أثار دونالد ترامب الكثير من الجدل مرة جديدة في 31 أبريل (نيسان) الماضي، متوعدًا بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، على لسان سارة ساندرز، المسؤولة الإعلامية في البيت الأبيض، التي أفصحت عن مشاورات بين الرئيس (ترامب) وفريق الأمن القومي، وزعماء في المنطقة يشاركونه القلق بحسبها.

منذ أن حطّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رحاله داخل البيت الأبيض، تبنى سياسة خارجية مغايرة لما كانت عليه إدارة سلفه في عدد من القضايا، ومنها علاقة البيت الأبيض الفاترة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، منذ جاء إلى السلطة عبر إطاحة الرئيس المنتخب ديمقراطيًّا محمد مرسي.

بدأ الرئيس ترامب علاقة جديدة وودية مع السيسي، واستقبله في البيت الأبيض أكثر من مرة، وأشاد به وبالعمل الرائع الذي يقوم به في مصر بحسبه، بل وأثنى على حذائه، وبادله السيسي وُدًّا بودّ، ما تجسد في تناغم بينهما على العديد من الأصعدة الداخلية والإقليمية، ومن بين القضايا التي أخذت وقتًا حتى تنضج، بعد أن تأجلت أكثر من مرة في السابق، مسألة تصنيف الإخوان منظمة إرهابية، والتي لطالما كانت على رأس أولويات السيسي في علاقته بالبيت الأبيض.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن إدارة ترامب تضغط لإصدار أمر لتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية أجنبية؛ استجابة لطلب السيسي خلال اجتماع خاص مع ترامب، بعيدًا عن الصحافيين أثناء زيارته واشنطن يوم التاسع من أبريل.

أصدر البيت الأبيض تعليماته لوكالات الأمن القومي والدبلوماسيين لإيجاد طريقة لفرض عقوبات على الجماعة، ورد ترامب على السيسي بالإيجاب، قائلًا إن ذلك الأمر سيكون منطقيًّا، فيما ذكر مسؤولون للصحيفة أن بعض مستشاري ترامب قد فسروا ذلك على أنه التزام من الرئيس.

البيت الأبيض ليس على كلمة رجل واحد

يعد الضغط من أجل فرض عقوبات على جماعة الإخوان المسلمين هي الخطوة الأحدث في العديد من قرارات السياسة الخارجية التي اتخذها ترامب، والتي يبدو أنها تأثرت بتفاهماته مع الزعماء المستبدين دون أن تُفحص أولًا فحصًا كافيًا من الخبراء المتخصصين في الحكومة الأمريكية.

«واشنطن بوست» تكشف كواليس قرار ترامب بتصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية

وكما يقول الكاتب ماكس بووت: إن ترامب يتمتع بسمعة سيئة في تصرفه بناءً على نصيحة آخر شخص تحدث إليه، ولقد انتقل الآن من الاستماع إلى الفنانين الذين يسارعون في الترويج لبرامج الثراء السريع إلى الاستماع إلى الديكتاتوريين الذين يروجون للمخططات الجيوسياسية التي تحاك ليلًا، فهناك عدد من القرارات التي اتخذها ترامب -بحسب بووت- بعد جلوسه مع مستبدين شرق أوسطيين، مثل ما حدث في قرار سحب القوات الامريكية من سوريا، والوقوف إلى جانب حفتر في ليبيا، والتعاون مع الرئيس الروسي، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والآن التحرك لتصنيف الإخوان إرهابية بعد جلوسه مع السيسي.

أثار هذا الاقتراح جدلًا حادًا داخل الإدارة الأمريكية، بما في ذلك اجتماع رفيع المستوى لواضعي السياسات من مختلف الإدارات، عقده مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. وقال المسؤولون إن جون بولتون، مستشار الأمن القومي، ومايك بومبيو، وزير الخارجية يدعمان الفكرة، لكن البنتاجون وموظفي الأمن القومي المحترفين والمحامين الحكوميين والمسؤولين الدبلوماسيين سجلوا اعتراضات قانونية وسياسية، وسعوا جاهدين لاقتراح خطوة محدودة ترضي البيت الأبيض، وفقًا لما نقلته صحيفة الإندبندنت.

هذه الصعوبات القانونية تواجه رغبة ترامب

لا تخلو الخطوة المزمعة من صعوبات قانونية جدية تواجهها الإدارة، وبحسب ستة من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين، والدبلوماسيين الأجانب المطلعين على هذه الخطوة، استطلعت صحيفة نيويورك تايمز رأيهم شريطة عدم كشف هويتهم، يرى العديد منهم أنها تواجه عقبات قانونية وسياسية، وقد يستغرق الأمر أسابيع لحلها، ويجادل محامو الإدارة بقوة بأن المحاكم الفيدرالية ستلغي التصنيف، وأن معايير تصنيف المنظمات الإرهابية ليست مناسبة للإخوان المسلمين، بالنظر إلى أن أعضاءها يدعون إلى مجتمع وفقًا للشريعة الإسلامية، ولا يناصرون العنف بشكل عام.

 

ويرى الكاتب دانييل لاريسون في مقال نشره موقع «أمريكان كونزيرفاتيف» أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية خاطئ وغير قانوني، ويكمن السبب الرئيسي وراء خطأ التصنيف في أن معظم فروع جماعة الإخوان المسلمين لا تشارك في الإرهاب، أو تدعمه بأي شكل من الأشكال، وهي بالتأكيد لا تمثل تهديدًا للولايات المتحدة، وسيكون هذا التصنيف غير قانوني كذلك، إذ إن جماعة الإخوان المسلمين ككل، في عدة جوانب مختلفة، لا تفي بمعايير التصنيف بموجب النظام الأساسي الأمريكي.

ولهذا السبب بحسب لاريسون، وعلى الرغم من ضغوط الحكومات مثل مصر والإمارات فترة طويلة، لم يتم تعيينها حتى الآن تحت أي من الإدارات الثلاث السابقة.

وتتفق الكاتبة ناتاشا باك مع هذا الطرح، وترى أن العقبة الأكبر في تلبية معايير تصنيف الجماعة إرهابية هي أن جماعة الإخوان ليست هيئة واحدة متماسكة، فهناك مجموعات أو أحزاب سياسية في بلدان مختلفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط ترتبط أو تنحدر من جماعة الإخوان المسلمين، ومعظم تلك الأحزاب تنبذ العنف، وعلى هذا النحو، سيكون من الصعب استيفاء التعريف القانوني لتصنيف جميع فروع جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وربما يكون من الأصعب تطبيق هذا القرار.

هل يملك ترامب خياراته أمام الصعوبات؟

أمام تلك المصاعب القانونية تنظر إدراة ترامب في عدة أفكار، ومن بين الأفكار البديلة التي أثيرت:

– محاولة تحديد واستهداف جماعة مرتبطة بالإرهاب، تربطها صلات بجماعة الإخوان المسلمين لم يتم تحديدها بعد، أو قصر التحديد على الفرع المصري؛ لأن هذا هو أكبر مصدر قلق للسيسي.

لكن حتى هذا سيكون مشكلة، فهناك انقسامات في المجموعة وتحديدها ليس بالأمر السهل، وعلى عكس تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو القاعدة، لا يوجد دليل على أن الجماعة المصرية قد دعت، أو وجهت هجمات إرهابية ضد المصالح الأمريكية.

– بموجب خيار آخر، قد يصدر ترامب أمرًا تنفيذيًّا ضد الإخوان باستخدام سلطات الطوارئ الرئاسية. لن تعلن حالة طوارئ جديدة -مثل الحالة التي يحاول ترامب استخدامها لإنفاق المزيد على بناء الجدار مع المكسيك أكثر مما سمح به الكونجرس- ولكن سيتم إرفاق الأمر بحالة الطوارئ الحالية ذات الصلة بالإرهاب، وبهذه الطريقة، يمكن للرئيس أن يعلن أن جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية دون المرور عبر وزارة الخارجية.

أمريكا في خدمة حلفائها.. كيف تفاعل العالم؟

نزلت هذه الخطوة بردًا وسلامًا على كل من مصر والسعودية والإمارات، الحلف الثلاثي الذي جعل من الإخوان وتيار الإسلام السياسي عدوه الأول، فلطالما عملت تلك الدول سرًّا وعلانيةً على تقويض حركة الإخوان حول العالم، وإفشال مساعيها للوصول إلى السلطة، بل واستخدمت تلك الدول كل مقدراتها الدبلوماسية والمالية في واشنطن لتحقيق تلك الخطوة.

مترجم: كيف يستفيد السيسي إذا استجاب ترامب وصنف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية؟

وكما جاء في تقرير لموقع ستراتفور الأمريكي المختص بالشؤون الأمنية، فإن نظر واشنطن في تصنيف الإخوان يوضح تأثير معارضي جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك مصر والإمارات والسعودية وإسرائيل- والذي سيستمر- في البيت الأبيض.

وقال الموقع إن الحكومة الأمريكية، وفي متابعة سياساتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أصبحت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التفضيلات الاستراتيجية لحفنة من الجهات الإقليمية الفاعلة، بما في ذلك السعودية ومصر وإسرائيل.

في المقابل، استنكرت بعض الدول الخطة الأمريكية؛ إذ قال وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إن إيران تنتقد الخطة الأمريكية لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وقال ظريف للصحافيين: «إن الولايات المتحدة ليست في وضع يمكنها من تصنيف الآخرين منظمات إرهابية، ونحن نرفض أي محاولة من جانب الولايات المتحدة في هذا الصدد»، مضيفًا أن الولايات المتحدة تدعم أكبر إرهابي في المنطقة، وهي إسرائيل، بحسبه.

فيما انتقد الحزب الحاكم في تركيا، العدالة والتنمية، التوجهات الأمريكية، معتبرًا أنها سوف تعرقل بذلك جهود إرساء الديمقراطية في الشرق الأوسط، وستخدم جماعات متشددة مثل تنظيم الدولة.

كيف ستضرر الجماعة؟

في أول رد فعل لجماعة الإخوان على التوجهات الأمريكية، شددت الجماعة المصرية على أنها ستواصل العمل السلمي بغض النظر عن تحركات إدارة الرئيس دونالد ترامب، وقالت الجماعة إنها «ستظل أقوى من أي قرار».

لكن ستتعرض الجماعة ومنتسبوها والشركات التابعة لها لعقوبات اقتصادية، وحظر سفر حال تنفيذ القرار، وهو ما سيمثل ضربة قوية للجماعة في وقت تعاني فيه من مشاكل في عدة دول، وليس أمام الجماعة حال صدور القرار إلا مواجهته قانونيًّا، وسيكون خيار اللجوء إلى المحاكم الفيدرالية الأمريكية لإلغاء القرار هو الخيار الأقرب في الوقت الحالي.

 

وفي رأي بعض المحللين الغربيين فقد تتفاقم مشاكل الشرق الأوسط إذا صدر هذا القرار والذي يبدو أن دوافعه واضحة، ولكنها لا تزال تهدد بإغراق أمريكا ومعظم العالم الذي قد لا يزال يتطلع إلى شرق أوسط سلمي وديمقراطي في دوامة أخرى من الكراهية والانقسام، فبضربة واحدة، سيدعم ترامب مباشرة نفس المجموعة الصغيرة من ديكتاتوريي الشرق الأوسط الذين أقام معهم روابط صداقة قوية.

وبحسب المفكر الفرنسي اليساري آلان جريش فإن محاولة تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، لا يمكن تفسيره إلا كجزء من حرب غربية عامة على المسلمين والديمقراطية في المنطقة، موضحًا أن الإخوان ليسوا منظمة سرية وإنما منظمة لها آلاف وملايين المؤيدين والأتباع في العالم العربي، وكلما قامت انتخابات نزيهة فازوا بثلثها على الأقل.

هل تصنيف الإخوان جماعة إرهابية عربون لصفقة القرن؟

يوشك الرئيس الأمريكي على الكشف عن خطته للسلام في الشرق الأوسط والمعروفة بصفقة القرن، والتي يتوقع إعلانها بعد رمضان في أوائل يونيو (حزيران)، وتنطوي تلك الخطة، وفق بعض التسريبات الصحافية، على الكثير من التنازلات التي سيقدمها العرب مقابل الحصول على بعض الحوافز، وقد يكون من بين تلك الحوافز تحقيق المطلب الذي طال انتظاره من قبل دول لها أدوار رئيسية في الصفقة مثل السعودية ومصر، وبالتالي فإن توقيت الإعلان عن هذه الخطوة يقدم حافزا لتلك الدول لتمرير الصفقة أو لعب دور رئيسي لإقناع رافضيها.

 

في المجمل، فإن إدراج جماعة الإخوان المسلمين على القائمة السوداء بوصفها منظمة إرهابية، قد يزيد من زعزعة استقرار العالم العربي، وسيؤدي بلا شك لتصعيد القمع ضد جماعة الإخوان المسلمين، وقد يدفع بعض أتباعها بالاتجاه أكثر نحو الجماعات المتشددة في نظر العديد من المحللين الغربيين.

ومع ذلك فالدرس الأبرز الذي يفترض أن الجميع -رؤساء أو مرؤوسين، خبراء أو مسؤولين- تعلمه في السنوات الماضية هو أن لا شيء مضمون، وأن ما تملكه الآن قد تفقده غدًا في ظل حالة عدم اليقينية التي تكتنف المنطقة، والتي يصبح فيها غير الممكن أمرًا واقعًا بين عشية وضحاها، غير أن الحكيم قد يُبصر أين يخطو قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها.

المصادر

عرض التعليقات
s