في الملحمة الشعرية المعروفة بالإلياذة، والتي تعد بجانب الأوديسة من أهم الملاحم الشعرية والأعمال الأدبية في تاريخ أوروبا، حكى الشاعر الإغريقي هوميروس الأسابيع الأخيرة في حرب طروادة، حين واجه اليونانيون مجتمعين مدينة طروادة. تلك الحرب التي شارك فيها أشهر أبطال ذلك العصر، وتدخلت فيها الآلهة بعد أن انقسمت لفريقين، واستخدمت فيها حيلة الحصان الشهيرة التي عرفها العالم فيما بعد باسم حصان طروادة، لكن ما هي قصة طروادة؟ ولماذا اتحدت ضدها اليونان؟ بل الأهم هل حدثت حرب طروادة فعلًا؟

حين تسببت مسابقة جمال في دق أجراس الحرب!

بدأت قصة حرب طروادة في المصادر القديمة عندما حدثت مسابقة جمال بين أفروديت إلهة الحب والجمال، وأثينا إلهة الحكمة والحرب، وهيرا ملكة الأوليمب وزوجة زيوس كبير الآلهة. كان التنافس بينهن على تفاحة ذهبية صنعت من أجل أجمل إلهة، وكان من المفترض أن يكون الحكم هو زيوس حاكم الأوليمب الأعظم وإله السماء. إلا أن زيوس قرر أنه لن يختار بينهن، فاختياره قد يشعل الفتنة، فقرر أن يلقي بعبء هذا الاختيار على بشري فانٍ، كان هذا البشري هو باريس أمير طروادة.

لوحة تروي مشهد اختيار الرسام زيوكسيس لإحدى الفتيات لتكون موديل خلال رسمه صورة هيلين لمعبد هيرا، صقلية.

في ذلك الوقت كان باريس يرعى أغنام والده الملك بريام، وكان عرف عنه أنه اكتسب من الحكمة ما يجعله قادرًا على اتخاذ القرارات دون الخضوع لأي تأثيرات أو مغريات. لذلك وقع اختيار زيوس عليه، وبدأ ما يعرف باسم «حكم باريس».

حاولت إلهات الأوليمب التأثير على باريس، فعرضت هيرا عليه أن تمكنه من حكم آسيا، وعرضت عليه أثينا أن ينتصر في كل معاركه ويكتسب الحكمة المطلقة، بينما عرضت عليه أفروديت أن تجعل أجمل امرأة في ذلك الوقت تقع في غرامه، وهذه المرأة كانت هيلين ملكة طروادة.

أعطى باريس التفاحة الذهبية لأفروديت، التي أوفت بوعدها له، وبالفعل رتبت عملية اختطاف هيلين ملكة طروادة إحدى بنات زيوس، والتي كانت متزوجة من ملك طروادة في ذلك الوقت مينيلاوس.

بالطبع نجحت الخطة التي رسمتها أفروديت واستطاع باريس الظفر بهيلين؛ الأمر الذي جعل زوجها مينيلاوس يقنع أخيه أجاممنون ملك موكيناي أن ينضم له في استرداد زوجته من أمير طروادة، باريس. كانت هذه فرصة لا ترفض بالنسبة لأجاممنون الذي أراد أن يبسط نفوذه وسيطرته أكثر وأكثر، لذلك وافق على مساعدة أخيه وجمع أبطال اليونان المشاهير في ذلك الوقت: أخيل، أوديسيوس، نيستور وأجاكس.

انطلقت ألف سفينة من أجل وجه هيلين، وأخبرت النبوءة أخبرت أن حرب طروادة ستستمر 10 سنوات، وتخبر المصادر أن الأسطول الإغريقي هاجم المملكة الخطأ في البداية؛ مما كلفه حربًا لم تكن في الحسبان، استمرت لسنوات، وبعد أن انتهت احتاج الإغريق لسنوات حتى يجري تجهيز الأسطول مرة أخرى، إلا أن هذه المرة قام أجاممنون بالتضحية بابنته للآلهة حتى لا تتحول السنوات العشر إلى 20 سنة، وهو ما قد حدث لتكون حرب طروادة الفعلية في السنة المتممة للعشر سنوات. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المصادر تتجاهل هذا الجزء وتعتبر أن الحصار الذي فرض على طروادة استمر 10 سنوات.

في الأسابيع الأخيرة من هذه الحملة العسكرية، بدأت إلياذة هوميروس، ولابد عن توضيح نقطة مهمة وهي أن هوميروس في ملحمته الشعرية لم يكن مهتمًا بتوثيق الحرب القائمة، بل بالمشاعر البشرية والأحداث والتفاعلات بين أبطال هذه الحرب، فأول كلمة في الإلياذة هي «الغضب»، غضب أخيل.

فقد حكى كيف أن أخيل والذي من المفترض أنه أشهر الأبطال المنضمين لهذه الحرب، نصف الإله الخالد – ما عدا كعبه – وابن زيوس، شعر بأنه لا يلقى ما يستحق من تقدير واحترام من اليونانيين، فدعا آلهة الأوليمب أن تجعل الجيش اليوناني يندم على قلة احترامه له.

Embed from Getty Images

أما على جانب طروادة، فركز هوميروس على العلاقات بين أبطال المدينة، مشاعرهم وأفعالهم. باريس كان يرغب في أن يصبح بطلًا، يدافع عن حبه لهيلين ويقف أمام زوجها وأمام الألف سفينة التي عبرت بحر أيجة، لكنه كان يفتقر للشجاعة الكافية التي تجعله ينفذ ذلك. أما أخوه الأكبر هيكتور فقد كان يحب زوجته وابنه، لكنه كان يشعر بواجب أن يدافع عن أخيه الصغير وعن مدينته – طروادة – ضد اليونانيين.

كذلك ظهرت إلهة الأوليمب وكأنها تمتلك مشاعر بشرية، فقد شعرت بالغيرة والغضب، وخططت المكائد وتدخلت في الحرب، لتظهر الإلياذة الجميع، آلهة كانوا أو بشر بعيوب وأخطاء وأيضًا مستحقون للتعاطف!

عودة للحرب القائمة، قرر أخيل ترك المعركة بسبب قلة التقدير والاحترام، ودعا أخيل زيوس أن يجعل الإغريق يندمون على ذلك، وبالفعل تدخل زيوس لصالح طروادة وأرسل عاصفة أوقفت تقدم الجيش اليوناني.

بدأت الآلهة تتدخل إله تلو الأخر، فقد شعر بوسيدون إله البحر بالغيرة من أخيه زيوس فأعطى أجاكس قوة خارقة جعلته يقتحم صفوف جيش طروادة ويقتل منهم الكثير. وهكذا؛ استمرت التدخلات الإلهية حتى قرر زيوس أنه لابد عن التوقف عن التدخل في حرب بين البشر.

في ذلك الوقت نجح هيكتور بالتقدم بجيش طروادة وتحقيق انتصارات ساحقة كادت تتوج بحرقه لسفن الإغريق، في هذا الوقت توسل ملوك اليونان لأخيل أن يعود للمعركة ليميل الكفة لصالحهم، لكن أخيل رفض، فاقترح صديقه المقرب ورفيقه في المعارك باتروكلس أن يرتدي درع أخيل ويتظاهر أنه عاد للمعركة مما سيعطي للجنود دفعة معنوية، إلا أن هيتكور وجد باتروكلس في المعركة وقتله، وهنا بدأ غضب أخيل الحقيقي.

بعد موت رفيقه جن جنون أخيل وقرر أن يصب انتقامه على هيكتور، فركب أخيل عربته الحربية واتجه إلى أسوار طروادة لمواجهة أميرها.

