في يوم الثلاثاء العظيم، أحد أهم الأيام الأولية للانتخابات الرئاسية الأمريكية، الأول من مارس (آذار) الحالي، قام أحد أعضاء فريق «SoFlo» للتجارب الاجتماعية، بالنزول إلى شوارع لوس أنجلوس، وإجراء تجربة شديدة الأهمية والطرافة: سيحمل هذا الشاب ملصقًا دعائيًا عليه صورة مرشح الحزب الجمهوري الملياردير دونالد جون ترامب، بالإضافة إلى مجموعة من المقولات المنسوبة إليه، التي ليس بها أي منطق، أو تخالف كل فطرة بشرية, وترامب أحد أشهر من يثير الجدل بتصريحاته المتطرفة دائمًا، وسيوقف الشاب بعض مؤيدي ترامب في الشوارع، ليسألهم عن رأيهم في هذه الكلمات وليرى ردود أفعالهم.

كانت المقولات مدهشة! مثلًا: «كم هي محظوظة هذه الحكومات التي تحكم شعوبًا لا تفكر»، والتي عندما قرأها الشاب على أحد المؤيدين، رد عليه قائلًا: «عندما تنظر إلى الحزب الديموقراطي ومؤيديه فإنهم يثبتون هذا، ولذلك أنا أؤيد ترامب»، وقالت له مؤيدة أخرى: «إنه رجل ذكي ويحصل على تأييد العالم بقوته، لديه أموال كثيرة ونفوذ هائل اكتسبه من إمبراطوريته»، ثم قرأ الشاب على مؤيد ثالث اقتباسًا نصه: «الإنسانية هي التجسيد التام للغباء والجُبن»، ثم ارتجل وأضاف أن الجملة منطقية؛ لأن ترامب يدعم الحرب ويريدنا أقوى دولة في العالم، فهز المؤيد رأسه مؤمِّـنًا وقائلًا: «نعم أظن ذلك».

مقولة ثالثة نصها: «من قال إنني لست تحت حماية خاصة من الله!»، لترد المؤيدة أعلاه «لو كان ترامب ملحدًا فليس لديّ أدنى مشكلة مع ذلك»، وهي الإجابة التي ليس لها أي علاقة بأي شيء. ولأن عضو الفريق كان يدخر الأفضل للنهاية، فقد قرأ عليها اقتباسًا شديد التطرف نصه:«الكاذبون المهرة هم سَحَرَةٌ مهرة»، وهنا توقفت الفتاة قليلًا عن الكلام، مكتفية بالتعجب ثم قالت: «ترامب سيكذب على أي حال، لكنه سيكون كذب لدعم أمريكا، ستكون كذبات جيدة»!

بعد ذلك سأل عضو الفريق المؤيدين سؤالًا واضحًا عمّا إن كانوا يدعمون كل هذه المقولات التي صرح بها ترامب، وأتت ردود الجميع بالتأييد المطلق، لكنه وقبل أن يترك كل شخص، لم ينس أن يخبرهم بمعلومة بسيطة، وهي:«ترامب لم يقل ذلك، وكل تلك المقولات صرح بها شخص آخر، رجل اسمه أدولف هتلر»!

https://www.youtube.com/watch?v=5NzhQWcc7h4

سنترك ترامب ولوس أنجلوس قليلًا، وسنذهب إلى الماضي، وتحديدًا في أواخر العام 1942، ومكانًا إلى الجنوب الشرقي، وتحديدًا الصحراء الغربية المصرية في الشمال الإفريقي. في هذا العام هُزمت قوات المحور في الحرب العالمية الثانية أمام الحلفاء في معركة العلمين الثانية، هذه الهزيمة تصنف على أنها بداية الطريق المؤدي إلى انهيار الدولة النازية عسكريًا، وبالتالي بشكل كامل، بعد ما لاقته قوات المحور، بدأ زعيم الرايخ الثالث أدولف هتلر، بالتدخل في وضع التكتيكات العسكرية واتخاذ القرارات الحربية على الأرض، والتي هي في المعتاد من اختصاص قيادات الجيوش النازية العليا، لكنه ومنذ الهزيمة فقد الثقة فيهم.

ما يهمنا هنا أن قراراته الخاطئة وعدم إلمامه الكامل بالتكتيكات والاستراتيجيات الحربية، أديا إلى واحدة من أسوأ الهزائم التي نالها جيش حربي في التاريخ، في معركة ستالينجراد، والتي أفنى فيها قوات الحلفاء، الجيش السادس النازي بأكمله تقريبًا.

كانت نتائج ستالينجراد مخيفة: أكثر من 200 ألف جندي قتلوا، وأَسرَ الحلفاء ما يقارب الربع مليون جندي آخر، من بينهم أكثر من تسعين ألف نازي، ولم ينج من المذبحة والأسر إلا ستة آلاف فقط. ربما كان هذا زمنًا صعبًا، وفي أتون حرب عالمية شاملة، مع الوضع في الاعتبار نظام هتلر الأمني شديد القوة بجناحيه بيت الثعالب والجستابو، ولذلك لا يُتوقع للألمان أن يثوروا عليه مثلًا، لكن هزيمة كهذه في أي مكان آخر في العالم، كانت كفيلة بتأليب كراهية الملايين لرأس النظام الذي يحكمهم، وهذا لم يحدث، وبالرغم من ذلك فقد استمرت شعبية هتلر وحب الكثيرين له من الجنود قبل العامة!

في أحد الكتب الشهيرة نسبيًا للبروفيسور عمر بارتوف، أستاذ التاريخ والدراسات الألمانية بجامعة براون، وعنوانه «جيش هتلر»، مقاطع من مذكرات لبعض الجنود الألمان كتبوا فيها ردود أفعالهم، وما بأنفسهم، عندما سمعوا بانتحار هتلر، أحد الجنود، ويدعى ديتربوركوسكي، كتب بأن ما سمعه يجعله مريضًا وعلى وشك التقيؤ، وأنه لا يرى أي فائدة للاستمرار على قيد الحياة بعد ما حدث، وأن الحياة أصبحت بالنسبة له بلا قيمة، وأن الروس لم يهزموا النازيين إلا عندما أطلق هتلر النار على رأسه.

كذلك أشار البروفيسور إلى مذكرات الطيار الألماني هانز أولريتش، التي نشرت بعد الحرب بخمس سنوات، وقال فيها: «سنواصل القتال بالرغم من التأثير المذهل لانتحار الفوهرر على الجنود»، وعلى الرغم من الكوارث المتواصلة ومن الانهيار الألماني المتتالي بسبب قراراته، بدت شعبية هتلر وإيمان الجنود به بلا مساس حتى موته وما بعد ذلك.

كيف يستطيع أحد ما أن يصل بالناس لمخالفة كل منطق ممكن، وتصديق كل شيء يتفوه به، مهما كان متناقضًا أو يخالف تقاليد وأعراف البشر بأي شكل؟، وكيف تصدق الشعوب، الديكتاتوريين وتؤيدهم عن حُب؟

ألعاب العقل

في إحدى حلقات برنامج «ألعاب العقل»، الذي ينتجه تلفاز«ناشيونال جيوغرافيك»، أقيمت تجربة فريدة من نوعها: أتى منتجو البرنامج بممثل كوميدي غير معروف نسبيًا يدعى جاي بينتر، ليلعب دور مراسل تلفزيوني، ثم قسموا التجربة لقسمين: في المرة الأولى ارتدى جاي بذلة رسمية، واصطحب معه مصورًا بكاميرا محمولة، ثم ذهبا إلى أحد الأسواق التجارية الكبرى في ولاية نيوجيرسي، وبدأ جاي في إجراء مقابلات سريعة مع بعض المارة والمتسوقين، وقدم لهم نفسه على أنه مراسل لبرنامج شهير بشكل جاد، ثم بدأ الأسئلة.

Untitled

كانت الأسئلة مدهشة في عدم منطقيتها ولا تصلح لخداع طفل صغير، أحد الأسئلة التي وجهها جاي للناس كان: «أعلنت ولاية تكساس هذا الصباح انسحابها من الولايات المتحدة واستقلالها، ما رأيك في هذه الخطوة؟»، وسؤال آخر نصه: «الحكومة ضاعفت الرشوة المنتظمة المقدمة لأعضاء مجلس الشيوخ، من خمسة آلاف دولار، إلى عشرة آلاف، ما رأيك في ذلك؟» أما السؤال المغرق في الكوميديا، فقد كان: «الحكومة تهدر أموال الضرائب بالكلية، لأنها بدأت عملية بحث مكثفة عن الموتى الأحياء (Zombies)، هل تؤيد هذه الخطوة؟»

ما سيطرأ على بالك الآن أن الأسئلة مزيفة تمامًا ولن يأخذها أحد بجدية، الحقيقة أن العكس ما حدث، لقد تفاعل الناس بجدية تامة، وأبدوا رضاهم عما فعلته تكساس واستقلالها، ماعدا شخص واحد اعترض قائلًا: إن الوقت غير مناسب لهذه الخطوة، واعترضوا على رفع الرشوة إلى الضعف بدون أي ذكر أو اعتراض على أساس السؤال، وهو لفظ «رشوة» لعضو في حكومة. أما سؤال الموتى الأحياء، وعندما ألقاه جاي على أحد من قابلهم، رد عليه بـ«أظننا جميعًا نسير في الاتجاه الخطأ»، وعندما أخبره جاي أن هناك أربع هجمات للموتى الأحياء وقعت هنا في نيوجيرسي، قال الرجل «لابد أن تطارد الحكومة هذه المخلوقات».

في القسم الثاني ارتدى جاي ملابسًا شبابية بسيطة جدًا، ولم يصطحب معه أحد. سار كشاب عادي ثم دخل السوق التجاري، وبدأ في تكرار الأسئلة على البعض، والنتيجة «صفر». لم يصدقه أحد على الإطلاق، بل تعاملوا معه باستهانة، فضلًا عن تشكيكهم في كل ما يسأل عنه.

لفهم أكثر، ننتقل إلى جوشوا أكيرمان، بروفيسور علم النفس الاجتماعي، والأستاذ المساعد بجامعة ميتشجان، الذي يلخص الأمر في أن العالم يمتلئ بالمؤثرات الحسية والشعورية من حولنا، والتي نتفاعل معها كل يوم. هذه المؤثرات تبدأ دائمًا من اللاوعي، لتحفز معلومة ما أو قناعة ما قديمة، ما يدفعها إلى الوعي أو الذاكرة العاملة، والتي تتحكم في قراراتنا وقناعاتنا دائمًا.

هذا التكنيك يستعمله كل المعلنين وأقسام التسويق في الشركات العالمية والسياسيين عند انتخابهم أو عندما يريدون إقناع الشعوب بقرارات ما، وبالطبع يستخدمه الإعلام، ولا يوجد مثال أوضح من طريقة عمل شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية العملاقة.

في العام الماضي كتبت المدونة والصحافية هيذر هوجان مقالًا هامًا لتوضيح آلية تأثير فوكس نيوز على الأمريكيين. قالت هيذر إنها تراقب وتحلل آلية عمل الشبكة الإخبارية الأولى في الولايات المتحدة من حيث معدلات المشاهدة، منذ عام 2004، ثم وضعت في مقالها أربعة خطوات رئيسة تتبعها فوكس، ويمكن تطبيقها على أي شيء آخر: الأولى هي «عزل الجمهور»، عن طريق إيهامه بأن له حرية الاختيارات، من خلال العديد من الثنائيات الخبرية الكاذبة في أغلبها، والثانية هي «صنع عدو»، ويفضل أن يكون عدوًا فضفاضًا غير محدد، والثالثة هي «عزف لحن الخوف»، عبر اجترار المصطلحات التقليدية، التي تساهم في زرع الخوف لدى الجماهير واستدعاء الأعداء التقليدين بجانب الجدد، واستخدام لغة غير واضحة أو سهلة.

كل ذلك يفضى في النهاية للخطوة الرابعة، التي يمكن هنا العمل عليها، وهي «خلق واقع بديل»، عن طريق الكثير من المعلومات المغلوطة، ما يساهم في إعادة تشكيل الأحداث وسردها على الهيئة التي تخدم مصلحة القاص. وبعد المرور بالثلاث خطوات الأولى، سيكون أي عقل مهيأ تمامًا لتقبل هذا الواقع المزيف والتعامل معه بإيمان غير قابل للتشكيك.

اقرأ أيضًا: صناعة الخرافات.. لماذا يمكن أن يصدق البشر الأذكياء أشياء غبية؟

لماذا ينتخب الأمريكيون ترامب؟

في 17 أغسطس (آب) من العام الماضي، كتب كونورفريدرسدورف، الصحافي والمحرر الرئيس بمجلة The Atlantic الشهيرة، مقالًا سرد فيه ما فعله في الأسبوع الثاني من نفس الشهر. طرح كونور حينها سؤالًا مفاده: «لماذا ينتخب الأمريكيون ترامب؟»، ثم انتظر الإجابة، والتي أتته في الأيام التالية مباشرة على هيئة عشرات الخطابات من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، خطابات وصفها كونور بنفسه بأنها «المجموعة الأكثر تنوعًا التي واجهتها من أنصار ترامب»، ثم قسم المجموعة لقسمين رئيسين: أولهما المؤيدين الذين سيصوتون لترامب؛ لأنهم يرونه الخيار الأفضل للولايات المتحدة، وثانيهما الذين «أصابهم الدوار من صعوده وتأثروا بنجاحه».

حملت الكثير من الرسائل عبارات مُحفزة للتأمل، فمثلًا أحد المؤيدين سينتخب ترامب لأن «لديه حافزا للوصول للكمال، يتوقع منا العظمة وسيلهمنا للوصول إلى كل ما هو نبيل»، وآخر استطرد في شرح وتوضيح اعتقاده بأن ترامب هو «العلاج لأمراض الثقافة الأمريكية»، وثالث استعار عبارة «الأوقات اليائسة تتطلب إجراءات يائسة»، وأبدلها بـ«اليائسون يخرجون أصواتًا يائسة»،ليبدأ بها رسالته، ورابع وصفه بـ«المقامرة التي ينبغي خوضها»، فيما شبهه خامس بباراك أوباما في أوج تألقه، أثناء الصعود في عام 2007، وقال سادس: إن ترامب «صورة للعظمة الأمريكية، وعائلته تمثل الحلم الأمريكي».

ما يربط بين جميع المتطرفين والديكتاتورين، هو الزخم الشعبي العام حولهم، لأسباب عند تحليلها تبدو في غاية الهشاشة منطقيًا، وتعتمد على العاطفة بشكل كبير، بينما تبدو العظمة درة التاج الذي يرتدونه، محاولين إيهام الشعوب باستمرار أنها الهدف الأساسي، وهذا يطرق الوتر الحساس لدى كل إنسان والطامح دائمًا للتفوق على الآخرين، الجين البدائي من الشعور بالتميز والذي لا يتغير بتغير الزمان وتقدم الحضارات.

أمكن للعالم رؤية ذلك في زخم هتلر الشعبي والتفاف الألمان حوله لخلق ألمانيا متفوقة و«فوق الجميع»، وكان حلم الألمان جميعًا هو التحكم في أوروبا وإخضاعها، وساهم في ذلك ما فعلته أوروبا (ممثلة في بريطانيا وفرنسا) بهم اقتصاديًا وسياسيًا، في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى وحتى صعود الرايخ الثالث، وهو ما يمكن رؤيته لدى ترامب أيضًا، حيث تكراره الدائم بأنه يريد عودة أمريكا لصورتها العظيمة من جديد.

في أواخر يوليو (تموز) 2013، في ميدان التحرير بالعاصمة المصرية، القاهرة، كانت النشوة الجماعية ظاهرة بقوة ومازالت محتفظة بتأججها بعد مرور عدة أسابيع، وعدد لا بأس به من المصريين في ذلك الوقت يحتفلون بالرئيس ذي الخلفية العسكرية، وزير الدفاع حينها، عبد الفتاح السيسي كمخلص لهم، ليس فقط من جماعة الإخوان المسلمين التي باتت «إرهابية»، وإنما من أوباما ونتنياهو، والذين تم تعليق مشانق رمزية لهما في الميدان والشوارع المحيطة به.

كانت هتافات النصر أوضح مما ينبغي، ولم يكن لأحد أن يتوجه بأي انتقاد في ظل كل هذه الفرحة الهستيرية. كان تأييدًا لا يبدو أنه يعتمد على تفكير منطقي، وإنما على حدس ومشاعر إخلاص لشخص الجنرال الذي رسخت وسائل الإعلام صورته على أنه منقذ مصر من الحرب الأهلية.

من هتلر إلى كيم جونغ أون

في كتاب هتلر الشهير «كفاحي» يذكر بضع نقاط، أجملها الطبيب ساجد سيرف في مقال له، على «مدونة العقل»، شرح فيهم الفوهرر الألماني الطريقة المثلى للسيطرة على الجماهير، والأخذ بعقولهم، وتفريغها من المنطق في التعامل مع الأمور، وكيفية النجاح في اقناعهم بأي شيء، مهما بداسخيفًا أو مغرقًا في اللاعقلانية.

من ذلك مثلًا، أن نُبقي صلب الموضوع مختصرًا في نقطة أو نقطتين على الأكثر، وأن يكون المتكلم قويًا وصارمًا في شرح الوضع، وأن يجعل الأمور دائمًا غير مختلطة، بحيث لا يدع المخاطبين (الشعب) يرون الأمور إلا في نطاق لونين (أسود وأبيض)، وأن يحرك مشاعر الناس باستمرار ويخاطبها بشكل مباشر.

من بين تلك النقاط أيضًا المحافظة على التكرار المستمر لألفاظ معينة قريبة من الناس ويستخدمونها دائمًا، فضلًا عن المحافظة على نمط التكرار نفسه كثيرًا، والتركيز على الوصول لقناعات الناس وخلق متعصبين. لكن كانت النصيحة النازية الأهم، هي العمل على نسيان المنطق العلمي والجمال الأدبي والتوازن والتراتبية أثناء مخاطبة الجموع، أو بالأحرى التكلم بلسانهم وبمنتهى العشوائية.

PYONGYANG, NORTH KOREA - OCTOBER 10: (CHINA OUT) Participants wave flowers during a mass military parade with a portrait of North Korean leader Kim Jong Un at Kim Il-Sung square to mark the 70th anniversary of its ruling Worker's Party of Korea on October 10, 2015 in Pyongyang, North Korea. (Photo by Liu Xingzhe/ChinaFotoPress via Getty Images)

يمكن رؤية هذا النمط بشدة في الحالة المصرية، عن طريق الرئيس عبد الفتاح السيسي، لكن وبشكل أوضح يمكن رؤيته في الحالة الكورية الشمالية لدى زعيم البلاد كيم جونغ أون، الذي يعامل (شعبيًا) على أنه نصف إله كوالده تمامًا، والذي حكى عنه المنشق «جانغ جين – سونغ»، المسئول السابق في قسم الدعاية الكورية الشمالية رفيع المستوى، في كتابه الشهير والمهم «القائد العزيز».

وفي بلد لا يمتلك إلا قناة تلفزيونية وحيدة، يشرف عليها التلفزيون الكوري الشمالي المركزي، ولا تبث إلا ست ساعات يوميًا فقط من الخامسة عصرًا للحادية عشر مساءً، في بلد كهذا تبدو أمور السيطرة سهلة، بالرغم من حالة الفقر المدقع التي يعيشها الكوريون الشماليون خارج العاصمة بيونغ يانغ، والتي وصلت في بعض الأعوام إلى تساقط المئات من القتلى جوعًا، لدرجة إنشاء إدارة مختصة بحمل جثث الموتى من الطرقات على عربات خشبية إلى خارج القرى والمدن، فإن القبضة الأمنية الكورية، ونظام التعليم المعتمد بالكامل على التلقين المستمر لأعوام، يساهمان في تشكيل وعي المواطن الكوري الشمالي، الذي يرى في كيم المخلص وقاهر الأمريكيين والكوريين الجنوبيين، ويرى في خطاه تأييد الآلهة ورضاهم الكامل عنه، وصولًا إلى اعتباره ابنًا لهم بين نسبة لا بأس بها من الشعب.

في الخميس، السادس من فبراير (شباط) لعام 2014، وقف سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أمام حشد كبير من ضباط الشرطة وأسرهم في حفل وزارة الداخلية لتكريم أسر المصابين وشهدائها، قائلًا: إن «الله ابتعث السيسي ومحمد إبراهيم (وزير الداخلية وقتها)، كما ابتعث موسى وهارون؛ رسولين لحماية الدين»، ليحظى بتصفيق عاصف ممن حضروا، تصفيقًا واكب حينها المزاج العام لكثير من المصريين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد