فكِّر في المرة الأخيرة التي نصحك بها أحدهم بأن تكون ببساطة «أنت»، هل تساءلت، ربما من منظور فلسفيٍّ أو أي منظور آخر، ماذا يعني ذلك؟ ماذا يعني أن تكون «أنت»؟ وهل «أنت» أمام الناس، هي الذات الحقيقية؟ أم التي زيفتها لنيل رضا الجميع؟

هناك ميلٌ وجوديٌّ يكمن في القدرة على أن نكون أنفسنا في وجود شخص آخر. يخبرنا المحلل النفسيُّ البريطاني، دونالد وينيكوت، في أشهر نظريَّاته بأنَّ هذه القدرة هي «أداة مهمَّة للحفاظ على الذات الحقيقية»، قدرتنا على البقاء وحدنا، دون الشعور بالوحدة، هي التي تمكننا من البقاء على ما يرام في مجتمعاتنا الحديثة التي تحثُّنا على ملء ذواتنا وتحديد هويَّاتنا بالاعتماد على الآخرين عوضًا عن الاتكاء على تجربتنا الشخصيَّة الداخليَّة.

كلٌّ منا يملك في داخله أطيافًا لشخصيَّات مختلفة تظهر في سياقات متغايرة، وتباعًا لمن يحيطنا من أشخاص، نحنُ مشغولون بإضفاء تغييرات طفيفة، أو عظيمة، على تعريفنا لأنفسنا وفقًا للبيئة المحيطة، قد نسعى أحيانًا لأن يكون هذا التعريف، البسيط ظاهريًّا، موافقًا للتوقعات المجتمعيَّة الملقاة على كاهلنا لدرجةٍ تجعل من نصيحة «كن أنت» طلبًا ثقيلًا، وربما مُبهمًا، يصعب علينا اتباعه.

الأم المثالية ليست بالضرورة جيدة! أم «فوريست جامب» مثالًا

في تحفته الفنيَّة، «فوريست جامب»، يؤدي الممثل الأمريكي توم هانكس دور الشاب فوريست جامب، الذي يواجه منذ طفولته تحديَّات كبيرة، بدءًا بالقدرات العقليَّة وانتهاءً بالقدرات الاجتماعيَّة. لم يكن فوريست جاهلًا بقصوره العقليِّ والاجتماعيِّ، وعلى الرغم من التحديَّات الكثيرة الملقاة في طريقه، يستطيع فوريست حصاد إنجازات مذهلة.

Embed from Getty Images

لا يحدثنا الفيلم عن طفولة فوريست المبكرة، ولا عن أبيه، لكن تظهر لنا بصورة جليَّة أم فوريست المحبَّة والتي تبذل كلَّ ما في وسعها كي لا يكون ابنها مختلفًا عن أبناء جيله، تفعل أمه المستحيل، حتى لو اضطرت لممارسة علاقة جنسيَّة مع مدير المدرسة كي يتعلَّم فوريست في مدرسة عاديَّة عوضًا عن مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصَّة، تفعل أمه المستحيل كي يكون متساويًا مع بيئته، أي مع بيئة غير مناسبة لقدراته ولا تلائم احتياجاته الأساسيَّة؛ لذلك، ينشأ فوريست مع ضغطٍ خفيٍّ دائم ليتلاءم ويندمج مع البيئة التي تدفعه أمه إليها بدلًا من الاندماج في بيئة تناسبه ليتمكن من التطوُّر بشكل عفويٍّ وحقيقيٍّ.

وبهذا، تسلب أم فوريست جامب منه الفرصة ليعبِّر عن ذاته الحقيقية وتسلب منه الفرصة لتتجسَّد هذه الذات الحقيقية وليعرف جوهره الحقيقيَّ، ومن ثم تدخل الذات المزيَّفة إلى الحلبة لحمايته.

نرى إسقاط الأمر على فوريست جامب بكونه شابًّا مطيعًا جدًّا، ويسعى جاهدًا لإرضاء أمه وتنفيذ طلباتها، بل نرى ذلك في تصرفاته الخاضعة بشكل كامل للقوانين، يعزو فوريست تصرفاته دائمًا بتبرير يتكرر طوال الفيلم: «أمي قالت لي دائمًا»، وقد نظنُّ أنَّ هذا ما يسعى إليه أي والد، أن يكون ابنه طيِّعًا لما يراه مناسبًا له ولقواعد مجتمعه، لكنَّه السمُّ داخل العسل.

يظهر فوريست جامب طوال الفيلم على أنَّه شخص مطيع ويتبع الأعراف والقواعد الاجتماعية التي تعلمها من الشخصيات المهمة في حياته، تُسيطر ذاته المزيَّفة على حياته بحيث يبدو للوهلة الأولى أنها الذات الحقيقية، ومع ذلك، يمكننا أيضًا خلال الفيلم تمييز شظايا ذاته الحقيقية، والتي تظهر في بعض المواقف مع «جيني»، صديقة فوريست الأولى وتجربته الصادقة في الحب، وفي بعض المواقف مع الضابط «دان». وربما تكون «جيني» و«دان» الشخصين الوحيدين اللذين احتضنا فوريست بالكامل وأحباه كما هو، دون محاولة تغيير أو تعديل.

ذات مزيَّفة أم قدرة على التأقلم؟

تحدَّث دونالد وينيكوت، المحلل النفسيُّ والطبيب البريطاني، في ورقة بحثيَّة نشرها عام 1960 عن نظريَّته حول «الذات المزيَّفة والذات الحقيقية»، وميل الإنسان لتطوير «ذات مزيَّفة» لتكون قشرة واقية لـ«الذات الحقيقية» الضعيفة التي لم تترك لها رغبات البيئة المحيطة والحاجة المجتمعيَّة للامتثال لها مساحةً للوجود، هذه القشرة، أو آلية الحماية إن صحَّ التعبير، قد تتطوَّر في داخل الإنسان دون وعي وفي سنٍّ صغيرة جدًّا، يبقى السؤال إذًا، كيف نطوِّر ذاتًا مزيَّفة دون وعيٍّ منا؟

Embed from Getty Images

في طبيعة الحال، يسعى الوالدان لتنشئة مثاليَّة قدر المستطاع لأبنائهم، وذلك من خلال قواعد تربوية وقيود اجتماعيَّة يُطلب من الأبناء اتباعها والامتثال لها ليكونوا أبناء «جيدين» حسب المعايير المجتمعيَّة. لكن – وفق وينيكوت- في هذا السعيِّ للوالديَّة المثاليَّة قد يسلب الطفل الفرصة للتعبير الكامل عن نفسه واحتياجاته، بل يبذل جهدًا جمًّا ليكوِّن ذاتًا متناغمة مع العالم الخارجيِّ ومتطلباته. وبهذا تعلو توقعات الآخرين والامتثال لها على التعبير الأصلاني عن الذات أو حتى تتعارض معه.

يصف وينيكوت الأطفال بالعفويين، أي إنَّهم يحوِّلون احتياجاتهم لتصرفات دون المرور عبر مقصلة التفكير، لكنَّ هذه التصرفات العفويَّة لا تخلو من البحث المستمر عن المساعدة والطمأنينة. تجاوب الوالدين مع هذه الأساسيَّات ليس مثاليًّا، لكن المحاولة للاستجابة، والنجاح في أغلب الأحيان تعزز ثقة الطفل بأنَّ احتياجاته الأساسيَّة مقبولة وأنَّ لا بأس بالتعبير عن شعوره الصادق والأصلانيِّ.

في نظريَّته، يسلِّط وينيكوت الضوء على علاقة الأم (كإشارة لمقدِّم الرعاية) والطفل كعلاقة تكوينيَّة؛ إذ إنَّ تجاوب الأم لاحتياجات الطفل هو مقياس تطوُّر شخصيَّة الطفل الداخليِّ، بيد أنَّ وينيكوت يصف هذه الأم، التي تحاول أن تكون متناغمة للغاية مع طفلها، لكونها البشريَّة أولًا بـ«الأم الجيدة بما يكفي».

بكلمات أخرى، يمنح وينيكوت للأم مساحة للتناقض والأخطاء، كأي بشريٍّ آخر، بعيدًا عن التوقع المجتمعيِّ بالمثاليَّة، وبالمقابل، يمنح الطفل مساحة للتعبير الحرِّ عن رغباته دون الانسياق نحو رغبات الآخرين، الطفل الذي يحظى بهذا النوع من الاستجابة يكبر دون خوفٍ من إظهار «ذاته الحقيقية» على الملأ، هذه الحقيقة التي قد تتضمن أيضًا عدوانيَّة صحيَّة وغضبًا متمثلًا في مساحة عدم الاستجابة الكاملة من والديه، والتي بدورها تمنحه إمكانيَّة تطوير آليات المواجهة والتعامل مع المشاعر بشتى أنواعها.

في حالات أخرى، لا تستجيب الأم لاحتياجات الطفل العفوية، إما بسبب حالة نفسيَّة كالاكتئاب، وإما حالة مرضيَّة، وإما لرغبتها في تنشئة طفل متماثل للقواعد المجتمعيَّة الصارمة. تُخبر الأم طفلها، ربما دون وعي، بأنَّ رغباته الأساسيَّة واحتياجاته غير مقبولة، ولذا، يبدأ الطفل بالانزياح عن حاجاته لتتوافق مع إيماءاتها وردود أفعالها، هذا الامتثال، حسب وينيكوت، هو مراحل الطفل الأولى لتطوير ذاته المزيَّفة، هذا الانزياح عن حاجاته وتلبيَّة متطلبات البيئة يتطوَّر ليصبح نموذجًا متَّبعًا في علاقات الطفل الاجتماعيَّة، التي يسعى بها دائمًا للامتثال لرغبات الآخرين وطلباتهم، متناسيًا رغباته هو.

تربية

منذ 9 شهور
ما معنى أن يكون طفلك مُصابًا بـ«نقص التنظيم الذاتي العاطفي»؟ وكيف تتعامل معه؟

فمثلًا، في حالة طبيعية يعبِّر بها الطفل عن رغبته بالاهتمام وحاجته للحضن بينما تكون الأم غير قادرة، أو غير راغبة في الاستجابة لحاجته هذه، سيعدل الطفل حاجته من الرغبة بالقرب والحضن إلى «أنا لستُ بحاجة لأحد، أنا لست وحيدًا».

هذا التعديل هو طريقة الذات الحقيقية، التي لا تزال ترغب بهذا القرب، بالاختباء خلف الذات المزيَّفة الملائمة لقوانين المحيط، ادعاء الذات المزيَّفة في عدم الاحتياج للقرب قد يكون قويًّا لدرجةٍ يطرد فيها الرغبة الحقيقية من وعي الشخص وتختفي عميقًا في لاوعيه.

الرحلة من الذات الحقيقية إلى الذات المزيَّفة

الذات المزيَّفة المسيطرة – حسب وينيكوت– لا تمنع الشخص من ممارسة حياة ناجحة، لكنَّها أيضًا لا تستطيع سبر الفجوة الداخليَّة بين الظاهر وبين الشعور بالرضا والأصلانيَّة، من المحتمل أيضًا أن يتكيَّف الشخص بشكل كامل مع توقعات الآخرين، في رغبة خفيَّة منه للتواصل، لكنَّهم مع ذلك يتركون انطباعًا غريبًا وغير حقيقيٍّ؛ مما يؤدي إلى علاقات اجتماعيَّة غير مرضية، بالإضافة لذلك، الذات المزيَّفة تمنع الشخص من التصرف حسب دوافعه ورغباته العفويَّة؛ مما يترك في داخله شعورًا ثقيلًا بالفراغ دون فهم مصدره.