وهنا قرر هيكتور تجاهل تحذيرات الآلهة وأعلن أنه مستعد لمواجهة أخيل، وفي مشهد قتال أسطوري بين هيكتور وأخيل، كانت الغلبة لأخيل الذي طعن هيكتور في رقبته. لكن أخيل لم يكتف بذلك فأخذ جثة هيكتور معه رافضًا إعطاءها لأبيه ليدفنه بالطريقة الصحيحة. وقد ظلت جثة الأمير معه لأيام حتى وافق في النهاية على تركها، وكان باريس قد نصب فخًا لأخيل، فأطلق سهمًا مسممًا في كعبه، الجزء الوحيد في جسده غير الخالد، ليلقى أخيل حتفه هو الآخر.

File:Achilles dragging the body of Hector around Troy. Mezzotint after G. Hamilton, 1794 V0036090.jpg

استشرت الدماء وتساقط الأبطال واحد تلو الآخر، حتى أجاكس الذي كان قد حصل على قوة خارقة جن جنونه وانتحر بعد موت أخيل، فأدرك الإغريق أن الحرب لا فائدة منها، وأنه كي تسقط طروادة لابد عن الخديعة.

وعليه، بنى الإغريق حصان خشبي كبير، وفي داخل الحصان اختبأ أفضل محاربي اليونان بقيادة أوديسيوس الماكر، وأعلن اليونانيون أنهم قد انتهوا من حرب طروادة، وأنهم صنعوا هذا الحصان «هدية سلام» من أجل أهل طروادة، وبدأوأ بالفعل في التجهيز للرحيل.

انقسم مخيم طروادة بين من يريد قبول الهدية لتقديمها للآلهة وبين من يشك في أمرها، إلا أن بريام ملك طروادة قرر ألا يستمع لابنته ويستقبل الهدية ويدخلها إلى المدينة.

وفي الليل خرج الجنود الإغريق من الحصان وفتحوا أبواب المدينة لكامل الجيش ليدخلوا طروادة من أبوابها، ويقتلوا كل رجالها وأطفالها، ويستعبدوا نساءها، لتسقط طروادة في النهاية. أما بخصوص هيلين التي حرك وجهها ألف سفينة فقد كان زوجها مينيلاوس قد قرر أنه سيقطع رقبتها عندما يضع يده عليها؛ لكنه ضعف أمام عيونها وقرر أنه لن يقدر على إعدامها، فنفاها إلى جزيرة رودس.

هذه قصة حرب طروادة التي دارت بين اليونانيين وطروادة، الحرب التي يعتقد أنها حدثت في أواخر العصر البرونزي، وهو ما اعتبره الإغريق عصر الأبطال الذي كانت تمشي فيه الآلهة بين البشر، وتُحدِث المعجزات، وتقتل الوحوش، وتحكى الأساطير. لكن هل هذا يعني أن طروادة هي الأخرى أسطورة من الأساطير؟

حرب طروادة ما بين الحقيقة والخيال

في القرن التاسع عشر قام الباحث وعالم الآثار الألماني هاينريش شليمان والذي يعتبر – بالنسبة للبعض مؤسس علم الآثار الحديث وللبعض الآخر نصابًا ولصًا – بالكشف عن مكان مدينة طروادة التاريخية.

شليمان كان يعشق الحضارة الإغريقية، وفي مرحلة ما من حياته قرر تكريس جهوده ليجد المدينة الأسطورية المذكورة في إلياذة هوميروس. وبفضل علاقاته مع دبلوماسي إنجليزي مقيم بالإمراطورية العثمانية، نجح في التنقيب في منطقة هيسارليك الواقعة داخل إقليم جنق قلعة على الساحل الغربي لتركيا.

وقتها أعلن شليمان أنه عثر على تسع مدن بنت فوق بعضها البعض، وقد جرى تسمية هذه الطبقات الآأثرية باسم طروادة واحد وحتى طروادة تسعة، وأكد حينها شليمان أن طروادة اثنين هي طروادة المذكورة في الإلياذة.

إلا أن طروادة اثنين التي حددها شليمان يعود تاريخها إلى 2300 قبل الميلاد وذلك يسبق التاريخ المفترض لحروب طروادة بألف عام كاملة!

لكن فشل شليمان لم يوقف عمليات التنقيب والبحث، حيث تولى البروفيسور الألماني فيلهلم دوربفيلد الأمر. وعلى عكس شليمان أولى تركيزه إلى المدن الأكثر عمقًا، وقرر دوربفيلد التركيز على طروادة ستة، حيث استطاع الكشف عن آثار قلعة عالية، كانت تملك في يوم من الأيام أسوارًا شاهقة الارتفاع، وأبراج من الحجارة، وبيوت كبيرة تظهر كأنها بيوت نبلاء وعلية القوم، وكانت هذه الآثار تعود إلى الفترة مابين 1700 و1250 قبل الميلاد وهو ما كان يبدو ملائمًا للقصة.

لكن لم يظهر أن هذه المدينة قد جرى تدميرها بسبب غزو خارجي أو دخولها حرب، ولكن السبب كان زلزال. ومع هذه المعلومة بدأت بعض النظريات بالانتشار مفادها أن الحصان الشهير الذي كان سببًا في دمار المدينة، لم يكن سوى مجاز ويقصد به غضب الإله بوسيدون الذي كان في صف الإغريق وكان الحصان هو الحيوان المقدس المرتبط به.

أطلال ما يقال أنه مدينة طروادة، في منطقة هيسارليك في تركيا – مصدر الصورة: يوتيوب

استمرت هذه النظريات حتى ثلاثينات القرن العشرين، فتولى مهمة التنقيب في هيسارليك عالم آثار أمريكي يدعى كارل بليجين، الذي اهتم بطروادة سبعة، وقد اكتشف أن طروادة سبعة لم تكن مدينة جديدة، بل مدينة بنيت على أنقاض مدينة سبقتها – طروادة ستة – وقد آلت للانهيار بسبب حرب!

فالبيوت الواسعة التي كانت في يوم من الأيام ملكًا للنبلاء جرى تقسيمها وكأنها أصبحت ملاجئ، والأواني التي كانت تخزن الطعام جرى دفنها لتحفظ الطعام لوقت أطول، كذلك استطاع بليجين العثور على آثار حرائق ورؤوس أسهم من المحتمل أن تكون من صنع الإغريق.

في 1988 أعلن عالم الآثار مانفريد كورفمان أن كل من سبقه من علماء آثار لم يستكشفوا سوى جزء بسيط من طروادة الحقيقية، فبينما اهتم كل من سبق كورفمان بالبحث والتنقيب في منطقة القلعة، كورفمان قرر التركيز على المدينة التي كانت تحميها هذه القلعة، فاستطاع وفريقه الكشف عن مدينة كبيرة بها بيوت وجدران ونظام مائي تحت الأرض استخدمه أهل طروادة لألفي سنة.

ومثله مثل القلعة، تعرض هذا الجزء أيضًا للخراب، فوجدت الأدلة على وجود أضرار بسبب الحرائق، وجرى العثور على رؤوس أسهم مخترقة جدران المنازل، كما عُثر على هياكل عظمية لم تدفن وصخور متناثرة في شوارع المدينة ليرميها أهلها على الغزاة إذا حاولوا اختراق أسوار المدينة شاهقة الارتفاع.

لذلك أصبح من المرجح – وبشكل كبير – أن هذه المدينة التي أعلن عنها مانفريد كورفمان، لاقت حتفها بسبب الحرب في بدايات القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

وعلى الرغم من أن مشهد القتال الذي وصفه هوميروس ما بين أخيل وهومر ربما لم يكن حقيقيًا، وأن آلهة جبل الأوليمب لم تتدخل في حرب بين البشر، إلا أن وجود مدينة طروادة وفقًا لكل الأدلة أصبح مؤكدًا بشكل شبه يقيني، لذلك ربما حدثت بالفعل حرب بين الإغريق وأهل طروادة، لكن على الأغلب لم يكن وجه هيلين هو ما حرك الألف سفينة وأشعل حرب طروادة.

المصادر

تحميل المزيد