في ستة أسابيع، سقط الخام الأمريكي بشدة متأثرًا بصدمات عدة، مثل تراجع حجم الطلب العالمي بسبب أزمة «كورونا» المستجد، وزيادة حجم المعروض، وحرب الأسعار بين السعودية وروسيا، حتى هوى دون الصفر يوم الاثنين الماضي، فيما بات يعرف إعلاميا بـ«الاثنين الأسود»، في حدث تاريخي ربما لن يتكرر مرة أخرى.

وتهاوت أسعار عقود النفط الأمريكي المقرر تسليمه في مايو (آيار) المقبل الاثنين الماضي، إلى ما دون الصفر، وبالتحديد إلى -37 دولارًا للبرميل، وسط ارتفاع المخزون الأمريكي من النفط بشكل غير مسبوق، وتهاوي حجم الاستهلاك متأثرًا بتفشي فيروس «كورونا» وتوقف الحياة، أو على الأقل تأثرها بنسبة كبيرة في العديد من دول العالم.

وكانت هذه ثاني الصدمات التي يتعرض لها الخام الأمريكي في غضون ستة أسابيع. ففي السادس من مارس (آذار) الماضي، تعرّضت سوق النفط لصدمة واسعة مع فشل تحالف «أوبك+»، الذي يضم أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» وعددًا من المنتجين المستقلين وعلى رأسهم روسيا، في التوصل لاتفاق حول زيادة معدل خفض الإنتاج للتعامل مع تداعيات تفشي فيروس «كورونا» على الطلب العالمي للنفط الخام. 

وكان الخلاف الأساسي يتمثل في ما إذا كانت خطوة خفض الإنتاج، فعالة على نحو يؤدي إلى استقرار أسواق النفط. واعترضت روسيا على خفض إمدادات النفط الخام بنحو 1.5 مليون برميل إضافية، وهو ما كان سيجعل مجموع الخفض 3.6 ملايين برميل يوميًّا، وهي خطوة اعتبرتها موسكو في صالح منتجي النفط الصخري الأمريكي الذين زادوا من حصتهم السوقية العالمية بنحو 4 ملايين برميل منذ عام 2016.

ردت السعودية وغيرها من أعضاء أوبك على الموقف الروسي بزيادة إنتاج النفط بوتيرةٍ غير مسبوقة؛ إذ رفعت الرياض  إنتاجها من النفط الخام إلى نحو 12.3 مليون برميل يوميًّا، أي بأكثر من مليوني برميل من مستويات شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، وأضافت إلى هذا التحرك، تخفيض أسعار تسليم الخام بين ثلاثة إلى 13 دولارًا لأسواق آسيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية.

لذلك شهدت سوق النفط فائضًا قياسيًّا يبلغ ستة ملايين برميل يوميًّا منذ بداية الشهر الجاري، ما أدى، بالتوازي مع انخفاض الطلب المتوقع على الخام نتيجة تفشي فيروس كورونا، إلى تراجع أسعار النفط بشكل عام، والخام الأمريكي بشكل خاص إلى ما دون الـ20 دولارًا حتى منتصف الشهر، ثم السقوط المدوي الاثنين الماضي، إلى -37 دولارًا للبرميل، وسط توقعات بأن يستقر السعر خلال العام الجاري عند مستوى يتراوح بين 20 إلى 30 دولار للبرميل.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
5 أسئلة تشرح لك ماذا يحدث للنفط الأمريكي

وبالرغم من التوصل لاتفاق مؤخرًا لإنهاء ما يطلق عليه إعلاميا بـ«حرب النفط» بين السعودية وروسيا، وعودة أسعار الخام الأمريكي في عقود يونيو (حزيران) إلى مستوى 16 دولار للبرميل، إلا أن الأخير يواجه أزمة كبرى، تهدد عدد من الشركات المنتجه له بالإفلاس، ووضعت بالفعل نهاية للطفرة التي يعيشها منذ 2004.

ما هو النفط الصخري؟ 

بصفة عامة، النفط الصخري هو نفط موجود بشكل صلب في قلب الصخور. فقبل نحو 100 مليون عام، كانت مساحة شاسعة من البحر تقسم قارة أمريكا الشمالية إلى قسمين، أحدهما شرقي والأخر غربي. لكن مع مرور الوقت، أخذ هذا البحر في الانحسار، مخلفًا وراءه مساحات مائية داخلية وسهولًا عشبية خصبة،؛ما أدى إلى موت العديد من الكائنات الحية وتحولها إلى حفريات متحجرة.

وبعد مرور ملايين السنين، أدى تعرض بقايا هذه الكائنات لدرجات حرارة عالية وضغط الجاذبية، إلى تحولها لبترول، إلّا أن الظروف التي أدت لخلق البترول السائل في مناطق أخرى من العالم، لم تكن تتوافر في هذه المنطقة؛ مما أدى إلى تشكّل النفط الصخري (غير السائل).

وتعتبر عملية استخراج النفط من الصخور معقدة للغاية، إذ تتطلب استخدام أدوات خاصة سواء كانت الصخور في باطن الأرض، أو على سطح الأرض. وفي بداية العملية، تمر الصخور النفطية بمرحلة التقطير، إذ يتم تعريض الصخور المحفورة إلى «الانحلال الحراري» أي تعريض الصخور إلى درجة حرارة عالية جدًا ما بين 650 إلى 700 فهرنهايت في ظل انعدام الأوكسجين؛ ما يؤدي إلى خروج الوقود الأحفوري الموجود في قلب الصخور في شكل سال.

ثم تأتي عملية تكرير هذا الوقود الأحفوري لتحويله لنفط خام صخري. لكن استخراج النفط الصخري يطرح تحديات بيئية، لأن إنتاج برميل واحد من النفط الصخري السائل يتطلب استخدام برميلين من المياه، وبدون تطوير تكنولوجيا لمعالجة المياه، فإن المياه الناتجة عن تكرير النفط الصخري سوف تزيد من ملوحة مياه المحيطات؛ ما يؤدي بالتبعية إلى تسمم المناطق المحلية المحيطة بها.

لماذا أمريكا هي المنتج الأبرز في العالم؟

على الرغم من توفر احتياطات النفط الصخري في عدة أماكن حول العالم، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت هي المنتج الأبرز. فهي البلد الوحيد الذي يجمع بين الكثير من المعطيات الهامة في هذه الصناعة، وهي: جيولوجيا الأماكن الممكنة للاستغلال الاقتصادي، ووجود بنية تحتية مواتية، وتوفر القوى العاملة، وتوفر المياه العذبة بالقرب من مناطق الحفر، وسهولة الحصول على رأس المال الكافي لمشاريع الحفر ذات مستويات المخاطرة المرتفعة نسبيًا، والخبرة التكنولوجية المتراكمة للشركات الأمريكية الرائدة في صناعة النفط. 

أما المعطى الأكثر أهمية من كل ما سبق، فيتمثل في: القوانين المنظمة لتملك حقوق استخراج المصادر غير المتجددة للطاقة، للأفراد، كالنفط، وهو مفهوم أمريكي فريد ينظم الضرائب المفروضة على الإنتاج ويسهل الصفقات بين ملاك الأراضي والمستثمرين. تلك القوانين، ساعدت على تبني المنتجين المستقلين والشركات المتوسطة الأكثر ميلا للمخاطرة والاستثمار في المشاريع الصغيرة، للاستثمار في صناعة النفط الصخري.

النفط الذي حرر السياسة الأمريكية

بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة هي المنتج الأبرز للنفط الصخري، فهي أيضًا المستفيد الأكبر منه؛ إذ سد هذا النفط فجوة كبيرة في البلاد، وقلل اعتمادها على النفط المستورد، ونفط الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وبالتالي قلل من حساسية القرار السياسي الأمريكي فيما يتعلق بمصادر النفط الخارجية.

ففي عام 2008، كانت واردات النفط الأمريكية تقف عند حاجز الـ12.9 مليون برميل يوميًا، يأتي 18.6% منها، أي 2.4 مليون برميل من الشرق الأوسط. ومع تزايد إنتاج النفط الصخري، انخفضت الواردات الأمريكية من النفط الخام إلى 9.9 مليون برميل يوميًا، بينها 1.6 برميل من الشرق الأوسط. ووفق بيانات وكالة «رويترز»، كان إجمالي الاستهلاك اليومي للنفط في الولايات المتحدة 20 مليون برميل، عام 2018. وفي 2019 تراجعت الواردات الأمريكية إلى 8.2 مليون برميل يوميًا.

وفي فبراير الماضي قال دان بروليت، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الطاقة، خلال المؤتمر العالمي لشؤون النفط والطاقة في لندن إن واشنطن بدأ شغفها بموارد النفط في الشرق الأوسط يقل بسبب وصول حجم الإنتاج اليومي للنفط الصخري إلى 10 ملايين برميل يوميًا.

وأضاف: الولايات المتحدة «تستعد لتصبح دولة مصدرة للطاقة خلال السنوات العشر المقبلة أو أقل من ذلك» كما أوضح أن بلاده تعمل على الاستغناء عن مصادر الطاقة غير المستقرة من الخارج. وبالإضافة إلى ذلك، فتحت شركات النفط الصخري آفاقًا جديدة في الاقتصاد الأمريكي، وخلقت ملايين الوظائف خلال السنوات الماضية.

كيف نجت الصناعة من أزمة 2014؟

تلقت صناعة النفط الصخري الأمريكي ضربة قوية في بداية ثورتها الإنتاجية، وبالتحديد بين عامي 2014 و2016، عندما تهاوت أسعار النفط في السوق العالمي إلى مستويات الـ40 دولارا للبرميل، ما مثل في حينه اختبارًا جديًا لمدى مرونة صناعة النفط الصخري للتكيف مع مستويات أسعار منخفضة.

واستطاعت صناعة النفط الحجري اجتياز هذه الفترة الصعبة والتغلب على تكلفة الإنتاج المرتفعة، والتكيف مع مستويات الأسعار العالمية، من خلال أربع مقومات، هي: 

1- الاتجاه بشكل أكبر لحفر الآبار ذات الإنتاجية العالية. 

2- استخدام التقنية لزيادة إنتاجية آبار النفط الصخري.

3- التركيز على تخفيض تكاليف الإنتاج. 

4- والاتجاه إلى التمويل عن طريق القروض. 

وبالفعل تمكنت الشركات الأمريكية بمساعدة هذه العوامل، من التكيف مع بيئة سعر النفط المنخفض، وتعديل بنية رأس المال لتصبح أكثر استجابة ومرونة لتقلبات الأسعار في السوق العالمي.

كيف تأثر النفط الصخري بـ«حرب النفط» الأخيرة؟

ما إن فشل تحالف «أوبك+» في التوصل لاتفاق لخفض الإنتاج في السادس من مارس الماضي، حتى فقدت أسعار خام غرب تكساس الوسيط حوالي 50% من قيمتها، أو ما يعادل 19 دولارًا، لتبلغ 20.37 دولارًا للبرميل في 18 مارس الماضي. وأربك هذا السعر الأوضاع التشغيلية والمالية لعدد كبير من شركات النفط الصخري في الولايات المتحدة، والتي فقدت أسهمها بالفعل ما يقرب من ثلاثة أرباع قيمتها الشهر الماضي.

ويعاني النفط الصخري من مشكلة أساسية تتمثل في أن ضخه من الآبار يتباطأ سريعًا، ولذلك يتطلب الحفاظ على استقرار الإنتاج: تخصيص استثمارات كبيرة بشكل مستمر، لزيادة مستويات الحفر. وفي هذا الإطار، ذكر تقرير سابق لشركة «مورجان ستانلي» الأمريكية أن صناعة النفط الصخري الأمريكي تحتاج إلى سعر 51 دولارًا للبرميل، لتستطيع بالتزاماتها المالية وتمويل خططها الاستثمارية. 

هذا يعني أن العديد من شركات النفط الصخري، مع وجود استثناءات قليلة، لا تستطيع الصمود أمام المستويات المتدنية لأسعار النفط في الوقت الحالي. وحسب تقرير لشركة «ريستارد إنيرجي، تستطيع نحو 16 شركة نفط صخري بالولايات المتحدة فقط، العمل بربحية عند مستوى أقل من 35 دولارًا للبرميل. 

وعلى سبيل المثال، تستطيع شركة إكسون موبيل التي تعد أكبر منتج للنفط الصخري في الولايات المتحدة، أن تحقق ربحًا عند 26.90 دولارًا للبرميل، فيما يمكن أن تحقق شركات أخرى مثل «أوكسدينتال بتروليوم» ربحًا عند مستوى يزيد قليلًا على 30 دولارًا للبرميل.

وبالنسبة للشركات التي يمكن أن تحقق أرباحا عند مستوى أقل من 51 دولارًا للبرميل، فإنها تواجه مشكلة أخرى تتمثل في التدفقات النقدية (سيولة) اللازمة ليس لمجرد تغطية تكاليف الإنتاج وتحقيق هامش ربح، وإنما توزيع أرباح المساهمين، وسداد الديون، بالإضافة إلى تمويل خططها الاستثمارية الحالية.

ومن المعروف أن شركات النفط الصخري الأمريكي تعاني من أعباء ديون كبيرة في الأجلين القصير والطويل. ووفق وكالة التصنيف الائتماني «موديز»، فإن منتجي النفط والغاز في أمريكا الشمالية، بمن فيهم العاملين في السوق الأمريكية، لديهم ديون مستحقة السداد حتى عام 2024، وتبلغ قيمتها 85 مليار دولار، منها 5.3 مليار دولار مستحقة في 2020، بينما هناك جزء كبير يُقدر بــ25.7 مليار دولار واجبة السداد في عام 2022.

كيف تدخلت واشنطن لإنهاء الحرب؟ 

في أواخر مارس الماضي، انتشر القلق بين منتجي الطاقة الأمريكيين نتيجة لتدني أسعار النفط، وسادت مخاوف من فقدان الاقتصاد آلاف الوظائف، وتأثر سوق الأسهم في وول ستريت. 

لذلك، مارست واشنطن ضغوطًا على السعودية وروسيا لوضع نهاية لحرب النفط التي أدى إلى إغراق الأسواق بالنفط، وزعزعت الاقتصاد العالمي الذي يعاني من صدمة بالفعل بسبب جائحة «كورونا» المستجد المفاجئة. 

وفي هذا الإطار، هدد دونالد ترامب بفرض عقوبات ورسوم جمركية على الدولتين إذا لم يحدث تخفيض يكفي لمساعدة صناعة النفط الأمريكية، وإن لم يكن هذا التهديد كافيًا لإنهاء أزمة النفط،. وفي اليوم السابق لاجتماع «أوبك+»، الذي عقد خلال الأيام الماضية، وجه حوالي 50 نائبًا عن الحزب الجمهوري في مجلس النواب رسالة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مطالبين إياه باتخاذ خطوات فورية لخفض إنتاج النفط الخام، أو المخاطرة بإفساد العلاقات مع الولايات المتحدة. 

وقبيل «اجتماع أوبك+»، توقع ترامب خفض اتفاق الرياض وموسكو على خفض إنتاج النفط بما يقرب من 10 ملايين برميل، ما خلق أجواء من التفاؤل في أوساط صناعة النفط الأمريكية». وخلال الاجتماع، وافقت الرياض على خفض 4 ملايين برميل يوميًا من مستويات إنتاجها في شهر أبريل (نيسان) الجاري، فيما وافقت روسيا على خفض مليونَي برميل يوميًا، في إطار اتفاق مجموعة أوبك+ على خفض عشرة ملايين برميل يوميًا، وهو ما يعادل 10% من مستويات الإنتاج العادية، خلال شهرَي مايو ويونيو المقبلين. 

الاثنين الأسود والسقوط الحر

ما إن بدأ قدر من التفاؤل يسود سوق صناعة النفط باتفاق «أوبك+»، حتى جاء يوم الاثنين الماضي الذي حمل كارثة حقيقية في تاريخ النفط الصخري الأمريكي، إذ تهاوت أسعاره لأدنى مستوى لتسقط إلى ما دون الصفر، وهو أمر لم يحدث منذ بدء تداول عقود النفط الآجلة في بورصة نايمكس عام 1983. 

وكان هذا السقوط الحر متأثرًا بانخفاض مساحات التخزين المتاحة عالميًا بسبب وفرة المعروض من النفط وانخفاض الطلب لمستويات غير مسبوقة متأثرا بأزمة «كورونا» المستجد، ويسود صناعة النفط الصخري، قلق كبير في الوقت الحالي، من سقوط النفط الأمريكي في المنطقة السلبية (دون الصفر) مجددًا في ظل توقعات بأن تنفذ طاقة مرافق التخزين في الولايات المتحدة قريبًا. 

وما يفاقم الأزمة أنه من غير المتوقع أن يتزايد الطلب على النفط في المستقبل القريب، بعد أن  انخفض الطلب العالمي بمقدار 29 مليون برميل يوميًا في أبريل الجاري، في أدنى مستوى منذ 25 عامًا، متأثرًا بالتدابير العالمية لحصار تفشي فيروس «كورونا» وبقاء مئات الملايين من البشر في المنازل.

هل ينجو النفط الصخري من الأزمات المتتالية؟

باارغم من اتفاق مجموعة «أوبك+» على تخفيض معدلات إنتاج النفط بحجم غير مسبوق، إلا أنها لا تزال غير كافية لمواجهة انخفاض الطلب على منتجات الطاقة بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، إذ انخفضت أسعار النفط الخام بنحو الثلثين هذا العام مع تقييد الدول للعمل والسفر والحياة العامة.

ومنتصف أبريل الجاري، قالت وكالة الطاقة الدولية إنه «لا يوجد اتفاق مجد يمكن أن يخفض العرض بما يكفي لتعويض خسائر الطلب على المدى القريب»، مضيفة أن تخفيضات الإنتاج لا تزال بالرغم من ضخامة حجمها، «بداية قوية» يمكن أن تساعد في نهاية المطاف على الحد من وفرة العرض.

وتتوقع الوكالة أن ينخفض الطلب العالمي بنهاية الشهر الجاري بمقدار 29 مليون برميل يوميًا، مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى مستوى شهده العالم آخر مرة في العام 1995. كما سينخفض الطلب بمقدار قياسي يبلغ 9.3 مليون برميل يوميًا في المتوسط هذا العام.

وفي الولايات المتحدة، تتوقع الوكالة أن تعاني البلاد انخفاضًا «غير مسبوق» في إنتاج النفط هذا العام، رغم اتفاق «أوبك+». وتراجعت العقود الآجلة للخام الأمريكي يوم الأربعاء الماضي إلى أدنى مستوياتها عند 19.20 دولار للبرميل، وهو أضعف مستوى لها منذ فبراير 2002، بعد تقرير لوكالة الطاقة الدولية التي تتخذ من باريس مقرًا لها، والتي حذرت أيضًا من أن انهيار الاستهلاك العالمي هذا العام بسبب جائحة «كورونا» المستمر، سيقضي على عقد من النمو في صناعة النفط الصخري.

وقالت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها إن الأسعار المنخفضة والمخزونات الواضحة ستخفض إنتاج الخام الأمريكي هذا العام انخفاضا حادا، إذ من المتوقع أن ينخفض الإنتاج في ديسمبر (كانون الأول) المقبل بمقدار 2 مليون برميل يوميًا عن نفس الشهر في العام 2019.

4 خيارات أمام منتجي النفط الصخري

في ضوء الأزمات المتتالية، بات خفض الإنتاج مسارًا إجباريًا لشركات النفط الصخري في الولايات المتحدة، ما يعني أن حرب النفط الأخيرة وكارثة الاثنين الأسود، وضعا بالفعل حدًا أمام طفرة النفط الصخري الأمريكي التي بدأت في عام 2004، وربما هذا ما كانت موسكو تريده من البداية.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: لماذا يُعد انهيار أسعار النفط مختلفًا هذه المرَّة؟ 

لكن الأمر لن يتوقف عند ذلك، إذ تواجه شركات النفط الصخري في الولايات المتحدة أزمة مالية كبيرة تتعلق بتكلفة الإنتاج العالية، وكيفية تغطيتها ماليًا في الفترة المقبلة، خاصة وأن هذه الشركات استنفذت أحد الخيارات المتاحة لتوفير السيولة المادية المطلوبة في أزمة 2014، وهي الاقتراض، وبات معظمها يعاني أعباء دين كبيرة بالفعل.

لذلك، بات منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة أمام مجموعة محدودة من الخيارات للتعاطي مع الأزمة الراهنة: 

الخيار الأول: اتخاذ إجراءات سريعة لخفض النفقات الرأسمالية عن طريق تقليص العمالة، وتعليق توزيع أرباح المساهمين لفترة معينة. وتتوقع شركة «كوراس» الأمريكية لأبحاث النفط أن تُخفّض شركات النفط الصخري إنفاقها الرأسمالي بنسبة تصل إلى 40% خلال الفترة المقبلة. 

الخيار الثاني: أقر عدد من الشركات الأمريكية مؤخرًا تعديل خططها الاستثمارية للعام الجاري، ومنها شركة «أباتشي» التي قررت خفض ميزانيتها الرأسمالية بنسبة 37%، كما قررت الشركة، بالإضافة إلى شركات أخرى مثل «أوكسيدنتال بتروليوم» و«ديفون إنيريجي» وغيرها، تعليق جميع أنشطة الحفر في حوض بيرميان وغيرها من الأحواض ذات التكلفة المرتفعة للإنتاج، كخيار ثاني لتقليل التكلفة المالية.

الخيار الثالث: يتمثل في إعادة هيكلة الديون مع المقرضين، لتجنب السداد في الفترة الراهنة. إلا أن هذا الخيار يمكن أن تكون تكلفته باهظة على بعض الشركات، ويدفع وكالات التصنيف الائتماني لخفض تقييم سندات مستحقة على هذه الشركات بمقدار 140 مليار دولار من الدرجة الاستثمارية إلى درجة السندات الرديئة، ما يمكن أن يؤدي في أفضل الأحوال، إلى دفع كثير من المنتجين الصغار لإعلان إفلاسهم قبل نهاية 2020.

الخيار الرابع: يتمثل في استغلال حزمة الدعم الحكومية التي تبلغ قيمتها 2 بليون دولار، ومخصصة لمساعدة الشركات التي تعاني من أزمة تفشي «كورونا» المستجد، إذ يمكن لشركات النفط أن تطلب مساعدة مالية من الحكومة في إطار هذه الحزمة.

وبالإضافة إلى ذلك، تحركت الحكومة الأمريكية من جانبها بالفعل، وقررت الشهر الماضي، ملء الاحتياطي الإستراتيجي عن طريق شراء 77 مليون برميل من الشركات العاملة في الصناعة، كخطوة لتخفيض المعروض في السوق، ومنح الشركات بعض المكاسب المالية، وإن بدت أيضًا غير كافية، بمعزل عن الخيارات السابقة، في مساعدة الشركات على الخروج من أزمتها.

كما يتحرك الرئيس الأمريكي لمنع موجة الإفلاس وعمليات التسريح الجماعي للعمال التي تلوح في أفق صناعة النفط الأمريكي، إذ قال يوم الثلاثاء الماضي إنه أصدر تعليماته لأمناء وزارتي الطاقة والخزانة لـ«صياغة خطة لتوفير الأموال» ومساعدة شركات النفط والغاز، مضيفًا: «لن نخذل صناعة النفط والغاز الأمريكية الكبرى أبدًا».

وبذلك، يتدخل ترامب لثاني مرة في أقل من شهرين، لإنقاذ النفط الصخري؛ فبعد ضغوطه على السعودية وروسيا لوقف حرب الأسعار، يحاول مجددًا ويعد بتوفير دعم مالي للشركات العاملة في الصناعة لانقاذها. لكن التوقعات بتأرجح سعر الخام بين 20 و30 دولارًا للبرميل حتى نهاية العام الجاري، وتهاوي الطلب، وغياب أي حل حاسم لأزمة كورونا المستجد، وشبح الإفلاس الذي يهدد مئات الشركات، يجعل مهمة ترامب لإنقاذ صناعة النفط الصخري صعبة للغاية ومحفوفة بالمخاطر، ويمكن ألا تسعف جهوده عدد كبير من المنتجين، ويضطرون لإعلان الإفلاس قبل نهاية العام.

المصادر

تحميل المزيد