قبل ساعاتٍ قليلة من انطلاق جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وفيما كان مرشح الوسط «إيمانويل ماكرون» يخلد إلى النوم مطمئنًا إلى نتائج استطلاعات الرأي التي تعطيه تقدمًا مريحًا على مرشحة اليمين المتطرف «مارين لوبان»، تلقى ماكرون من مسؤولي حملته خبرًا صادمًا: شبح الانتخابات الأمريكية «ترامب Vs هيلاري كلينتون» يرفرف في أجواء باريس.

نتحدث هنا عما اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي من أنباءٍ تتحدّث عن «عملية قرصنة ضخمة ومنسَّقة» تعرضت لها حملة ماكرون، نشرت على إثرها معلوماتٍ تتعلَّق بالحملة: رسائل بريد إلكتروني وحساباتٍ مالية.

أوضحت حركة «إلى الأمام» التي ينتمي إليها ماكرون في بيانٍ لها أنّ «الوثائق المتداولة تمّ الحصول عليها قبل أسابيع عدة، من خلال قرصنة حسابات بريد إلكتروني شخصية ومهنية تعود إلى العديد من مسؤولي الحركة»، مضيفة أنّ كل تلك الوثائق «قانونية».

أعاد هذا إلى الأذهان سيناريو الانتخابات الرئاسية الأمريكية قبل شهور، حين لعبت التسريبات الإلكترونية التي تعرضت لها حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون دورًا كبيرًا في فقدانها فرصة الوصول إلى البيت الأبيض، لصالح مرشح الحزب الجمهوري «دونالد ترامب».

جرافيتي يمثل قوة العلاقة بين ترامب وبوتين

وكما في الحالة الأمريكية، فقد توجّهت أصابع الاتهام إلى السلطات الروسية، والتي صار يُنظر إليها تلقائيًّا كمتهم أول في كل حوادث القرصنة الإلكترونية المشابهة، وتتعالى الأصوات التي تتهمها بمحاولة التأثير على كل انتخابات أوروبية لـ«أغراضٍ خبيثة»، لاسيما إذا كان من ضمن المتنافسين أحد «حلفائها» من أحزاب اليمين المتطرف.

فما هي قصة روسيا مع الانتخابات الأوروبية؟ وما هي أصل الحكايات الخفية التي تتهمها بدعم اليمين المتطرف في القارة العجوز؟

تقسيم ليبيا وقطر وكوريا الشمالية.. أبرز ما جاء في تسريبات رسائل هيلاري كلينتون

«أصدقاء بوتين» في فرنسا

نهاية 2016، وفي أعقاب أزمة دبلوماسية أدت إلى إلغاء زيارة مقررة للرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» إلى فرنسا، وفِيما نُظرَ إليه كمحاولة من بوتين لاسترجاع بعض كبريائه المجروح، وإبداء ازدرائه لقادة فرنسا الذين اضطروه إلى إلغاء الزيارة، صرّح بوتين بلهجة ملأتها السخرية «لا يمكن أن نأخذ بجدية دولة تُعلن نفسها كقوة عُظمى، فيما هي تنتهج سياساتٍ غير مستقلة»، وزاد بوتين من الشعر بيتًا فأعلن أنه «فخور بالعلاقات الجيدة التي تجمعه بالشعب، وبمجتمع الأعمال الفرنسيين».

لامست تلك التصريحات أوتارًا حساسة في السياسة الفرنسية؛ فـ«لا استقلالية» فرنسا التي أشار إليها بوتين ملمِّحًا بالموقف الفرنسي الأقرب لواشنطن حيال القضية السورية والأوكرانية، إذ تنتهج باريس موقفًا متشددًا معارضًا لبقاء الأسد في السلطة وتتماهى مع الموقف الأوروبي المعادي لروسيا والمتشدد في مسألة العقوبات عليها بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم.

أما «العلاقات الجيدة» التي تحدّث عنها، فلم تكن تعني بالنسبة للكثيرين، إلا تكرارًا لما أضحى معروفًا عن علاقاتٍ مشبوهة تجمع أحزاب اليمين في فرنسا – وأوروبا قاطبة – بالقادة الروس، وهو ما رآه البعض خروجًا عن التقاليد الدبلوماسية الشكلية التي يتفادى بها القادة الحديث في العلن عن تدخلهم في شؤون الدول الأخرى.

أبرز أصدقاء  بوتين في الساحة السياسية الفرنسية هي زعيمة الجبهة  الوطنية – اليمين المتطرف –  «مارين لوبان» التي نجحت في الوصول إلى مرحلة الإعادة على مقعد الرئاسة مع مرشح الوسط «إيمانويل ماكرون».

صحافية تحمل لافتة معبرة عن العلاقة بين كلٍ من بوتين وماري لوبان

تبدو لوبان حليفًا قويًا لبوتين؛ فهي التي أكدت من قبل أنها «معجبة» بالرئيس الروسي، وبمقاومته «للحرب الباردة الجديدة» التي يريد أن يفرضها الغرب عليه، وأبدت رفضها للعقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو بعد ضم شبه جزيرة القرم، كما أنها لم تتحرج من زيارة موسكو للقاء الرئيس الروسي  قبل أسابيع فقط من انطلاق سباق الرئاسة التي تخوضه في بلادها.

وكان حزب الجبهة الوطنية بقيادة لوبان قد أثار الكثير من الجدل عام 2014 حين اعترف بتلقّيه قرضًا من بنكٍ روسيّ بقيمة نحو 9 ملايين يورو، وتحجّجت لوبان حينها بأن «البنوك الفرنسية ترفض إقراضها» ومن ثم فإنه لم يكن أمامها إلا التوجه للبنوك الأجنبية للحصول على التمويل اللازم.

اقرأ أيضًا: لوبان في الكرملين: هل تكرر روسيا في فرنسا ما فعلته مع ترامب؟

«الأخطبوط الروسي» يمد أذرعه في أرجاء أوروبا

كما لاحظ مركز أبحاث «بوليتيكال كابيتال» في دراسةٍ له عام 2009، فقد كانت بلدان شرق أوروبا هي الساحة الأولى لمحاولة العودة الروسية إلى مد النفوذ في أوروبا، لنذهب إلى بلغاريا  مثًلا، جرب استخدام محرك البحث «جوجل» وستجد مئات الروابط التي تؤكد النفوذ الروسي  المتنامي في البلد الصغير الواقع جنوبي شرقي القارة العجوز.

نتحدث هنا بشكلٍ خاص عن حزب «أتاكا»؛ فهو يتمتع بروابط اقتصادية وسياسية متينة مع الكرملين، حتى أن مناصريه قد بلغ بهم الحماس أن نظموا مظاهرات منددة بإسقاط الطائرة الروسية فوق الأجواء التركية عام 2015، كما أن ربع البلغاريين صاروا يرغبون في الانضمام لـ«الاتحاد الأوراسي» الذي يأمل  فيه الروس.

وكانت أصداء هذا النفوذ الروسي قد دفعت الرئيس البلغاري أواخر العام الماضي إلى الخروج عن صمته؛ فاتّهم روسيا صراحة بأنها تحاول «تفتيت الاتحاد الأوروبي».

ويبدو أن الجهود الروسية قد أتت أُكلها؛ ففي الانتخابات التي أُجريت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وصل إلى سُدّة الرئاسة في البلاد المعارض الروسي «رومان باديف»، كان باديف قائدًا سابقًا للقوات الجوية، وهو حديث العهد بالسياسة، معادٍ للهجرة، وقد نُظر إلى انتخابه على كونه دليلًا على سأم البلغاريين من عضوية بلادهم  في الاتحاد الأوروبي، وخلال حملته الانتخابية أبدى باديف رغبته في توسيع العلاقات مع روسيا بوتين، وتوسيع التعاون مع موسكو في شتى المجالات.

اقرأ أيضًا: مترجم: كيف اخترقت روسيا النظام السياسي الأمريكي؟

الأمر نفسه يتكرر في سلوفاكيا، حيث الحزب القومي السلوفاكي، الذي يتخذ مواقف قريبة من الخط الروسي، كما حدث حين عارض الإطاحة بالرئيس الأوكراني المقرّب من موسكو، وكما عبّر أحد نوّاب الحزب في تصريحاتٍ لوكالة سبوتنيك الروسي: «لقد انكسر التابوه في سلوفاكيا، الناس صاروا يتحدثون علنًا عن استيائهم من الناتو ودعمهم لروسيا، أرى هذا تغييرًا جوهريًا،  ولسوف يستمرّ».

بوتين في قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي

لدى بوتين كذلك أصدقاؤه المخلصون في المجر، حزب اليمين الشعبوي «جوبيك»، والذي لا يمانع في وصف نفسه بـ «اليمين الأصولي»الذي حصد خُمس أصوات الناخبين في انتخابات عام 2014، ليصبح القوة الثالثة في البلاد، وتكشف دراسة مطولة أعدها مركز «بوليتيكال كابيتال» بالتعاون مع «معهد التنمية الاجتماعية» عن الصلات الوثيقة للكرملين بأحزاب أقصى اليمين في المجر، وفي مقدمتها «جوبيك».

وبحسب الدراسة، التي صدرت عام 2015 في نحو 50 صفحة، فإن الحزب تبنّى مواقف قريبة للغاية من السياسات الروسية، سيما في المسألة الأوكرانية، وتشير إلى الصلات المشبوهة بين الروس والسياسي المجري وعضو البرلمان الأوروبي «بيلا كوفاكس» – والذي لعب دورًا هامًا في تمويل حزب جوبيك – إلى حدّ اتهام الرجل بأنه «جاسوس روسي».

ويبدو أن نفوذ بوتين في المجر، وعُمق التأثير الروسي علي السياسة والإعلام في البلاد قد جعل البعض ينظر لها بوصفها «محمية روسية»، وقد يكون من المهم هنا الإشارة إلى أن رئيس الوزراء المجري قد أبدى اعتراضه أكثر من مرة على العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا، معتبرًا أنها قد جرت على بلاده الكثير من الخسائر.

لنذهب إلى اليونان في أقصى جنوب أوروبا؛ حيث يتمتّع بوتين ذلك بأصدقاء أوفياء في حزب «الفجر الذهبي» يتحمّسون لدعوته لزيارة بلادهم، ويعربونَ دومًا عن آمالهم في أن تزيد فرص التعاون بين الشعبين الروسي واليوناني اللذين يتشاركان في «العقيدة الأرثوذكسية».

يمكنُ بسهولةٍ إذن تخمين توجُّه «الفجر الذهبي»، فهو كغيره من الأقران الأوروبيين أصدقاء بوتين، حزب أقرب للنازية، شارك أعضاؤه في عشرات الجرائم ضد الأجانب واليساريين اليونانيين؛ ما دفع الحكومة إلى محاكمة بعض منتسبيه. وتشير الإحصاءات إلى تصاعد شعبية موسكو  بين اليونانيين، في مقابل خفوت الحماس للاتحاد الأوروبي، وهو فيما يبدو دليل إضافي على أن جهود أصدقاء بوتين في اليونان قد بدأت تؤتي بعض أكلها.

بريطانيا كذلك كان لها من التدخُّل الروسي نصيب، إذ دارت اتهامات عن تدخل روسي محتمل في محاولة للتأثيرعلى استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي منتصف العام الماضي، الأمر الذي استدعى تدخُّل بوتين شخصيًا لإنكار ذلك الاتهام.

كما رصد البعض حماس موسكو اللافت لانتخاب «جيرمي كوربن» زعيمًا لحزب العمال في البلاد، إذ أفردت له محطة «روسيا اليوم» تغطيةً إخبارية موسَّعة إبان فترة الدعاية، بل ألمح السفير الروسي إلى ارتياحه لانتخاب كوربن، معتبرًا تلك الخطوة «تغييرًا جذريًا»، مشيدًا بمواقف الأخير الرافضة للتدخلات الغربية والداعية إلى وقف سباق التسلح النووي.

تطول القائمة السابقة لتمدّ أذرعها كالأخطبوط في كل أرجاء أوروبا، حزب الحرية النمساوي، حزب الحريات الهولندي، حزب الشعب الدنماركي، وهي الأحزاب التي تمكنت من حصد مكاسب انتخابية ملحوظة مؤخرًا، وتتمتع بعلاقاتٍ وثيقة مع الحكومة الروسية.

«حصان طروادة» الذي سيدمّر الاتحاد الأوروبي

لدي الروس إرثٌ ثقيل من التدخُّل في الشؤون الداخلية لدول الجوار الأوروبي، فإبّان الحقبة السوفيتية لم تدخر الاستخبارات السوفيتية «KGB» جهدًا في مسألة  تدريب وتمويل الأحزاب الشيوعية، التي صارت تابعة لموسكو بالضرورة، وقد أدت «انتعاشة» الاقتصاد الروسي في سنوات بوتين – بعد سنواتٍ من الركود – إلى النظر إلى إعادة إحياء الطموحات الإمبريالية الروسية بوصفها ليست أحلامًا مستحيلة تمامًا.

اقرأ أيضًا: «تسريبات ترامب»..جدران أمريكا تتهاوى أمام روسيا

وإن تكن الشيوعية قد دُفنت تمامًا في روسيا نفسها، فقد أصبحت السياسة البوتينية الموصوفة بـ«الأيديولوجية المحافظة الجديدة – ما بعد الشيوعية Post-communist neo-conservatism» مصدرًا ممكنًا لإلهامٍ بديل، لاسيما لتيارات أقصى اليمين التي باتت ترى في بوتين رمزًا للقائد القوي الذي تفتقده أوروبا.

تلك التيارات التي لم تعد تترك مناسبة، إلا وتكرر معاداتها للمؤسسات السياسية القائمة وسياسات الاندماج الأوروبية، صارت في كثيرٍ من مواقفها أقرب إلى التطابق مع الحلم الروسي الذي يُنادي بـ«اتحاد أوراسي» يحفظ للدول استقلالًا حقيقيًا، ويتجاوز «القيود غير المبررة» التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.

ثمّة من يرى إذن أن بوتين يستخدم أحزاب اليمين الأوروبي كـ«حصان طروادة»، إذ يسعى عبر دعم تلك الأحزاب – ماديًا وسياسيًا وإعلاميًا – إلى نشر أيديولوجيتها الانعزالية التي ستؤول في النهاية إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي وتصدّعه.

يشير مصطلح «الحرب الهجينة Hybrid War» إلى ذلك النوع من الصراعات الذي تدمج فيه المواجهات العسكرية التقليدية مع الحرب غير النظامية والحرب السيبرانية، ثمة من يرى أن الروس باتوا خير من يطبق تلك الاستراتيجيات في عالم اليوم، يدفعون بقواتهم العسكرية للقتال في سوريا وأوكرانيا، ويدعمون حلفاءهم في الداخل الأوروبي للسير بالاتحاد الأوروبي نحو التفكك والانعزال.

فهل ينجح بوتين؟!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد