منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يحاول إبراز جوانب محددة من الأرقام الاقتصادية وعرضها على أنها إنجازات تحققت بفضل رئاسته، مثل معدل النمو الاقتصادي المتحقق والتراجع الكبير في نسب البطالة، بالإضافة إلى قوة الدولار، والمكاسب الكبيرة التي حققتها الأسهم الأمريكية خلال العامين الماضيين.

لكن في ظل احتدام الحرب التجارية التي يقودها ترامب ضد الصين؛ يبدو أن ترامب يفقد إنجازاته، وهذا هو السبب الذي قد يجعله أكثر من يحتاج الآن إلى اتفاق تجاري عاجل مع الصين، للحيلولة دون تحول هذه الإنجازات إلى أزمات قد لا يتمكن من حلها بسهولة، خاصة أن النجاح الاقتصادي ربما هو أهم أسلحة ترامب للفوز بفترة رئاسية ثانية.

الجميع خاسر.. ولكن

من المعلوم منذ الشرارة الأولى للحرب التجارية أن الطرفين سيكون لهما نصيب كبير من الخسائر، فالولايات المتحدة تمتلك أدوات الإضرار بالاقتصاد الصيني وبكين كذلك، والأرقام الإجمالية للخسائر قد قتلت بحثًا، لكن هناك أمر صغير قد يجعل أمريكا تتراجع عن هذه الوتيرة من الرسوم الجمركية وتلجأ إلى اتفاقات جادة، هذا الأمر ليس اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي، فوفق دراسة حديثة فإن الضحية الكبرى للحرب التجارية التي يخوضها ترامب هم المزارعون، والعمال في المناطق التي أيدت ترامب في انتخابات 2016.

بالأرقام.. هل نجحت «بلطجة» ترامب على العالم في إنعاش جيب المواطن الأمريكي؟

إذ يرى الأمريكون أن القطاع الزراعي في البلاد كان ملاذًا انتخابيًا لترامب، والخسائر التي يتعرض لها القطاع سيكون ترامب أول المتضررين منها. لذلك نجد أنه قرر صرف 16 مليار دولار في شكل مساعدات للمزارعين بسبب خسائرهم من الحرب التجارية، لكن هذا أيضًا يعني أن المستهلكين الأمريكيين يدفعون مقابل السلع مرتين.

ورغم جهود ترامب فقد ارتفعت حالات إفلاس المزارع في ولايات: ويسكونسن ومينيسوتا ومونتانا وداكوتا في العامين الماضيين، إذ وصلت إلى 103 في عام 2018، ووفقًا لبنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، فإن هذا هو أعلى مستوى منذ عام 2010، وذلك خلال فترة ما بعد الركود. بينما قال البنك في تقرير له في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 أن حالات الإفلاس لم تصل إلى الذروة بعد.

الركود قادم.. ترامب قد يفقد أهم إنجازاته

يعتبر أهم إنجاز لترامب منذ قدومه هو تحقيق نمو اقتصادي بأسرع وتيرة في نحو أربع سنوات، وذلك في الربع الثاني من 2018، وذلك بدعم من إنفاق المستهلكين ومسارعة المزارعين إلى شحن فول الصويا للصين لتفادي الرسوم التجارية، مما جعل الناتج المحلي الإجمالي يزداد في هذه الفترة بوتيرة سنوية بلغت 4.1%، وذلك هو أقوى أداء حققه الاقتصاد الأمريكي منذ الربع الثالث من عام 2014.

وسجل الاقتصاد الأمريكي معدل نمو بـ2.9% في 2018 مقابل 2.2% في 2017، فيما خفض صندوق النقد الدولي، توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد الأمريكي إلى 2.3% في 2019 مقابل 2.5% في توقعات سابقة، وجاء هذا الخفض بسبب الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، وفي مطلع أبريل (نيسان) 2019، قال ترامب، إن اقتصاد بلاده يبدو قويًا، في تراجع ربما عن نبرة الإنجاز التي يتحدث بها دائمًا حول النمو.

بينما أظهر استطلاع اقتصادي حديث، أن احتمالات دخول الاقتصاد الأمريكي في حالة ركود بحلول العام المقبل ازدادت بشكل كبير، إذ أن الحرب التجارية ما تزال تشكل أكبر تهديد اقتصادي، إذ يرى جميع المشاركين في الاستطلاع الفصلي الذي يجريه «الاتحاد الوطني لاقتصاد الشركات» تباطؤ النمو في 2019، وذلك من خلال انخفاض نمو إجمالي الناتح المحلي إلى 2.6% هذا العام و2.1% بالعام المقبل، مقارنة مع 2.9% بنهاية 2018.

ويتوقع المشاركون في الاستطلاع من المحللين الاقتصاديين من كبرى الشركات والجامعات الأمريكية، أن احتمالات حدوث ركود اقتصادي أمريكي قبل نهاية 2020 تصل إلى 60%، أي تقريبًا ضعف التوقعات في الاستطلاع السابق قبل ثلاثة أشهر والتي بلغت 35%. فيما قال نحو 90% من المشاركين في الاستطلاع إنهم خفضوا توقعاتهم للنمو في الأشهر الأخيرة بسبب السياسة التجارية الأمريكية.

الوظائف.. إنجاز ترامب المفضل يشهد تباطؤًا حاد

على الجانب الأخر تباهى ترامب في أكثر مناسبة بنسبة البطالة المتدنية التي تحققها أمريكا على مدار الأشهر الماضية، إذ ظل معدل البطالة بالقرب من أدنى مستوى له في 50 عامًا والذي بلغ 3.6% في مايو (أيار) الماضي، لكن وفق تقرير الوظائف الذي تصدره الحكومة ويحظى بمتابعة كبيرة، فإن نمو الوظائف الأمريكية تباطأ بشكل حاد في مايو وارتفعت الأجور أقل مما كان متوقعًا، وهو ما يشير إلى أن فقدان قوة الدفع في النشاط الاقتصادي يمتد في سوق العمل.

وذكر التقرير أن الوظائف في القطاعات غير الزراعية زادت 75 ألف وظيفة الشهر الماضي أي أقل من حوالي 100 ألف وظيفة مطلوبة شهريًا لمواكبة النمو في عدد السكان الذين هم في سن العمل، بينما وفر الاقتصاد وظائف أقل بمعدل 75 ألفا في مارس (آذار) وأبريل مقارنة مع التقديرات السابقة، وهو تراجع كبير يشير إلى أن الحرب التجارية تؤثر بقوة على الوظائف.

جدير بالذكر أن هذه الأرقام خالفت تمامًا توقعات الخبراء، إذ أبرز استطلاع يصدر عن وكالة «رويترز» لخبراء اقتصاديين توقعوا ارتفاع الوظائف 185 ألفًا في مايو الماضي، لكن الأرقام جاءت مخالفه تمامًا لهذه التوقعات مما يشير إلى مشاكل ليست بالقليلة، ربما ستدفع بترامب لاتخاذ خطوة نحو الاتفاق التجاري مع الصين.

المعادن النادرة.. سلاح الصين الفتاك الذي قد يدمر أكبر قطاع أمريكي

يعتبر قطاع التكنولوجيا الأمريكي هو القطاع الاقتصادي الأكبر والأهم حاليًا وأي ضرر لهذا القطاع ستكون تكلفته كبيرة جدًا على الاقتصاد الأمريكي، إذ أن قيمة ستة شركات تكنولوجيا فقط تزيد على 20% من حجم الناتج المحلي للولايات المتحدة الأمريكية، الذي بلغ 20.4 تريليون دولار وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2018، بينما تستحوذ الأسهم التكنولوجية على أكثر من 25% من قيمة مؤشر «إس أند بي 500» الذي يضم أكبر 500 شركة مطروحة أسهمها في «وول ستريت».

هذا القطاع الضخم الآن أمام تهديد صيني كبير، وذلك في ظل الهيمنة الصينية على المعادن الأرضية النادرة، فبكين شبه محتكر في مجال معالجة المعادن، وهذا الأمر يمنحها ميزة ضخمة في محادثات التجارة، ومنذ بدأت الحرب التجارية لم تلجأ الصين لهذا السلاح الذي قد يوصف بالفتاك، إلا أن وسائل إعلام صينية رسمية، لمحت مؤخرًا إلى أن بكين قد تقيد مبيعات المعادن الأرضية النادرة للولايات المتحدة؛ ما أثار مخاوف بشأن دورها كمورد لهذه المعادن.

وتحوي الصين ثُلث احتياطات العالم فقط من المعادن النادرة كما أن 80% من واردات الولايات المتحدة من تلك المعادن، وهي مجموعة من 17 معدنًا تُستخدم في الإلكترونيات الاستهلاكية ذات التكنولوجيا الفائقة والعتاد العسكري، تأتي من بكين، وهو ما جعل أمريكا تستثني واردات المعادن النادرة من زيادات للرسوم الجمركية التي فرضتها على بكين.

وقالت مؤخرًا، الهيئة الحكومية المعنية بالتخطيط في الصين إن بكين ستدرس تشديد الرقابة على صادرات المعادن الأرضية النادرة، وهذه التطورات جاءت بعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لأحد مصانع المعادن النادرة في مايو الماضي، في إشارة ربما إلى قدرة الصين على استخدام مركزها المهيمن مصدرًا للمعادن النادرة.

عمومًا وصول التصعيد إلى المعادن النادرة في الوقت الحالي ليس في صالح الولايات المتحدة الأمريكية لذلك من الضروري أن يتراجع ترامب قليلًا لضمان عودة انتعاش الاقتصاد، وتحقيق أرقام قد تساعده في الفوز بجولة أخرى من رئاسة البلاد.

يشار إلى أن أمريكا والصين كانتا قريبتين جدًا من اتفاق تجاري، إلا أن العلاقات قد تدهورت منذ أن اتهم الرئيس الأمريكي بكين في مطلع مايو الماضي بالتراجع عن التزاماتها بشأن تغيير ممارستها التجارية مع بقية العالم، بالإضافة إلى العقوبات التي فرضتها أمريكا على شركة هواوي، وهو الأمر الذي شكل انهيارًا للتقدم نحو اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والصين.

ولا تزال هناك اختلافات كبيرة حول الكيفية التي ينبغي بها التراجع عن التعريفات بين الدول، وما إذا كانت الأحكام التي تم التفاوض بشأنها يجب أن تكون منصوصًا عليها في القانون الصيني، في حين يقترح الجانبان مواصلة الحديث، إلا أن محللون مثل إدوارد ألدن، زميل مجلس العلاقات الخارجية يشكك في أن هناك مكانًا يمكن أن يتوصل فيه الطرفان إلى اتفاق، إذ يقول: «إذا نظرت إلى المواقف التي اتخذها الجانبان في الوقت الراهن، لا أرى طريقًا للتوصل إلى اتفاق».

الحرب الاقتصادية الأعنف.. الصين لن تخسر بحظر شركة «هواوي» لهذا السبب!

المصادر

تحميل المزيد