في العادة، تزخر وسائل الإعلام – المحلية والعالمية على السواء -، بالأوصاف المهينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سيّما تلكَ المشكِّكة في ذكائه، أو قدرته على النهوض بعبء مهمّة ضخمة كرئاسة البلد الأقوى في العالم، ويوصم أحيانًا بصفاتٍ مثل الـ«الغبي»، «الأحمق»… إلخ.

تستند تلك الحملات الهجومية عادة على تصريحاتٍ أو تصرفاتٍ لترامب، يعتبرها البعض غريبة على عالم السياسة، ومن ثمَّ فإنها قد تبدو للوهلة الأولى أوصافًا منطقية، لكن ماذا لو لم يكن ترامب غبيًّا فعلًا؟ ماذا لو كانت تلك التصرفات الغريبة مقصودة وفعّالة؟

«الحمقى» لا يفوزون بملايين الأصوات

 

حتَّى ساعاتٍ قليلة قبيل إعلان النتائج النهائية لسباق البيت الأبيض، كانت أغلب استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم مرشحة الحزب الديمقراطي «هيلاري كلينتون» على ترامب، حتى جاءت النتائج لتقلب كل تلك التوقعات تمامًا.

في الحقيقة، لم يكن أغلب المراقبين يعتبرون أنه يمكن وصول «دونالد ترامب» إلى المكتب البيضاوي، اعتُبر ترامب وافدًا على المؤسسة السياسية، حفلت حملته الانتخابية بالكثير من التصريحات العنصرية، ضدّ المسلمين، والسود والنساء، وقد رأى الكثيرون أنَّ تلك التصرُّفات «انتحارية» في عالم السياسة، وأنَّ الجمهور من المستحيل أن يأتي برئيسٍ متهور كترامب.

لكنّ المفاجأة قد تحقَّقت، وصحا العالم فجأة على أنباء وصول «المرشح الغبي» كما تصوَّر البعض إلى أكثر المناصب نفوذًا في العالم على الإطلاق، فكيف يمكن تفسير ذلك الاختيار إذًا؟

أكثر التفسيرات منطقية هنا هي أقلها تداولًا، وأكثرها بساطة، «المرشح الغبي» لم يكن غبيًّا، ولهذا تحديدًا فاز باللعبة، وتلك التصرفات التي ظنَّ البعض أنها قد قد تؤول إلى هزيمته هي تحديدًا ما كان مفتاح النصر، أو أنَّها في أضعف الأحيان لم تكن بالأهمية التي تصورها الآخرون.

يمكن أن نجد مدخلًا تفسيريًّا لتلك المسألة في تحليل الكاتب المصري «محمود هدهود» لمسألة «اللياقة السياسية»، وعلاقتها بفوز ترامب. اللياقة السياسية التي صارت منذ مطلع الألفية مرادفًا لضرورة التزام السياسي بلغةٍ جوفاء، متحفِّظة، تجاه كافة القضايا الشائكة اجتماعيًّا؛ وألا يغضب السياسي أحدًا، أو أن يكون مائعًا بما فيه الكفاية لينتخبه الجميع.

سر قوة ترامب إذًا – وفق تفسير هدهود – هو ما عده المنافسون نقطة ضعفه، هو أنّه ببساطة طرح اعتبارات اللياقة السياسية جانبًا، وهي التي لم تعد تؤتي أكلها بالنسبة للجمهور، «فبعد أعوام طويلة من التعطش لكلام ممتلئ، لكلام ذي معنى، له طعم ولون ورائحة، عاد بريق مثال السياسي الذي يمتلك الشجاعة للتعبير عن انحيازاته ومواقفه بوضوح، ليلمع من جديد».

 

على عكس الشائع إعلاميًّا: ترامب يربح معاركه أحيانًا

إحدى أهم المعارك السياسية التي خاضها ترامب، معتبرًا إياها أهم وعوده الانتخابية التي ينبغي الالتزام بتحقيقها، هو خطة «حظر السفر»، والتي تتضمن قيودًا على سفر مواطني عدد من البلدان الإسلامية إلى الولايات المتحدة، تحت شعار «مكافحة الإرهاب».

في سبيل تنفيذ تلك القرارات، تلقّت إدارة ترامب الكثير من الاتهامات، وخاض ترامب بنفسه الكثير من المعارك، أبطلت المحاكم الأمريكية القرار ابتداء، وعدلته الإدارة الأمريكية ثم أبطلت المحاكم القرار المعدَّل، تهجَّم ترامب على القضاء واصفًا إياه بـ«المسيَّس والسخيف »، وتخيل البعض أن تلك الإجراءات لن ترى النور أبدًا، وأن ترامب لن يستطيع إجبار المؤسسات الأمريكية على الامتثال لرؤيته.

لكن أواخر يونيو (حزيران) الماضي شهدت تغيّرًا في ذلك المسار، انكسرت العقدة أخيرًا، حين استجابت  المحكمة العليا في البلاد لطعون الإدارة الأمريكية، وقضت باستئناف العمل بقرار حظر سفر مواطني ست دول إلى أمريكا، ورفعت جزئيًّا الحظر المفروض من قبل القضاء على تطبيق القرار.

ويبدو أنّ خطة حظر السفر تلك ذات قبول كبير في أوساط المجتمع الأمريكي، إذ أشار استطلاع للرأي أُجري حديثًا أن ستَّة من بين كل عشرة أمريكيين يؤيدون خطط ترامب بشأن تشديد القيود على دخول مواطني ست دول أمريكية إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني أنّ إدارة  ترامب – على عكس الادعاءات الإعلامية – لا تغرد تمامًا خارج سرب المجتمع الأمريكي.

 

 

الفوائد الخفية لخطاب «حافة الهاوية»

خلال الشهور القليلة منذ أن ولج ترامب إلى المعترك السياسي، ولا يخلو يوم تقريبًا من تصريحٍ مثيرٍ للجدل هنا، أو تهديدٍ خطيرٍ أطلقه هناك، بدءًا من الوعيد بالانطلاق في سباق التسلُّح، مرورًا بمطالبة حلفاء الولايات المتحدة بالدفع وإلا فالفراق، وليس انتهاء بالتهكُّم على المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومطالبتهم بأن يدفعوا للولايات المتحدة «أتعابًا» لقاء حمايتها لهم.

ليس خطاب «حافة الهاوية» هذا محض جنون، ولا هو نابع عن جهل سياسي بالضرورة، بل إنه – وإن سلّمنا بخطورته على استقرار النظام العالمي ومتانة تحالفاته – قد يدرّ على صاحبه فوائد عديدة، ومنافع جمة، كما يسردها «فان جاكسون» في تحليله المنشور بمجلة «فورين أفيرز» في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وكما يرى جاكسون، يُمكن اعتبار ذلك الخطاب وسيلة جيدة للابتزاز، إذ سينتابُ الذعر الحلفاء ذوي المصلحة في الحفاظ على التحالفات القائمة كلّما سمعوا تصريحًا هنا أو تهديدًا هناك، وسيصبحون مستعدين للدفع، أو للدفع أكثر كثيرًا لقاء الحفاظ – مجرد الحفاظ – على اللحظة الراهنة وهو كما نرى صفقة رابحة تمامًا.

كما أنّ عدم التزام ترامب المسبق بأيِّ وعود تجاه تحالفات بلاده القائمة، سيعفيه من أيّ حرج إذا ما تقرَّر مستقبلًا تغيُّر البوصلة، سيتمكّن من تفادي الحرج الذي يقع فيه الكثير من السياسيين إذ يكلِّفون أنفسهم عبء الالتزام بوعود أطلقوها سابقًا، وكبلت أيديهم عن الكثير من المواقف لاحقًا.

 

لدينا هنا مثال سرعان ما تحقق ليثبت صحة ذلك التحليل، المملكة العربية السعودية، وهي التي تعرضت لسيلٍ من الهجوم اللاذع والتهديدات المتلاحقة من قبل ترامب، اضطرت لدفع مئات المليارات من الدولارات، في صورة صفقات واتفاقات وصفت بالتاريخية، وكان ثمن تلك المليارات زهيدًا للغاية، مجرَّد زيارة للرياض، مع تصريحاتٍ دبلوماسية ودودة ووعودٍ برّاقة بمساعدة السعوديين في معركتهم الأبدية مع إيران.

وقد كان ترامب نفسه صريحًا مع نفسه ومع الأمريكيين، فلم تكد تنتهي زيارته إلى الشرق الأوسط، ويعود أدراجه إلى واشنطن، حتى بشَّر الأمريكيين بحصاد الزيارة، «مليارات الدولارات ووظائف»، هذا ما أراده – وما ظن أن المواطنين الأمريكيين يريدونه – منذ البداية، وهذا ما نجح في تحقيقه، إنها صفقة رابحة أنجزها الرئيس وانتهى الأمر.

المصادر

تحميل المزيد