أصابع الاتهام توجه الآن في أمريكا تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أن نشرت وسائل الإعلام نقلًا عن بيانات الإقرار الضريبي أن الضرائب التي حصلت من ترامب لم تكن سوى 750 دولار أمريكي فقط من ضرائب الدخل الاتحادية عن عامي 2016 و2017 نظرًا لإبلاغه عن تعثر مشروعاته وتعرضها لخسارات فادحة تصل إلى – وفقًا لترامب – 47 مليون دولار، وأضاف التقرير أن ترامب لم تخرج من أعماله التجارية ضرائب خلال العشر سنوات الأخيرة، بالرغم من تربحه ما يزيد عن 400 مليون دولار من بعض نشاطاته التجارية خلال العام 2018.

«معلومات كاذبة تمامًا»؛ هكذا كان رد ترامب على ما تداوله وسائل الإعلام عن تهربه الضريبي، مؤكدًا أنه دفع الكثير من الضرائب، بل – وفقًا لتصريحه – دفع الكثير من ضرائب الدولة أيضًا، ولم يزل الأمر لم يُحسم حتى الآن، ولكن تلك الضجة التي أحدثتها المعلومات المتداولة إعلاميًا توقيتها حساس لترامب نظرًا لاستعداد الولايات المتحدة الآن لانتخابات رئاسية جديدة، وما تشير إليه استطلاعات الرأي حتى الآن أن ترامب قد يخسر أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن.

وعندما يتعرض الرئيس الأمريكي في وقت حرج لمثل هذا لشائعات تخص تهربه الضريبي، يكون وضعه في الانتخابات أكثر حرجًا من أي بلد آخرى، وهذا لما تمثله أهمية تحصيل الضرائب في أمريكا، والتي قال عنها بنجامين فرانكلين جملته الشهيرة «لا يوجد شيء مؤكد سوى الموت والضرائب»، وحتى ندرك أهمية تلك الشائعات على وضع ترامب كمرشح رئاسي، يجب أن نعلم كيف ينظر الشعب الأمريكي إلى الضرائب.

«الأثرياء لا يدفعون الضرائب»

يُعرف عن الأمريكي كرهه للضرائب، ولكن يُعرف أيضُا عنه تفاخره بدفع تلك الضرائب، وينظر للتهرب الضريبي على كونه جريمة تخل بشرف المواطن الأمريكي، وتعتبر تلك التهمة قانونيًا واجتماعيًا في أمريكا لها وصمة كبيرة أكثر من وطأتها في الدول العربية.

ولذلك فطالما كانت مراكز الأبحاث تسعى وراء فهم الشعب الأمريكي للضرائب ونظرتهم إليها، وخلال العشر سنوات الأخيرة أجريت الكثير من الاستطلاعات والإحصاءات للإجابة على سؤال: كيف ينظر الشعب الأمريكي للضرائب؟

ما أظهرته الإحصاءات بشكل عام أن 59% من الشعب الأمريكي يرى أن نظام الضرائب في أمريكا به الكثير من الأخطاء، وطالبوا الكونجرس بتغييره تمامًا، بينما يرى 39% منهم أنه نظام جيد يحتاج فقط لبعض التعديلات والتغيرات الطفيفة.

لدى الشعب الأمريكي العديد من الشكاوي حول نظام الضرائب الفيدرالي، وأبرز تلك الشكاوى هو قناعتهم أن بعض الشركات الكبرى والأثرياء لا يدفعون نسبتهم العادلة من الضرائب، وما يقرب من 61% من الأمريكيين منزعجين من شعورهم بأن الاثرياء لا يدفعون الضرائب، بينما يلتزم بها محدودي الدخل، ويرى 64% من الشعب الأمريكي أن الشركات الكبرى لا تدفع النصيب العادل كما يدفعه أصحاب المشروعات الصغيرة، وأظهرت الإحصاءات أن 20% منهم غاضبون من أن الفقراء يدفعون أكثر مما يقدرون عليه للضرائب. بينما يقول أربعة من كل 10 أفراد أي 40% من الأمريكيين أنهم يدفعون حصتهم العادلة.

على جانب آخر ليس كل الشعب الأمريكي يكره دفع الضرائب، فأظهرت الاستطلاعات أن هناك 34% من دافعي الضرائب يتحمسون لهذا الطقس الاقتصادي، وكان السبب الأكثر شيوعًا هو طموحهم في استرداد الأموال أو الخصم الضريبي، وهو مبلغ يُرد إلى دافع الضريبة عندما تكون الضرائب المدفوعة أكثر من الضريبة المستحقة.

تاريخ

منذ 7 شهور
كيف أشعل «الشاي» و«كرات ثلج» شرارة الثورة الأمريكية على التاج البريطاني؟

ولكن جدير بالذكر أن مصلحة الضرائب تحصل على تقييمات مختلفة من الجمهور، كل على حسب توجهاته السياسية، بشكل عام تقييمات مصلحة الضرائب الإيجابية كانت بنسبة 45%؛ مع العلم أن غالبية الديمقراطيين لديهم وجهة نظر إيجابية عن مصلحة الضرائب؛ إذ يوافق على نشاطها 62% من الديمقراطيين، بينما يأتي رأي الجمهوريين، خاصة «جمهوريي حزب الشاي» (حركة نشأت عام 2009 تعادي المسلمين وتؤيد إسرائيل، وترفض سياسة اليسار في تمويل البرامج الاجتماعية من خلال الضرائب)، ضد مصلحة الضرائب، ومن بين الجمهوريين والمستقلين ذوي الميول الجمهورية الذين يتفقون مع حزب الشاي؛ هناك 15% منهم فقط يؤيد مصلحة الضرائب، و82% غير مؤيدين.

الضرائب والأخلاق في عيون الأمريكان

يعتقد 6% فقط من الشعب الأمريكي أن عدم إبلاغ المواطن عن دخله كاملًا لمصلحة الضرائب مقبول أخلاقيًا، وتقول الأغلبية العظمة 71% إن التهرب الضريبي ممارسة خاطئة أخلاقيًا. وقلة من التوجهات الحزبية تعتقد أن عدم الإبلاغ عن الدخل الكامل للفرد لمصلحة الضرائب أمر مقبول أخلاقيًا، ومن المرجح أن يصف الجمهوريون التهرب الضريبي بأنه خطأ أخلاقي أكثر من الديمقراطيين، في حين أن الديمقراطيين يميلون أكثر إلى تأطيرها على كونها ليست قضية تخص الأخلاق.

ولكن أحيانًا لا يكون التهرب الضريبي بسبب عدم الرغبة في دفع المال فقط، فقط أظهرت الإحصاءات أن هناك نسبة ليست بقليلة لا تمانع في دفع الضرائب، ولكنهم يكرهون المتاعب التي يمرون بها أثناء عمليات الدفع خاصة المعاملات الورقية منها، والتي أظهرت الإحصاءات أن 31% من الشعب الأمريكي يرونها معقدة للدرجة التي تجعلهم في توتر دائم من ارتكاب الأخطاء، بينما أشار 24% من المواطنين أن عملية دفع الضرائب غير مريحة تستغرق وقتًا طويلًا للغاية.

المصلحة الحكومية الوحيدة التي يكرهها الشعب في أمريكا

هناك نسبة من الشعب الأمريكي تصل إلى 12% تكره دفع الضرائب لأسباب ووجهات نظر سياسيًا، لأنهم مقتنعون أن الحكومة تستخدم أموال الضرائب استخدامًا سيئًا لا يرضون عنه، سواء في السياسات الداخلية للدولة، أو الخارجية، بينما هناك 5% من المواطنين يرون أنهم يدفعون الكثير من الضرائب واعتراضهم الوحيد هو على تقدير الضرائب لنصيبهم.

وبعيدًا عن النظام العام لتحصيل الضرائب وتقديرها، فإن مصلحة الضرائب الأمريكية نفسها بموظفيها وقيادتها، لا تتمتع بعلاقة جيدة مع المواطنين في أمريكا، ومن بين استطلاع رأي تضمن 13 وكالة حكومية؛ احتلت مصلحة الضرائب أسفل القائمة نظرًا لآراء المواطنين السلبية عنها، وأظهر الاستطلاع أن 51% من المواطنين يكرهون المصلحة، وقد كانت المصلحة الحكومية الوحيدة في الاستطلاع التي جاءت آراء الاغلبية عنها سلبية

في كتابها «Read My Lips: Why Americans Are Proud to Pay Taxes»، توضح المحللة الاقتصادية فانيسا ويليامسون أن الصورة التقليدية عن كره الأمريكي للضرائب ليست حقيقية كما يظن البعض، ومن خلال جمع البيانات الخاصة بها، ومراجعة الاستطلاعات الوطنية، وجدت أن الكثير من الشعب الأمريكي يرى أن دفع الضرائب مسؤولية مدنية والتزام أخلاقي من المواطن الأمريكي تجاه بلده، ولكن ما يؤرقهم بالفعل هو تهرب البعض من هذا الواجب، أو أن تكون تقديرات مصلحة الضرائب غير عادلة؛ هنا – توضح فانيسا – تكمن أزمة الشعب الأمريكي مع الضرائب.

وأظهر كتابها البحثي أن دافعي الضرائب ينظرون إلى دورهم بكل فخر واحترام، وأن المواطن الأمريكي يرى نفسه عندما يلتزم بالضرائب بأنه عضو مساهم في المجتمع والأمة، ويرون تهرب البعض من الضرائب يضر بشدة النسيج الاجتماعي في أمريكا، ولذلك ما يتعرض له ترامب الآن من أزمة مع مصحة الضرائب، والتي قد تضعه في موضع الرجل غير الغيور على بلده، ويتهرب من دفع الضرائب التي يراها الشعب جزءًا لا يتجزأ من تعبير المرء عن وطنيته تجاه أمريكا، قد يؤثر سلبيًا على شعبيته مع اقتراب الانتخابات، حتى وإن لم تثبت تلك الشائعات صحتها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد