبح ما بقي من الوجود الصليبي في الشام كالثمرة الناضجة التي تنتظر أن تقطفها جيوش خلفِه المنصور قلاوون، والذي سينجح عام 1289م في تحرير طرابلس بعد حصار شديد، ولكن لهذا قصة أخرى.

المصادر

تحميل المزيد