يؤكد وينيكوت أن إحساسنا بالذات لا يتطوَّر من تلقاء نفسه بل يتعزز ويتشكَّل طرفًا في علاقة، أي في علاقتنا الأولى مع والدينا ولاحقًا مع محيطنا، هذا المفهوم للذات يمكنه أن يتشكَّل في تسلسل للذات على طرفيْ نقيض، يبدأ في الطرف الصحيِّ العفويِّ وينتهي في الطرف المرضيِّ للذات المزيَّفة، المنفصلة، والتي تبحث عن معنى وجودها من الواقع الخارجيِّ عوضًا عن تجربتها الشخصيَّة الداخلية.

Embed from Getty Images

1- الحالة الصحيَّة: يكون الإنسان متصلًا مع ذاته الحقيقية بينما يكون ظهور الذات المزيَّفة ملائمًا للأعراف المجتمعيَّة، لكون الإنسان جزءًا من منظومة ثقافيَّة تتطلب في بعض المواقف سلوكًا مختلفًا عن رغبته الشخصيَّة الحاليَّة، كاللباقة مثلًا أو كظم الغيظ في مقاماتٍ تستدعي ذلك من الشخص، بينما يكون داخله ثائرًا.

2- حالة قريبة جدًّا من الصحيَّة: تكون الأجزاء التي تمثل الذات المزيفة في الإنسان هي أجزاء هامشية تظهر عند التماهي مع الآخرين، يكون هذا التماهي مرحليًّا، مثل جيل المراهقة مثلًا، حيث تُشكِّل الذات المزيَّفة وساطة بين رغبات الشخص واحتياجاته الداخليَّة وبين المتطلبات الخارجيَّة ليكون جزءًا من مجموعة الأتراب.

3- الاقتراب للحالة الصحيَّة: تكون الذات المزيَّفة في حالة بحث دائمة عن ظروف تسمح للذات الحقيقية بالظهور والتعبير الحرِّ، تكمن خطورة هذه الدرجة في عدم إيجاد هذه الظروف.

4- الذات المزيَّفة تحمي الذات الحقيقية: يمارس الإنسان حياته وعلاقاته من خلال ذاته المزيَّفة، يعي وجود ذاته الحقيقية، لكنَّه لا يُظهرها إلَّا في الخفاء.

5- ذات حقيقيَّة مطمورة: تكون الذات المزيَّفة سائدة وتطمر بشكل كليٍّ ذات الإنسان الحقيقية حتى عن نفسه، قد يعيش الإنسان حياته بأكملها مع ذات حقيقيَّة مطمورة، لكنَّها تعود لتظهر على شكل سمات من الفراغ والكآبة والوحدة.

علاقات

منذ شهر
أثر الفراشة: علاقة الطفل الترابطية مع والديه كتيب إرشادات لكل علاقاته

الأم الجيدة بما يكفي لا تسعى لتنشئة طفلٍ «جيِّد» ومتزن وفقًا لرغباتها، إنَّما تسعى لنمو عاطفيٍّ سليم لطفلها مما يخوِّله ليصبح بالغًا قادرًا على استكشاف ذاته وتحقيقها وعلى الإبداع، هذا لا يحدث دون السماح له بتجربة طيف المشاعر الكامل، لا يحدث دون استكشاف الحب والكره والأنانيَّة والغضب والرضا والحنق والنجاح والفشل، لا يحدث دون اكتشافها كلَّها وتجربتها دون الخوف منها، ومثلما يتشكَّل فهمنا الأساسيُّ لذاتنا، الحقيقية أو المزيَّفة، من خلال علاقاتنا مع الآخرين، فبمقدور العلاقات أيضًا التأثير في هذا الفهم وتغييره.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد