3,528

1- خان شيخون: كيف استفز نظام الأسد ترامب؟

الزمان: الثامنة من صباح يوم الخامس من أبريل (نيسان) الجاري؛ المكان: مدينة خان شيخون، الواقعة شمال غرب سوريا، تلك التي يقطنها نحو 60 ألف نسمة وفق آخر الإحصاءات، تبعد
المدينة نحو 70 كيلومترًا عن مدينة إدلب، و35 كيلومترًا عن مدينة حماة، ونحو مائة كيلومتر عن مدينة حلب، وهو ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية، خاصة أنها تقع على الطريق الدولي بين حلب ودمشق، على مسافات قريبة من أهم المواقع العسكرية في سوريا.

في ذلك المكان والزمان، كانت البلدة الصغيرة على موعد مع أحد أكثر الحوادث في تاريخها مأساوية وترويعًا، إذ شقت سماءها طائرات حربية تابعة لنظام الأسد، صحيح أن الأهالي كانوا قد تعودوا على غارات النظام الكثيفة، فضلًا عن الطلعات الجوية التي تنفذها الطائرات الروسية، إلا أن ما حملته الطائرات هذه المرة كان نوعيًّا ومختلفًا، مختلفًا في طبيعته، ومختلفًا في ردود الفعل التي تلته، تلك الردود التي ربما لم تكن في حسبان من كان يقود تلك الطائرات، ولا من أمروا بإرسالها.

كانت الصواريخ التي استخدمتها طائرات النظام هذه المرة محملة بغازات كيماوية، يُعتقد أنها غاز السارين، وهو غاز لا طعم له أو رائحة، لكنه يحمل الموت المحقق لمن يستنشقه، ولأن السّارين يصنف باعتباره أحد أسلحة الدمار الشامل، فإن ضربة كهذه كانت تعني تصعيدًا غير تقليدي من نظام الأسد، وبعلم داعميه الإقليميين والدوليين على الأرجح، وهو ما سنفصله بعد سطور قليلة.

قامت الطائرات بـ 15 غارة جوية، راح ضحيتها نحو 100 قتيل وأكثر من 400 جريح، معظم هؤلاء من الأطفال الذين لم يستطيعوا مقاومة السم القاتل، وقد نقلت وسائل إعلامية فيديوهات تظهر عشرات الجثث المُلقاة في الشوارع فضلًا عن حالة الدمار والفوضى التي خلفها القصف، كما قامت الطائرات بمعاودة القصف مرة أخرى بعد عدة ساعات استهدفت المستشفى الذي يعالج المصابين من القصف الكيماوي.

وقد قوبلت الضربة بتنديد واستنكار دولي واسع، شعبيًا ورسميًا، وتصاعدت الدعوات للرد على تلك الحادثة، وكالعادة نفي النظام السوري وداعموه الروس مسؤوليتهم عن الحادثة، متهمين »الإرهابيين« بالوقوف وراء الهجوم.

اقرأ أيضا:- «خان شيخون تختنق».. هل ستواجه إدلب نفس مصير حلب؟

2- الليلة لا تشبه البارحة: كيف كان الرد الأمريكي على الأسد؟

جاء الرد الأمريكي غاضبًا وسريعًا على الضربة الكيماوية الجديدة، أفردت الصحافة الأمريكية مساحات واسعة من صفحاتها الأولى للتنديد بالهجوم، هاجمت الأسد ومن يدعمه في روسيا وإيران، ووصفته بـالوحشية والنذالة، وهاجمت أوباما وترامب لسماحهما للأسد بتجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية والدولية.

سياسيًّا، لم يتأخر ترامب والمسؤولون في إدارته عن إدانة الضربة بعبارات قاسية، اعتبر ترامب أن هذا الهجوم الكيميائي هو »إهانة للإنسانية«، وأن بشار قد تجاوز خطوطًا حمراء كثيرة، مضيفًا في مؤتمر صحفي مشترك مع العاهل الأردني:» موقفي من سوريا والأسد تغير بوضوح، ما حصل غير مقبول بالنسبة لي… موتهم كان إهانة للإنسانية. هذه الأفعال المشينة التي يرتكبها نظام الأسد لا يمكن القبول بها».

ثم أعقبها بتصريحات أخرى بعدها بساعات قليلة يؤكد فيها ذلك الموقف: »ما حدث في سوريا هو وصمة عار على البشرية، وهو – بشار الأسد – من يدير الأمور هناك. اعتقد بوجوب حدوث شيء ما – في إشارة إلى تدخل محتمل«، وقد تلاحقت تصريحات المسؤولين الأمريكيين المتصاعدة، حيث هددت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة بأن بلادها قد تضطر للتحرك بمفردها حال الفشل في اتخاذ قرار جماعي.

وقالت تقارير صحافية إن البيت الأبيض ووزارة الدفاع قد تدارسا إمكانية القيام بعمل عسكري في سوريا، ردًا على الهجوم الكيماوي. كما عاد إلى الواجهة قضية المطالبة برحيل الأسد، إذ قال وزير الخارجية ريكس تيلرسون إن إزاحة نظام الأسد من السلطة يجب أن يتم عبر جهد دولي، وهناك إجراءات تُصاغ بهذا الصدد.

وقبل أن تشرق شمس اليوم الجمعة، كان التهديد الأمريكي قد دخل حيز التنفيذ إذ أطلقت مدمرتان أمريكيتان من شرق البحر المتوسط أكثر من خمسين صاروخًا على قاعدة الشعيرات الجوية بريف حمص الشمالي التي تشمل مدرجًا وطائرات ومحطات للوقود، وقد قالت وسائل إعلام أمريكية إن القصف استهدف موقعًا للأسلحة الكيميائية.

ونقلًا عن مراسل الجزيرة من ريف حمص، فقد قالت مراصد المعارضة السورية المسلحة أن الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات دمرت 14 طائرة مقاتلة من نوع سوخوي وبرج المراقبة ومستودعات الوقود، كما دمرت مدرجات المطار وبات عمليًا خارج الخدمة، كما نقلت مواقع موالية للنظام السوري وقوع خسائر بشرية، وقتلى بينهم ضباط جراء الهجوم.

3- لا ثوابت في السياسة: لماذا اعتُبر رد ترامب مفاجئًا؟

كان الرد الأمريكي، سواء من ناحية الخطاب السياسي الذي حمل تصعيدًا نوعيًا، أو من ناحية الفعل الأمريكي غير المسبوق في الساحة السورية، كان هذا الرد مفاجئًا للأصدقاء قبل الأعداء، لمعارضي الأسد قبل مؤيديه، فعلى مدار سنوات طويلة، اتبعت الولايات المتحدة سياسة النأي بالنفس عن كل الأفعال التي يرتكبها نظام الأسد، مكتفية بالإدانة اللفظية بين الحين والآخر، بل امتنعت حتى عن تلك الإدانة المجانية في الكثير من المواقف.

امتنعت الولايات المتحدة، وعلى مدار ست سنوات من ولاية أوباما، من اتخاذ موقف حيال الأسد، واكتفت بالتركيز على قتال »تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة« وغيرهم ممن تعتبرهم متشددين إسلاميين، وحتى عندما قام الأسد في أغسطس (آب) 2013 بارتكاب مجزرة كيماوية صارخة في غوطة الشام، راح ضحيتها نحو 1450 شخصًا أغلبهم من الأطفال، وبعد أن كانت إدارة أوباما على وشك توجيه ضربة لقوات الأسد عقابًا على تجاوزه خطوطها الحمراء، تراجعت في اللحظات الأخيرة، مكتفية باتفاق برعاية روسية يقضي بتجريد نظام الأسد من سلاحه الكيماوي فيما عرف وقتها بصفقة الكيماوي.

لا يكمن وجه المفاجأة فقط في تعارض التحرك الأمريكي الأخير مع استراتيجية النأي بالنفس التي سادت لسنوات، بل كذلك في تعارضها مع الموقف المعلن مسبقًا لدونالد ترامب نفسه من الأسد، فقد حفلت حملته الانتخابية بالكثير من التلميحات والتصريحات التي تؤكد أولوية الحرب ضد »تنظيم الدولة« على ما عداها في المسألة السورية، حيث اعتبر أن »داعش« هي المشكلة في سوريا وليس الأسد، وقال إن الأسد »أقوى من أوباما وأذكى من كلينتون« وأن رحيله أسوأ من بقائه، بل نُقل عنه أنه »غير منزعج من التعاون مع الأسد في التهديدات المشتركة».

ومما يزيد من المفاجأة، أن هذا الرد الأمريكي الصارم قد جاء بعد أيام قليلة، من تأكيد مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة، نيكي هيل، أن سياسة بلادها في سوريا لم تعد تركز على الإطاحة ببشار الأسد كما فعلت الإدارة السابقة، ومن المفارقات أن هيلي نفسها قد وقفت بعد ساعات حاملة صور الأطفال الضحايا في خان شيخون ومهددة بتحرك منفرد لبلادها لتأديب الأسد ردًا على الضربة.

كما جاءت تلك الضربة بعد أيام من لقاء ترامب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، شهد مديحًا متبادلًا بين الرجلين، وقد صار معلومًا أن الموقف المصري من الأزمة السورية صار أقرب للأسد منه إلى المعارضة، وهو ما جعل الكثيرين يتوقعون أن يؤدي ذلك التقارب المصري الأمريكي بواشنطن إلى مزيد من تلطيف الأجواء مع الأسد، وهو ما جعل الضربة الأمريكية مفاجأة للكثير من المراقبين.

4- دروس لترامب من «House of cards».. لماذا قرر الرئيس انتهاج أسلوب أكثر صرامة الآن؟

في المسلسل الأمريكي الشهير «House of cards»؛ والذي يروي الكثير عن دهاليز السياسة وكواليسها، عندما فُضح الرئيس فرانك أندروود بأنه قد طبخ طريقه نحو المكتب البيضاوي عندما كان نائبًا للرئيس، حيث خطط لإيقاع الرئيس جاريت في قضية غسيل أموال حتى يُعزل من قبل الكونجرس، ليصبح بعدها هو رئيسًا للولايات المتحدة بحكم الدستور.

وقد تزامن نشر الصحافة لهذه الفضيحة مع وجود رهائن تحت اختطاف عصابة (ICO) ، خاض أندرود جولات طويلة من التفاوض مع الخاطفين، غير أنه لم يلبّ مطالبهم في نهاية المطاف ما أدى إلى قتل رهينتهم الأخيرة، ساعتها خرج أندرود ليعلن أن الولايات المتحدة في حالة حرب وأنها قد خسرت أحد مواطنيها، وأن على المواطنين التكاتف معًا لمواجهة الإرهاب، متمكنًا بذلك من الإفلات من فضيحة تورطه في عزل الرئيس.

يبدو ترامب مشاهدًا جيدًا لهذا المسلسل إذا، أو لعل المسلسل قد صُمّم خصيصًا ليقدم نموذجًا تفسيريًّا للسلوك السياسي للرؤساء من أمثاله، جاءت تلك الأحداث الأخيرة في ظل أزمات كبرى يعيشها ترامب الذي لم يكمل بعد مائة يوم في البيت الأبيض، أهمها المزاعم التي تتحدث عن تورط روسي محتمل في الانتخابات الأمريكية، لصالح ترامب، وضد منافسته مرشحة الحزب الجمهوري هيلاري كلينتون.

وبحسب التطورات الأخيرة، قالت صحيفة فاينانشيال تايمز إن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) خطط لتشكيل وحدة مختصة تتولى مجاراة التحقيق في التدخل الروسي خلال الانتخابات، كما شهدت تلك القضية تطورًا آخر إذ طلب مستشار ترامب السابق للأمن القومي مايكل فلين -وهو الذي أقيل من منصبه في فبراير(شباط) الماضي بعد تضليله البيت الأبيض بشأن محادثات مع مسؤول روسي-، طلب الحصول على حصانة ليدلي بشهادته فيما يتعلق بتلك القضية، مؤكدًا بأن لديه قصة يرويها.

ولم تقتصر مشاكل ترامب الداخلية مؤخرًا على تلك القضية، بل ضرب الصدع الحزب الجمهوري نفسه، وأدت الخلافات العميقة التي عصفت به -فيما وصفه البعض بالحرب الأهلية داخل الحزب- إلى فشل ترامب في تمرير مشروع قانون الرعاية الصحية، بديلًا عن مشروع أوباماكير فيما اعتبر هزيمة قاسية للرئيس وضربة أخرى لطموحاته.

كما جاءت إقالة ترامب لستيف بانون من مجلس الأمن القومي، رغم أن بانون صاحب أفضال كثيرة على ترامب في وصوله للرئاسة، بل وصف أحيانا بأنه »الرئيس الفعلي« لما له من تأثير كبير في مجريات السياسة، جاءت تلك الإقالة لتؤكد مدى التصدع الذي تشهدها الإدارة الأمريكية.

فما هو الأسلوب الأمثل الذي يمكن أن يسلكه ترامب للالتفاف على تلك الأزمات المتلاحقة؟، إنه درس من «House of cards» إذًا؛ اصنع معركة، اخلق فوضي، تبدو تلك الهجمات على الأسد إذًا ربما وسيلة جيدة لتخفيف الضغوط على ترامب، فها هو يخوض معركة ضد روسيا التي يُتهم بإقامة صلات مشبوهة معها في سوريا، والمعارك وسيلة نموذجية للإلهاء وصرف الأنظار كما هو معلوم.

دليل الدكتاتور الناجح في 6 خطوات

ثمة تفسير إضافي لما حدث، وهو أن ترامب -الذي ما ظل يبني سياسته على التمايز التام عن سلفه أوباما، فهو يمحي له كل أثر ولا يترك مناسبة إلا ويكيل له الاتهامات، قد وجد نفسه في موقف شبيه بما واجهه أوباما نفسه قبل أكثر من ثلاث سنوات، فوجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ خطوة صارمة لم يكن يفضلها سابقًا تجاه الأسد.

وكيف لا وهو الذي جعل شعاره الأساسي «Make America Great Again» وتعهد باستعادة مكانة البلاد التي تدهورت في عهد أوباما، ومن ثم فقد كان قرار البيت الأبيض هو الرد على الاستفزاز الأسدي ردًا مباشرًا، وربما يدل على ذلك ترامب وهو يندد بهجوم خان شيخون ويتوعد بالرد، لم ينس التلميح بأن ذلك ليس إلا إرث أوباما، وأن الأسد ما كان ليتجرأ على تجاوز الخطوط الحمراء اليوم في عهده، لو لم يكن قد جرب ذلك التجاوز بالأمس ولم يلق ردًا مناسبًا.

5- ما بعد الضربة: ما فرص وتحديات ترامب في ظل المعطيات الجديدة؟

الأسبوع القادم، يُفترض أن يلتقي وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو اللقاء الأول الذي يجمع الرئيس الروسي وجهًا لوجه بمسؤول في الإدارة الأمريكية الجديدة، وفي حين كان من المتوقع أن يتناول اللقاء مسألة التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، والهجمات الإلكترونية الروسية، فإن تلك التطورات الأخيرة -ما لم تشهد مزيدًا من التصعيد- ربما تجعل الاجتماع يسير بأجندة مختلفة، ليشمل قضايا من قبيل مستقبل الرئيس السوري والوضع في سوريا.

بالتأكيد ثمة فوائد مجددة جناها الأمريكيون، ظهر ترامب بمظهر القوي، القادر على اتخاذ أفعال حاسمة حينما تتطلب الأمور، وبدا ممكنًا أن بشار الأسد يمكن أن يدفع ثمنًا ما حينما يتجاوز الحدود، كما أن انتقال الأمريكيين من معسكر الأقوال إلى مربع الأفعال، وإن ظلت أفعالًا محدودة ومحسوبة، يضع مزيدًا من الضغوط على الروس ونظام الأسد لإبداء مرونة أكبر تجاه مسألة الحل السياسي الذي لا زال معلقا إلى اليوم.

ومع ذلك لا يبدو الطريق ميسرًا تمامًا لإدارة ترامب بعد تلك الضربة، فهذا »التورط« في الوضع السوري، وهو المعقد بما يكفي، ينطوي على العديد من المخاطر بالنسبة للأمريكيين،
يتعلق الأمر هنا بردة الفعل المتوقعة من حلفاء الأسد، حتى لحظة كتابة هذه السطور، اقتصرت العملية الأمريكية على هجوم موضعي، ولم يتطور إلى هجمات أكثر شمولًا، وهو ما يزيد من أوراق الضغط الأمريكية ويجعل سياستها أكثر فعالية كما ذكرنا.

لكن ماذا لو جاء الرد الروسي قاسيًا؟ وقرر بوتين الانتقام والتصعيد بدل التهدئة والاحتواء؟ بالتأكيد سيجد ترامب نفسه أمام خيارين أحلاهما مر، إما المضي قدمًا في تصعيد مماثل، سيزيد من تأزيم الأمور، وسُيدخل الولايات المتحدة في مستنقع لطالما حرصت على تجنب التورط فيه، وإما التقهقر مجددًا أمام بوتين، الأمر الذي يطيح بكل مكتسبات الضربة.

وقد بدأت وسائل الإعلام بالفعل في تناقل أخبار عن رد روسي متمثل في قصف مكثف لريف إدلب، كما دعت روسيا لاجتماع عاجل لمجلس الأمن، فيما أكدت وزارة خارجيتها عن تعليق أي اتفاق مسبق مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها نفت على جانب آخر أن يكون أيًا من المتضررين من الضربة الأمريكية روسيًا.

«خان شيخون تختنق».. هل ستواجه إدلب نفس مصير حلب؟

تعليقات الفيسبوك