خلق انتصار «دونالد ترامب»، في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، قلقًا واسعًا لدوائر بحثية وصناع القرار لكبري الدول حيال مسارات سياسات البيت الأبيض تجاه القضايا الإقليمية، والصراعات التي يشهدها الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل التصريحات الصادمة لترامب خلال حملته الانتخابية، والتي جعلت الكثيرين يتوقعون أن تسلك الولايات المتحدة مسارًا شعبويًا مُفعَمًا بالاستقطاب والسلطوية، خلافًا لما هو مُستقر عليه في مباديء الدستور الأمريكي.

«ساسة بوست» حاورت «محمد المنشاوي»، مدير مكتب تليفزيون العربي في واشنطن، وأحد أبرز المتخصصين في الشأن الأمريكي، عبر البريد الإلكتروني، لاستشراف مآلات حقبة ترامب، والذي سبق له العمل بكبري المراكز البحثية بواشنطن لعشر سنوات كمعهد الشرق الأوسط ومعهد الأمن العالمي، فضلًا عن كونه محللًا للشأن الأمريكي لمحطات تليفزيونية.

نرامب

1- كانت رئاسة الجمهورية المصرية المهنئ الأول لترامب، الذي سبق ووصفه الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» بالـ «القوي»، فضلًا عن تطابق قناعات الرئيس المصري مع نظيره الأمريكي من جماعة «الإخوان المسلمين» وأولوية الحرب على الإرهاب في الداخل والخارج علي أية قضايا أخرى..فما هي تداعيات هذا التقارب على الاهتمام الأمريكي الدائم بقضايا الحريات والمجتمع المدنى وحقوق الإنسان؟

من حسن حظ النظام المصري وصول ترامب للحكم؛ فالرئيس الأمريكي الجديد عبَّر عن عدم إيمانه بـ«الربيع العربي»، ولا بما نادى به من قيم ديمقراطية، وحريات، وحقوق الإنسان! هو يعتقد أن الربيع العربي خلق فوضى في المنطقة التي نجح حكامها المستبدون «مبارك، والقذافي، والأسد، وغيرهم» في الحفاظ على بعص صور الاستقرار فيها مثلًا. ويعتقد أن الانتخابات بالمنطقة مثلت وسيلة لوصول الإسلاميين للحكم، وهو هنا لا يميز بين قوى الإسلام السياسي المختلفة، بل يضعهم في سلة واحدة، تضم الإخوان المسلمين والجماعات السلفية والجماعات «الراديكالية» العنيفة. ويؤمن بمنطلق علاقات جيدة بين بلاده والشرق الأوسط فقط من منطلق الشراكة في الحرب على الإرهاب.

فريق ترامب، مثل مستشار الأمن القومي الجنرال «مايكل فلين»، ووزير الدفاع «جيمس ماتيس»، لهم علاقات طويلة ومتينة مع كبار قادة الجيش المصري، وعلى رأسهم الجنرال السيسي! وكل ما سبق يوحي بأخبارٍ سيئة لمنظمات المجتمع المدني المهتمة بالحقوق والحريات داخل مصر، خاصة تلك التي تتلقى تمويلًا خارجيًا. وسيتم تهميش هذه القضايا من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة بدرجة أكبر من تهميش الإدارة الحالية لها.

2- لكن هل التغيير المحتمل في العلاقة الثنائية بين السلطة المصرية وإدارة البيت الأبيض الجديدة ستتضمن تغييرًا فى استراتيجية واشنطن للتعامل المستقبلى مع الجيش المصرى ونظم تسليحه وطريقة تمويل مشترياته من الأسلحة الأمريكية؟

لا أعتقد أن العلاقات العسكرية العسكرية ستشهد تغييرًا في المستقبل القريب، هناك توافق جمهوري ديمقراطي داخل واشنطن على أهمية العلاقات مع الجيش المصري، وتوافق على ما انتهت إليه إدارة «أوباما» من تغييرات في نمط تمويل مشتريات التسليح المصرية والمساعدات العسكرية.

3- هل يعني ذلك أن تصورات ترامب ستعزز الديكتاتوريات في المنطقة؛ إذ يقوى قبضة النظم السلطوية؛ باعتبارها بديلًا عن «الفوضى والإرهاب» الذي لا تريده أمريكا والعالم؟

نعم، للأسف!

4- ماذا يمكن أن يتغير في المنطقة العربية بعد فوز ترامب؟

سيتوقَّف التغيير على ما سيقوم به الرئيس الجديد. ترامب لم يتسلَّم الحكم بعد «سيحدث ذلك يوم 20 يناير(كانون الثاني) القادم»! لا يمكن التنبؤ بسلوك وسياسات رجل لم يسبق له العمل السياسي على أيِّ مستوى، ولا يعرف تفاصيل قضايا المنطقة. سيؤثر على المنطقة العربية موقفه من الاتفاق النووي مع إيران، موقفه من نقل السفارة الأمريكية للقدس، موقفه من إرسال جنود أمريكيين للقتال داخل العراق أو سوريا أو ليبيا.

لكنه في الوقت نفسه يحلم بحل نهائي للقضية الفلسطينية! علينا الانتظار لبعض الوقت.

5- كانت تصريحات ترامب قبل فوزه حول نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وعدم القبول بما يسمى «حل الدولتين»، ونقل الفلسطينيين إلى خارج الأراضي الفلسطينية وإعلان دولة يهودية واحدة .. هل تعتقد أن تُترجم هذه التصريحات إلى سياسات على أرض الواقع خلال ولايته؟

خطابات الحملات الانتخابية، طالما تميزت بالشطط وبالوعود غير قابلة التنفيذ. الكثير مما ينوي ترامب فعله سيتوقف على رد الفعل العربي والإسلامي منه! هل ستقطع الدول العربية والإسلامية علاقاتها الدبلوماسية؛ إذا أقدم ترامب على نقل السفارة للقدس كما فعلت مع دولٍ أخرى؟

بقية التصريحات خرجت من مرشح غير تقليدي، لهذا السبب يصعب التنبُّؤ بالكثير منها وبإمكانية تنفيذها على الأرض.

6- كيف تتعامل الإدارة الجديدة مع القضية السورية في ظل اعتراضات البنتاجون والاستخبارات الأمريكية على الموقف الروسي من جانب، والتصريحات السابقة لترامب عن ضرورة تغيير الأولوية الأمريكية تجاه ما يحدث في سوريا؟

لا أعتقد أنّ سياسات ترامب تجاه سوريا ستختلف عن تلك المتَّبعة تحت حكم أوباما. ما ذكره خلال الحملة الانتخابية من تدميره لـ«تنظيم الدولة».. هو منهج تنتهجه إدارة أوباما، أما عما ذكره من ضرورة التعاون العسكري مع روسيا لمواجهة الجماعات «الارهابية» داخل سوريا؛ فسيتم مواجهته من قبل المؤسسات الأمريكية (الدفاع والخارجية والمخابرات والكونجرس) التي تتبنى كلها موقفًا وثقافة متشددة تجاه روسيا وحليفتها في الحرب الأهلية السورية إيران. اعتقد أن ما ينبغي مراقبته يتعلق أكثر بعلاقة واشنطن بحلفائها الخليجيين وسياساتها الداعمة لتسليح وتمويل بعض الفصائل المعارضة داخل سوريا.

قد لا يعبِّر ترامب شخصيًا عن ضرورة تبني سياسة إزاحة «بشار الأسد»، إلا أن الأجهزة الأمريكية الأمنية تؤمن أنه جزء من المشكلة، وبقاؤه يطيل من أمد الصراع، وأنه لا يجب ولا يمكن أن يكون جزء من الحل. تشكيل الفريق الأمنى المعاون للرئيس القادم ترامب حتى اللحظة أتى بصقور يتخذون مواقف متشددة من روسيا، ومن إيران، ومن هنا استبعد حدوث تقارب أمريكي مع رؤية روسيا لحل الأزمة السورية.

7- كان الرئيس الأمريكي المنتخب قد صرَّح في أكثر من مناسبة أن الاتفاق النووي مع إيران هو «الأسوأ في التاريخ»، وأنه يعتزم إعادة التفاوض مع إيران؛ لـ «القضاء على أي طموح نووي لديها».. ما الذي يمكن أن يفعله ترامب حيال هذا الاتفاق؟ وماهي احتمالية إبطال هذا الاتفاق؟

الاتفاق النووي مع إيران ليس اتفاقية ثنائية بين طهران وواشنطن صدَّق عليها الكونجرس، بل هي اتفاق دولي وقعته 6 دول مع إيران واعتمده مجلس الأمن الدولي. طبيعة الاتفاق الدولية تصعب من فكرة «إعادة التفاوض حوله مع إيران». بقية الدول تعارض ذلك، وكذلك إيران. قد تنسحب واشنطن من الاتفاق، لكن ذلك لن يغير من طبيعة الاتفاق، خاصة مع استمرار وجود عقوبات مالية تجارية ومالية مدها الكونجرس ضد إيران منذ أيام قلائل.

لا اعتقد أن ترامب سيبادر بإحداث شرخ كبير مع الدول الموقعة على الاتفاق مع إيران، ستؤدي مثل تلك الخطوة إلى تعاطف دولي كبير مع إيران، وهذا ما لا تريده إدارة ترامب، وستدفع كذلك القيادة الإيرانية إلى وجود مسوغ لمعاودة برنامجها النووي العسكري، وهو ما تدرك واشنطن أنه ليس من مصلحتها الوصول لهذه النقطة.

8- أكد ترامب خلال المناظرة الأولى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تدافع عن السعودية، ما لم تدفع مقابل هذا الدفاع.. ماهي أبعاد استراتيجية الإدارة الجديدة على التحالف التاريخي بين أمريكا والسعودية؟

لا أعتقد أن العلاقات مع الرياض وغيرها من العواصم الخليجية ستشهد أية تغيرات كبيرة في تحالفاتها الأمنية والعسكرية مع واشنطن. مصدر القلق الأهم لواشنطن تحت حكم ترامب هو مواجهة تزايد النفوذ الإيراني والروسي في المنطقة إضافة لمحاربة الإرهاب. السعودية ودول الخليج لها روابط شديدة التعقيد مع واشنطن، وعلى الرغم من مطبات هنا وهناك، إلا أنها علاقات استراتيجية للطرفين، وكلاهما يدرك هذه الحقيقية. وزير الدفاع المرشح الجنرال «جيمس ماتيس» له خبرة كبيرة ومباشرة مع كل قادة دول الخليج، اكتسبها من خلال خدمته لسنوات ثلاث كقائد للقيادة المركزية الوسطي المشرفة على منطقة الشرق الأوسط، وعلى التواجد العسكري فيها. ويهم واشنطن جديًا عدم خروج السعودية والخليج من تحت العباءة الأمنية الأمريكية، واتجاهها شرقًا لموسكو أو بكين.

9- مامدي انعكاس التوتر بين البلدين مستقبليًا على استثمار السعودية لمئات المليارات داخل أمريكا، ووجود عشرات الآلاف من الطلبة السعوديين فى مختلف الجامعات الأمريكية، وأيضًا على الوجود عسكرى والاستخباراتى الأمريكي في السعودية؟

كبار قادة الكونجرس (وبعد انتهاء الانتخابات) يبحثون حاليًا إضافة تعديلات على قانون «جاستا»؛ كي تبعد احتمالية خضوع مسئولين سعوديين تحت طائلة القانون الأمريكي. وقد تبحث الرياض مع واشنطن ضرورة وضع نهاية لهاجس مطالب ومحاكمات عائلات ضحايا 11 سبتمبر (أيلول) للسعودية؛ لدورها المزعوم في تمويل الخاطفين. ما يجمع الدولتين من مصالح استراتيجية وتجارية، يصعب معه تخيل تبني موقف حاد رسمي من البيت الأبيض تجاه الحليف السعودي. الكثيرون يتحدثون داخل أروقة واشنطن عن البحث عن بديل تُدفع بمقتضاه تعويضات في صور غير مباشرة لا تدين الحكومة السعودية لوضع حد للأزمة على غرار حل «أزمة لوكيربي».

10- يروج ترامب وفريقه لأفكار «نيوكلاسيكية» عن الاقتصاد، كإلغاء اتفاقيات التجارة الحرة، وفرض سياسات حمائية لخدمة العامل والمنتج الأمريكى، ويتعهد بفرض تعريفة جمركية .. ما انعكاسات هذه الأفكار على الاقتصاد الأمريكي مستقبليًا؟

أرى صعوبة تنفيذ ما وعد به من ترامب من وعود في هذا المجال، وتعقيدات الاقتصاد العالمي والتداخل الكبير في الشركات عابرة القارات وحركة رؤوس الاموال يستحيل معها فرض إجراءات حمائية انعزالية كتلك التي نادى بها ترامب أثناء الحملة الانتخابية.

الميكنة وتطور التكنولوجيا التي دفعت إلى تقليل أعداد العاملين اليدويين في المصانع، هو اتجاه لا يمكن إيقافه داخل أو خارج الولايات المتحدة. أكثر ما يمكن لترامب فعله هو منح محفِّزات ضريبية للشركات؛ كي لا تنقل مصانعها للخارج من أجل تخفيض تكلفة الإنتاج، وهنا سيكون الخيار لرجال الأعمال والصناعة الذين لا يمكن لواشنطن أن تفرض عليهم اختيار مكان إقامه مصنع أو عدمه.

11- خمسون مسئولًا جمهوريًا سابقًا، ممن تولوا على مدى عقود مناصب مهمة، ذكروا في وقت سابق أن المرشح ترامب لا يصلح للرئاسة؛ بسبب «جهله» و«عدم كفاءته»، محذِّرين من إنه إذا انتخب سيكون «أخطر رئيس فى التاريخ الأمريكى».. فهل يؤشر ذلك إلى احتمالية عدم استكمال ولايته؟ وما الذي تتوقع حدوثه؟

لا أعتقد على الإطلاق؛ هناك دستور واجراءات وانتخابات ربحها ترامب. فقط سيتم الحكم عليه بعد أربع سنوات من الآن في الانتخابات القادمة، إلا في حالة إخلاله بالقوانين الأمريكية.. وهو ما لا أتصوره.

12- من وجهة نظرك، كيف تعكس اختيارات ترامب لمستشاريه ومسئوليه في البيت الأبيض السياسة المستقبلية للبيت الأبيض في الداخل الأمريكي وخارجه؟

حتى الآن تعكس رغبته في إرضاء دوائر الحزب الجمهوري، وتعكس إيمانه بالعسكريين، وتعكس غياب تصور واضح منه لأسماء كبار المسئولين ممن عليه تسميتهم للمناصب الهامة. لم يكن مستعدًا أو متخيلًا أن يكون هو شخصيًا الرئيس القائد!


عرض التعليقات
تحميل المزيد