دولة أخرى عربية تقرِّر مباشرة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل. فقد أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في سلسلة تغريدات، موافقة المغرب على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مباشرة بعد إعلانه اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية التي عرفت نزاعًا طويلًا بين المغرب و«جبهة البوليساريو».

وقد غرَّد الرئيس ترامب مُعلنًا الاتفاق الأمريكي الذي تعترف فيه الولايات المتحدة بمغربية الصحراء مُقابل تطبيع المغرب مع إسرائيل قائلًا: «اليوم، وقَّعت مرسومًا يعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. مقترح المغرب بالحكم الذاتي الجاد والمقبول والواقعي هو القاعدة الوحيدة لحلٍّ دائم من أجل السلام والازدهار».

وغرَّد الرئيس الأمريكي: «إنجاز تاريخي آخر اليوم، صديقانا الرائعان: إسرائيل والمملكة المغربية اتفقا على علاقات دبلوماسية كاملة، اختراق كبير للسلام في الشرق الأوسط»

وأضاف ترامب: «المغرب اعترف بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1777. لذلك من اللائق أن نعترف بسيادتهم على الصحراء الغربية».

وبهذا القرار تصبح المغرب رابع دولة تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل هذه السنة، وذلك بعد كل من الإمارات والبحرين، اللتيْن وقعتا على الاتفاق المسمى «عقد إبراهام» في أغسطس (آب) الماضي، ثم تبعهم السودان بعد ذلك في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. في الأسطر القادمة نحاول الإجابة على خمسة أسئلة، توضِّح تفاصيل الاتفاق وانعكاساته الإقليمية.

1- ما حيثيات الاتفاق؟

في تصريح لوزير الخارجية المغربي. ناصر بوريطة، قال إن: «ما فعله الرئيس في هذا المرسوم الرئاسي هو تأكيد أن الولايات المتحدة ستفتح قنصلية في مدينة الداخلة (الواقعة في إقليم الصحراء الغربية) قريبًا، وما قاله هذا المرسوم الرئاسي كذلك أن مقترح الحكم الذاتي هو الحل «الوحيد» لهذا النزاع الإقليمي، هذا إذًا تحول مهم في مسار هذه القضية، على اعتبار أن من قال ذلك هي القوة العظمى وعضو مجلس الأمن، والفاعلة المؤثرة على المستوى الدولي، تأتي اليوم وتقول إن الصحراء مغربية، وبأن المغرب يبسط سيادته كاملة على كل تراب الصحراء المغربية».

وجاء في تصريحات وزير الخارجية المغربي أن الاتفاق يشمل ربط الخطوط الجوية المباشرة بين المغرب وإسرائيل، وإعادة فتح مكتب الاتصال الذي فتح في 1994 (أغلق في 2002 في سياق الانتفاضة الفلسطينية الثانية). 

وبرَّر وزير الخارجية المغربي قرار إقامة العلاقات مع إسرائيل من خلال تأكيد «خصوصية» السياق المغربي، من خلال الإشارة إلى وجود عدد كبير من اليهود المغاربة يعيشون في أراضيه، بالإضافة إلى وجود «700 ألف مغربي يعيش في إسرائيل» حسب قوله، وأشار إلى كون الملك المغربي «أميرًا للمؤمنين» هو ما يخلق علاقة خاصة بين الملك واليهود المغاربة، حسب المتحدث. 

كما أكد أن المغرب متمسِّك بالثوابت، وهي حل الدولتين، وعربية القدس، والتفاوض الفلسطيني الإسرائيلي من أجل السلام، وأضاف أن المغرب كان تاريخيًّا «سبَّاقًا» للسلام، وأن المغرب كان يستعمل علاقته مع إسرائيل ومع الجالية اليهودية المغربية من أجل السلام في الشرق الأوسط. 

2- من هم أكبر المتضررين؟ 

الصحراء الغربية هي إقليم شهد نزاعًا طويلًا بين المغرب و«جبهة البوليساريو» وبقي محتلًّا من طرف إسبانيا إلى غاية سنة 1975؛ وقد اندلع النزاع المسلَّح بين الطرفين بعد مغادرة الاحتلال الإسباني، فبينما تؤكِّد الجبهة حقَّ الصحراويين في إقامة دولتهم المستقلة، يؤكِّد المغرب سيادته على الإقليم طوال تاريخه.

وتدعم الجزائر جبهة البوليساريو سياسيًّا وماليًّا، كما تستقبل على أراضيها مخيَّمات للنازحين الصحراويين منذ السبعينيات. وقد استمرَّ القتال بين الطرفين منذ سنة 1976 إلى غاية 1991، حين وقَّع الطرفان على اتفاقية وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، على أن يحلَّ النزاع من خلال بعثة دولية تسمى «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية» (المينورسو). وتكمن أهمية الإقليم في احتوائه على موارد طبيعية كبيرة؛ إذ يملك احتياطات فوسفات من بين الأكبر عالميًّا، بالإضافة للنفط والغاز والملح وثروة حيوانية وبحرية كبيرة، جعلته محطَّ أطماع القوى الإقليمية خلال أربعينيات القرن الماضي.

ويأتي هذا القرار ليُضعف أكثر «جبهة البوليساريو» التي تطالب باستقلال الصحراء، خصوصًا في هذا التوقيت الحساس بعد أسابيع قليلة من الصراع المسلَّح بينها وبين المغرب في منطقة الكركرات الحدودية، وهو السبب الذي جعل الحركة تُعلن انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار، وشروعها في استئناف الأعمال المسلحة ضد المغرب؛ وقد جاءت العديد من ردود الفعل العربية والدولية مؤيدة لعمليات المغرب المسلحة ضد الحركة الصحراوية.

وقد ذكر يوسي ميلمان، الكاتب الإسرائيلي في صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية، أن جزءًا من الاتفاق لإعادة العلاقات الإسرائيلية مع المغرب قد يعني تقديم مساعدات عسكرية واستخباراتية إسرائيلية للمغرب ضد «جبهة البوليساريو» المدعومة من الجزائر. 

بالإضافة إلى ذلك، فقد شهدت الآونة الأخيرة إعلان الكثير من البلدان فتح قنصليات وتمثيليات لهم مع المغرب في إقليم الصحراء الغربية، من بينها الإمارات والأردن، وعدد من الدول الأفريقية؛ وهو ما أدانته الحركة، ويأتي إعلان المغرب أن الولايات المتحدة ستفتح قنصلية لها في بلدة الداخلة الواقعة في الإقليم الصحراوي ليعزِّز ممَّا يسميه المراقبون «دبلوماسية القنصليات»؛ إذ يحثُّ المغرب شركاءه الدبلوماسيين على افتتاح قنصليات في إقليم الصحراء من أجل تأكيد مغربيته في الساحة الدولية. 

الجزائر بوصفها أكبر الداعمين لجبهة البوليساريو تعد أيضًا أكبر الخاسرين من القرار الأمريكي بالاعتراف بمغربية الصحراء؛ فقد دعمت الحكومة الجزائرية «جبهة البوليساريو» منذ السبعينيات بالسلاح والأموال، بالإضافة إلى مساعدتها سياسيًّا في المحافل الدولية، واستضافة مخيَّمات اللاجئين الصحراويين في الأراضي الجزائرية، وفتح مكاتب للجبهة في الجزائر، كما يدرس العديد من الصحراويين في جامعاتها.

عربي

منذ سنة واحدة
تاريخ الصحراء الغربية.. قصة خلاف عمره 44 عامًا بين المغرب والبوليساريو

وكانت الجزائر في مواقفها الرسمية متمسِّكة بما تسميه «حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره»، وبوصف الوجود المغربي في الإقليم «آخر استعمار في القارة الأفريقية». ويأتي هذا القرار الأمريكي ليشكِّل تغيُّرًا ضخمًا في الموقف الأمريكي؛ إذ كانت دبلوماسية الولايات المتحدة دائمًا تحافظ على التوازن في العلاقات بين المغرب والجزائر، وتدعو إلى حل القضية الصحراوية من خلال مسار الأمم المتحدة.

3-ما انعكاسات الصفقة على القضية الفلسطينية؟

ويعد تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل ضربة جديدة للقضية الفلسطينية، فبعد كل من الإمارات والبحرين والسودان؛ جاء الإعلان المغربي ليزيد عدد الدول العربية المعترفة بإسرائيل، وليصبح المغرب أول دولة في المنطقة المغاربية تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل على هذا المستوى.

هنا تنبغي الإشارة إلى أن العلاقات بين إسرائيل والمغرب تعود إلى فترة الستينيات على الأقل، وكان لجهاز الموساد حضور في الساحة السياسية المغربية؛ إذ تتهم المعارضة المغربية منذ وقت طويل جهاز المخابرات الإسرائيلي باغتيال معارضين مغاربة لصالح القصر الملكي، بالإضافة إلى التعاون على المستوى التجاري والسياحي ولقاءات على أعلى مستوى؛ إذ كان الملك الراحل الحسن الثاني قد استقبل شمعون بيريز في المغرب سنة 1986، كما كان المغرب أحد الأطراف المنسقة في اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل سنة 1978.

الملك السابق الحسن الثاني والرئيس الإسرائيلي السابق بيريز

وكان المغرب قد فتح مكتب اتصال مع إسرائيل سنة 1994، جرى إغلاقه في سنة 2002 في سياق الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وأكَّد المغرب، على لسان وزير خارجيته، أن هذا الاتفاق لا يمسُّ بثوابت القضية الفلسطينية، وهي: حل الدولتين، والتفاوض بوصفه آلية للوصول إلى السلام، بالإضافة إلى عربية القدس. وقد اتصل الملك المغربي محمد السادس برئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس؛ ليؤكد له التزامه بهذه الثوابت، حسب وزير الخارجية.

4-ما موقف المغاربة من الصفقة؟

وبعد الصفقة بين النظام المغربي والولايات المتحدة وإسرائيل، تتوجَّه الأنظار نحو الداخل المغربي لمعرفة رد فعل الشارع تجاه قضية التطبيع مع إسرائيل. وقد جاءت العديد من ردود الأفعال الشعبية رافضة للتطبيع، إذ تصدَّر وسم #مغاربة_ضد_التطبيع، ووسم #التطبيع_خيانة على «تويتر» قائمة الوسوم في المغرب، كما غرَّد العديد من النشطاء رافضين لهذا القرار، واعتبروا أنه من الخطأ المساواة بين ما وصفوها بـ«قضية وطنية عادلة» مع قضية استعمارية.  

 

 

من جهتها أعلنت حركة العدل والإحسان، كبرى الحركات المعارضة، رفضها للتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ونشرت صفحتها على «فيسبوك» بيانًا أدانت فيه الخطوة وأشادت بموقف المغاربة الرافض للتطبيع، ودعت كل الهيئات الحقوقية والحزبية لإدانة الاتفاق، كما دعت للاحتجاج السلمي ضد الاتفاق؛ حسبما جاء في البيان. 

الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة تعلن موقفها الرافض لإعلان المغرب تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الصهيوني.

Posted by ‎العدل والإحسان‎ on Friday, 11 December 2020

 

5- هل سيحافظ بايدن على الصفقة؟

لم تبق سوى أيام معدودة للرئيس ترامب في البيت الأبيض؛ إذ ستنتهي عهدته رسميًّا في العشرين من يناير  2021، وتبدأ عهدة الرئيس الجديد جو بايدن؛ وهو ما يطرح التساؤل إن كان الرئيس الجديد سيحافظ على هذه الصفقة مع المغرب.

لم يعلن الرئيس الأمريكي المنتخب، بايدن، أي موقف من هذه الصفقة، ولا وزير خارجيته أنتوني بلينكن، ولكن وزير الخارجية القادم كان قد عمل في إدارة الرئيس أوباما نائبًا لوزير الخارجية، وكان قد أكَّد في تصريحات له لوكالة الأنباء الجزائرية سنة 2016، تمسُّك الولايات المتحدة بمسار الأمم المتحدة لحلِّ القضية الصحراوية. 

هنا تنبغي الإشارة إلى أن الصفقة مع المغرب كانت من هندسة صهر الرئيس ترامب ومستشاره المقرَّب، جاريد كوشنر، وليس وزارة الخارجية الأمريكية، وهو الذي كان وراء مشروع «صفقة القرن» من أجل تصفية القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى «اتفاق أبراهام» الذي طبَّعت بموجبه الإمارات والبحرين مع إسرائيل.

بالتالي فكونَ الصفقة جاءت خارج إطار مؤسسة وزارة الخارجية – إذ لم يصدر أي بيان من الخارجية الأمريكية حول الاتفاق أو حول فتح قنصلية في مدينة الداخلة – وبالأخذ بعين الاعتبار أن هذا الموقف الذي اتخذه الرئيس الذي شارفت ولايته على الانتهاء يشكِّل تغييرًا كبيرًا في الموقف الأمريكي الكلاسيكي المتمسِّك بالحل الأممي وببعثة المينورسو؛ فإن الأنظار تتجه إلى الرئيس بايدن وقراره المرتقب بالحفاظ على هذا الإرث الدبلوماسي الذي تركه ترامب، أم التخلِّي عنه لصالح الموقف الأمريكي التقليدي.

المصادر

تحميل المزيد