«كنا نعطيهم 500 مليون دولار. كنا نمنحهم معوناتٍ هائلة، ندفع لهم مبالغ مالية هائلة. لن ندفع لهم بعد الآن؛ لأنهم لم يفعلوا شيئًا لنا». كانت هذه كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارةٍ له إلى فلوريدا يوم الجمعة؛ إشارةً لنيته قطع الدعمِ عن ثلاثِ دولٍ في أمريكا الوسطى، وحرمانها من برنامج المساعدة الأجنبية بالكامل، وهو ما أُعقِبَ ببيانٍ لوزارة الخارجية في اليوم التالي يؤكد هذه الخطوة. ما الذي فعلته هذه الدول الثلاث لتتلقى تلك القرارات؟ وماذا سيترتب على قطع المعونات؟

ترامب لا يحب «الطيور المهاجرة»

لا يخفي الرئيس الأمريكي عداءه للمهاجرين من مختلف بلدان اللجوء ويقوم خطابه السياسي على شيطنة المهاجرين منذ حملته الانتخابية التي وعدت بجدار المكسيك وحظر المسلمين من دخول الولايات المتحدة، لكن بدأ نصيبٌ كبيرٌ من ذلك الخطاب يطال بلدان: غواتيمالا، والهندوراس، والسلفادور، بعد انطلاق آلافٍ من أبنائها في قوافل هجرةٍ العام الماضي باتجاه الولايات المتحدة والمكسيك.

وقد أعلنت إدارة ترامب في شهر مايو (أيار) 2018 قرار إنهاء «برنامج الحماية المؤقتة» لمهاجري الهندوراس، مع منحهم مهلة 18 شهرًا للمغادرة منذ موعد القرار، الأمر الذي يعني تعرّض نحو 57 ألفًا لخطر الترحيل من فئةٍ وصل معظمها إلى الولايات المتحدة قبل عقدين عقب إعصار ميتش الذي ضرب هندوراس عام 1998.

وكان هذا القرار الأخير من سلسلة قرارات اتخذها ترامب لإنهاء وضع الحماية المؤقتة المخصص للاجئين بعد كوارث طبيعية أو صراعات عنيفة منعتهم من العودة الآمنة إلى أوطانهم؛ ما يغطي مهاجرين من بلادٍ متعددة أبرزها: هندوراس، والسلفادور، وهاييتي، ونيبال.

في الشهر نفسه وصف ترامب مهاجرين غير شرعيين بـ«الحيوانات» في سياق لقاء له مع مسؤولين في ولاية كاليفورنيا، وكان الحديث يدور حول بلديات الولاية غير المتعاونة مع إدارة الهجرة في الحكومة الفيدرالية ليعقب ترامب: «لا يمكنكم تخيل مدى سوء هؤلاء الأشخاص. هؤلاء ليسوا بشرًا، بل حيوانات».

كما استهدفت تغريدات ترامب النارية على «تويتر» قوافل المهاجرين بشكلٍ يوميّ أحيانًا عادًا إياها «حالة طوارئ قومية»، ومع الحقائق والأرقام المغلوطة التي كثيرًا ما يكررها – رغم كل التفنيدات الرسمية والإعلامية – لها إلا أن إحدى أكثر حجج ترامب المفضلة تتمثل في اتهامه قوافل المهاجرين باحتوائهم على مجرمين وتحديدًا عناصر عصابة «مارا سالفاتروتشا» أو «MS-13ا» اختصارًا – وهي من بين العصابات الأكثر عنفًا ووحشية في الولايات المتحدة، وأسسها مهاجرون سلفادوريون في أواخر سبعينات القرن الماضي في لوس أنجلس بهدف حماية المهاجرين السلفادوريين من العصابات الأخرى الموجودة آنذاك.

وقد اتخذت إدارة كلينتون إجراءات صارمة ضد العصابة لتفكيكها والحدّ من نفوذها وتابعت السلطات المحلية والاتحادية عملياتها ضدها إلى أيام رئاسة أوباما. علاوة على ذلك يتهم ترامب تلك القوافل بأنها تضم مزيجًا من مجرمين وشرق أوسطيين مجهولين، لكن ما حقيقة هذه القوافل؟

قافلة المهاجرين تتحدى ترامب.. قصة آلاف الفقراء الواقفين أمام أسوار أمريكا

بحثًا عن حياة

انطلق الآلاف من المهاجرين في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2018  في قوافل وتجمعاتٍ سيرًا على الأقدام من الهندوراس والسلفادور وغواتيمالا باتجاه المكسيك والولايات المتحدة، أملًا في إيجاد حياةٍ أفضل هناك والنجاة من أعمال العنف والأوضاع الاجتماعية والأمنية السيئة التي يعانون منها في بلادهم الأصلية.

ويتعرض المهاجرون من أمريكا الوسطى لشتّى أشكال المخاطر والاستغلال وتهديدات العصابات الإجرامية وتجار البشر أثناء عبورهم المكسيك، ولذا يلجأون للسير الجماعي، رغم بقاء التهديدات والتحديات الإنسانية التي تتعرض لها القوافل بما في ذلك عوز الأدوية والمياه والصرف الصحي والغذاء والمأوى وغيرها من ظروف صحية وإنسانية رديئة.

وكانت أول قافلة من هذا النوع تجذب الانتباه الإعلامي مكونة من رجال ونساء وأطفال ارتحلوا سوية في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي من تلك البلدان عابرين المكسيك، وأكمل بعضهم إلى حدود الولايات المتحدة، لكن أخبار تلك القوافل انقطعت، وبدت كما لو أنها تلاشت، أو انتهت. يُرجّح رئيس «معهد سياسات الهجرة» أندرو سيلي تفرقها إلى مجموعات صغيرةٍ؛ لأن التجمعات الكبيرة نافعة في زيادة الأمان أثناء التجول في المكسيك، لكنها ليست حلًا عمليًا لدخول الولايات المتحدة.

أثارت هذه القوافل ضجةً إعلامية وسياسية واسعة، ما حدا بـ«وزارة الأمن الداخلي» الأمريكية بعدّها «أزمةً غير مسبوقة على حدودنا الجنوبية»، لكن تقول الأرقام ـ في روايةُ مختلفة ـ أنه قد اُعترض 400 ألف مهاجر غير شرعي عام 2018، مقابل أكثر من 1.6 مليون عابر غير شرعي للحدود اعتُرض عام 2000، و1.3 مليون عام 2001 (أي أن المهاجرين في عام 2018 رُبع أقرانهم في 2000)، كما تُشير بيانات أدلى بها «معهد بروكينغز» عام 2017 إلى انخفاضٍ حاد في الهجرة اللاتينية منذ 2010.

إلا أن الفارق بين هجرتي 2000 و2018 أن الأولى كانت أغلبها من رجالٍ عزّاب وبالغين، فيما تعجّ القوافل اليوم بالعائلات والأطفال بعضهم لا يصحبهم أحدُ من ذويهم الذين قدّرهم مفوض الجمارك وحماية الحدود الأميركي كيفن ماكالينان بأكثر من نصف المهاجرين، مصرحًا بأن الجمارك والحدود تنقل يوميًا أكثر من 60 مهاجر إلى المستشفى.

تُخبرنا صور القوافل المهجّرة بمدى سعي أشخاصها واستماتتهم عن مدى سوء الأحوال التي يفرّون منها إذًا في بلادهم الأصل. تتماثل دول غواتيمالا والهندرواس والسلفادور بالأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية الرديئة، وتتناوب على تصدّر قوائم أكثر الدول عنفًا ومعاناةً.

تجد الهندوراس موقعها بين أفقر الدول في العالم، إذ يعاني أربعة من كل ستة منازل من الفقر المدقع ووفقًا لأرقام «البنك الدوليّ» فإن ما يقرب من ثلثيّ الهندوراس ـ نحو  5.5مليون شخص ـ يعيشون الفقر، فيما يسيطر الفقر المدقع على خمس الهندوراسيين في الريف.

تعاني الهندوراس أيضًا من سطوة العصابات والعنف المسلح، إذ تصنّف مدينة سان بيدرو سولا ـ ثاني أكبر مدن الهندوراس ـ ضمن أخطر مدن العالم لسنوات. ووفقا لـ«وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» و«اليونسيف» فإن عنف العصابات في هندوراس والسلفادور وغواتيمالا سبب رئيسي وراء فرار مئات الآلاف من الناس وأطفالهم من ديارهم في كل عام.

وتعد الهندوراس من بين أعلى معدلات وفيات العنف وجرائم القتل في العالم وفقًا لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، حيث تعاني البلاد من عنف العصابات وحروب المخدرات والفساد بشكلٍ تماثل معدل الوفيات في بعض أحيائها المعدلات السائدة في البلدان التي تخوض حروبًا.

كيف سيؤثر القرار على حركة الهجرة من تلك البلدان؟

بالإضافة إلى المعدلات العالية لجرائم القتل والعنف والفقر، تعد السلفادور واحدةً من أخطر الأماكن في العالم على المرأة، فينتشر قتل الإناث كحقيقةً يومية تُقابل بالإفلات من العقاب والتسامح من قبل السلطات والشرطة ما يرفع من معدلات جرائم قتل النساء أكثر وأكثر.

فضلًا عن ذلك تعاني النساء من «قانون منع الإجهاض» شديد الصرامة المفروض منذ عام 1999، وبناءً عليه يمكن توجيه تهمة القتل المشدد على من تتهم بالإجهاض ليُحكم عليها بمدةِ سجنٍ تصل إلى 50 عامًا. يقابل هذا القانون انتشار حالات الانتحار بين المتعرضات للاغتصاب وخاصة المراهقات الحوامل اللواتي لا يجدن خيارًا أمامهنّ غير ذلك.

وأظهرت إحصاءات حكومية عام 2014 أن ثلاثة من بين كل ثماني حالات وفاة للأم الحامل في السلفادور تأتي نتيجة للانتحار بين فتيات حوامل تقل أعمارهن عن 19 عامًا. ويتحدث تقرير نُشر في «ذي أتلانتك» شهر مارس (آذار) عام 2018 عن استهداف عصابات السلفادور الفتيات الصغيرات خاصةً بالاغتصاب والضرب والقتل، وتُظهر بيانات صادرة عن «منظمة الصحة العالمية» في العام نفسه ارتفاعًا حادًا في معدلات قتل الشابات في السلفادور، إذ يؤدي رفض الفتيات أو ممانعتهن إلى قتلهن وعائلاتهنّ.

وضعت برامج المعونات في الدول الثلاث لمعالجة «الأسباب الجذرية للعنف» بهدف تعزيز الفرص والأمن لمواطني تلك الجول وفقًا لمؤسسة الائتلاف الأمريكي للقيادات العالمية، وقد يؤدي إيقاف هذه البرامج ومنع المساعدات إلى أثرٍ معاكس لما تريده إدارة ترامب مؤديًا لتدهور الأوضاع بشكلٍ أكبر ومضاعفة تدفق الهجرة، لا سيما عند الوضع بعين الاعتبار أن الدوافع الاقتصادية هي دافع الهجرة الوحيد الذي يعلو دافع الفرار من العنف وفقًا لـ«مركز دراسات الهجرة».

وفيما تصف صحفٌ قرار قطع المعونات بواحدةٍ من «أقسى الخطوات» التي أقدم عليها ترامب حتى الآن في هذا المجال، لكن تقرير سابق لخبراءٍ من الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نفى جدوى سلسلة القرارات هذه برمتها في مكافحة الهجرة متنبئًا بأن تلك القوافل «لن تكون الأخيرة إلا إذا جرى تحسين الوضع الذي يفر منه المهاجرون».

ترامب يتنفس الصعداء أخيرًا.. ما يجب أن تعرفه عن نتائج تحقيقات مولر

المصادر

تحميل المزيد