ستَّة أشهر بالتمام والكمال قضاها الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون، دونالد ترامب، على كرسيّ حكم الولايات المتحدة الأمريكية، خلفًا للرئيس السابق باراك أوباما، والذي ظل في الحكم لفترتين رئاسيتين سجلتا ثماني سنوات، دارت فيها العديد والعديد من الأحداث التي استطاع فريق عمل «ساسة بوست» من خلالها فهم وتسجيل وتحليل فترة حكمه في تقريرٍ واحد. وجاء ترامب إلى الحكم بعد أن فاز على منافسته، وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، في الانتخابات التي جرت في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ إذ سجَّل هذا اليوم تاريخًا فاصلًا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والعالم؛ فليس ما قبله، كما بعده.

وفي هذا التقرير؛ نعمل على تلخيص فترة حكم ترامب خلال الأشهر الستة الأولى من حكمه؛ وكيف أدى وجوده في البيت الأبيض إلى تدهور الأحوال في مفاصل الدولة الأمريكية، وتحولها إلى الأسوأ، وليس إلى الأفضل بأية حالٍ من الأحوال. وكانت صحيفة «الجارديان» البريطانية قد رصدت أيضًا في تقريرٍ لها ما فعله ترامب خلال هذه الفترة وأدَّى إلى هشاشة النظام الأمريكي وتدهوره. رُبمَّا يعتقد البعض أنه لا أحد يسعى لهدم دولته؛ ولكن يبدو أن ترامب مستعدٌّ لفعل ذلك في سبيل إثبات أن وجهة نظره هي السليمة طوال الوقت.

اقرأ أيضًا: دونالد ترامب.. 100 يوم في الحكم و100 تهديد لحقوق الإنسان

1- المهاجرون واللاجئون

أعلن دونالد ترامب في حملته الانتخابية أنه يتعهَّد ببدء عمليات ترحيل جماعي للمهجرين واللاجئين في الولايات المتحدة الأمريكية فور فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، مؤكدًا أنه ينوي وقف الهجرة من البلدان المعرضة لـ«الإرهاب».

وبالفعل؛ في الأسبوع الأول من حكمه، أصدر ترامب قراره التنفيذي يحظر دخول اللاجئين السوريين إلى الولايات المتحدة حتى إشعار آخر، بالإضافة إلى إيقاف إصدار تأشيرات دخول للولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر، وذلك لرعايا ست دول أخرى بخلاف سوريا، وهي: إيران، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان، والصومال.

اقرأ أيضًا: حظر دخول المسلمين.. ترامب يُهدِّد النظام العالمي في عقر داره

وبالإضافة إلى ذلك، فقد أعلن ترامب تعليق نظام اللاجئين في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 120 يومًا، مؤكدًا أن هذه الفترة مخصصة للفحص الدقيق في شؤون جميع المسجلين، قائلًا: إن «هذا الفحص الدقيق سيساعد على بقاء الإرهابيين الإسلاميين المتشددين خارج الولايات المتحدة»؛ مبررًا ذلك بدعوى «حماية الأمة من دخول الإرهابيين إلى الولايات المتحدة».

القرارات التي اتخذها ترامب تجاه قضية اللاجئين والهجرة لم تكن إلا بداية هدم المؤسسات الأساسية والقائمة على الديمقراطية في الولايات المتحدة؛ حيث أدت إلى مشاهد عديدة من الفوضى في جميع أنحاء البلاد، وتفريق العائلات، وتوقيفهم في المطارات، ألغى الكثير من تأشيرات الدخول الشرعية، بالإضافة إلى كل ذلك، فقد أدى إلى وجود أزمة دستورية، وجدل قضائي تجاه القرار التنفيذي، ومدى صحته دستوريًا وإنسانيًا، من عدمه، إلى أن تدخلت العديد من المحاكم الفيدرالية من أجل وقف تنفيذ هذا القرار بسبب عدم دستوريته، ولكن الرئيس ترامب أبى أن يكون على خطأ؛ فهدد بخرق الدستور الأمريكي، وبحل المحاكم التي حكمت بعدم دستورية قراره التنفيذي، وهي محكمة الاستئناف الاتحادية.

اقرأ أيضًا: المهاجرون والأجانب في حياة ترامب: أمه وزوجته وأكثر من ألف عامل في شركاته الخاصة

ولكن القرار النهائي يبقى في الوقت الحالي في يد المحكمة العليا، التي ستحكم فيه في شهر سبتمبر (أيلول) القادم، ولحين ذلك، يبدو أن الرئيس ترامب مازال مُصِّرًا على قراره التنفيذي؛ حيث تحرَّك الرئيس في بذل المزيد من الجهود المدنية ضد اللاجئين عن طريق تمكين إدارة الهجرة والجمارك، لاستهداف أي شخص في البلاد بلا أوراق قانونية وترحيله؛ مما أدى إلى زيادة أعداد المحتجزين بسبب هذا الأمر.

2- الاقتصاد والتجارة

وعد ترامب بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية، والتي كانت بالأساس تخدم رجال الأعمال وأعماله هو الشخصية، وظل دائمًا مرددًا جملته الأشهر «سنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، ولكنه، وبعد ستة أشهر، يبدو أن الوضع الاقتصادي الأمريكي يتدهور أيضًا، وذلك بالنسبة للمواطنين العاديين، وبالنسبة أيضًا لرجال الأعمال أنفسهم؛ فلم يفِ ترامب بوعوده بتخفيض الضرائب المفروضة عليهم.

الجميع الآن يشعر بالقلق إزاء المستقبل الاقتصادي للولايات المتحدة؛ فحتى الآن فشل الرئيس ترامب في تمرير قانونه الضريبي الجديد، مما أدى إلى خروج عدد من التظاهرات ضده من أجل إعلان بنود مشروع القانون الذي يحاول تمريره عبر الكونجرس، وذلك في يوم الضرائب الموافق 17 إبريل (نيسان) 2017 الماضي. ولكن يبدو أن ترامب كذب أيضًا بشأن هذا القانون، فقد أكد ترامب في بداية الشهر الماضي أن قانون الضرائب داخل الكونجرس وجاري تمريره، على الرغم من أنه لم توجد أي قوانين للضرائب مرَّت على الكونجرس!

المخاوف بشأن الاقتصاد والتجارة في الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت في تزايد بسبب التهديدات التي يبثها ترامب طوال الوقت تجاه الصين وغيرها؛ فقد هدَّد ترامب بحربٍ تجارية مع الصين على سبيل المثال. وكان ترامب قد ذكر، أثناء حملته الانتخابية، أن من ضمن وعوده في أول 100 يوم من رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية أنه سيقوم في أول يوم له في البيت الأبيض بتسمية الصين بدولة «تتلاعب بالعملة»، بالإضافة إلى شروعه في إصدار رسوم جمركية عقابية تُقدَّر بـ45% على الواردات الصينية. فضلًا عن احتمالية حدوث مواجهة عسكرية مع الصين في بحر الصين الجنوبي وشمال كوريا الجنوبية؛ وعن هذا، أعلنت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في وقتٍ سابق، أن مثل هذه الإجراءات قد تتسبب في ركود بالصين؛ مما قد يدفعها للانتقام عن طريق منع تجارة الولايات المتحدة من أسواقها، وهو ما يضر بالمستهلكين الأمريكيين الذين لن يتمكنوا من شراء المنتجات التي يعتمدون عليها، بالإضافة إلى ارتفاع التضخم المحتمل.

وفي الحقيقة، معظم الإجراءات الاقتصادية التي ساهمت في بقاء الاقتصاد الأمريكي واقفًا على قدميه، هي قراراتٍ سابقة للرئيس السابق باراك أوباما؛ فهذه السياسات هي التي أدت إلى ارتفاع الأسهم في الأسواق، وتقليل معدلات البطالة في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى بقاء أسعار الفائدة منخفضة.

3- حقوق الإنسان والمرأة

لم يضيع دونالد ترامب وقتًا طويلًا لمحو التغييرات الإيجابية التي قام بها الرئيس السابق باراك أوباما تجاه حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق المثليين؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، ألغى ترامب الحماية التي كانت ممنوحة للمثليين في أماكن العمل، وللطلبة المتحولين جنسيًا في مدارسهم، كما أن إدارته أرسلت تُشرك المعادين لحقوق المثليين في المؤتمرات الدولية الموجودة في الولايات المتحدة حول حقوقهم. وكان ترامب قد أظهر منذ حملته الانتخابية عداءً كبيرًا للمثليين، وللمتحولين جنسيًّا.

الجدير بالذكر أنه من المعروف عن دونالد ترامب أنه لا يحترم النساء، كان ذلك معروفًا من قبل توليه الرئاسة، ولكنه الآن أصبح يقوم بأفعال تنتهك حقوق المرأة مستخدمًا سلطاته الواسعة بصفته رئيس الدولة. قام ترامب بإلغاء قوانين الحماية الخاصة بالسيدات فيما يخص مكان العمل؛ وبذلك فلا توجد أي ضمانات للنساء في الأجور المتساوية على سبيل المثال، ولا في ساعات العمل، ولا أي شيء من هذا القبيل.

كما أنه قام بحجب الأموال التي كانت تمنحها سلطات الولايات إلى المنظمات المختلفة؛ حيث إنه ألغى منح أي أموال إلى المنظمات التي تدعم الإجهاض. ومن المفترض لهذه الأموال أن تستخدم للكشف عن أمراض تخص المرأة، مثل سرطان الثدي، والمشكلات الصحية الخاصة بالحمل والإجهاض وغير ذلك.

وبالنسبة لحقوق التعبير، فإن دونالد ترامب يعادي معظم الصحف الأمريكية؛ إذ يعرف بجملته الشهيرة (أخبار مفبركة)، والتي يستخدمها مبررًا دائمًا أي خبر يتعرض له بالانتقاد الموضوعي أو غيره. وإلى جانب كل التهديدات السابقة، فإن التهديدات الداخلية لم تتوقف أيضًا؛ فقد ارتكبت الشرطة الفيدرالية عددًا من الانتهاكات المتعددة الخاصة بحقوق الإنسان أيضًا، فقد قالت منظمة العفو الدولية: إن الرئيس ترامب يدعم التعذيب، بل إنه طالب في وقتٍ سابق بعودة طريقة التعذيب بالإيهام بالغرق. وتشير المنظمة أن وكالة الاستخبارات الأمريكية كشفت عن عدد من الانتهاكات، والتعذيب، داخل السجون الأمريكية لأولئك المتهمين في قضايا خاصة بأحداث 11 سبتمبر 2001، والذي وصفته الوكالة أنه تعذيب ممنهج، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية للسجناء.

كما أن هناك عددًا كبيرًا من المسجونين الذين بقوا إلى هذه اللحظة بلا محاكمة، ولا تهمة، ولا أي شيء، وإنما هم فقط بلا حياة، معلقين، ومعتقلين في السجون الأمريكية منذ أعوام، ولا يبدو لهم في الأفق أي طريق قادم للنجاة، أو للخروج. وحتى أولئك الذين تمت محاكمتهم، فإنهم لم يجدوا حتى الآن أي محاكمة عادلة، وإنما كانت محاكمتهم مبنية على خطاب كراهية في الأساس، وبعيدة عن الحكم بالأدلة والبراهين المتوافرة، حتى يكون حكمها عادلًا.

4- البيئة

تمثل قضايا البيئة والمناخ، أحد أهم القضايا الصاعدة خلال القرن الجاري؛ وذلك نظرًا لأهميتها الشديدة في الوقت الحالي، خاصةً في ظل التغير المناخي الكبير الجاري، والمحتمل أيضًا حدوثه في المستقبل. وكان ترامب قد وعد في حملته الانتخابية بأنه سيقوم بالنظر في جميع الاتفاقيات الدولية التي وقَّعت عليها الولايات المتحدة الأمريكية من قبل؛ بالإضافة إلى الانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادئ، واتفاقية باريس للتغير المناخي؛ مما سيفتح باب الخلافات مع الحلفاء في أوروبا وآسيا.

اقرأ أيضًا: «عقلية البيزنس مان»: ترامب يسحب بلاده من اتفاقية باريس ويقدم هدية كبرى للصين

وفي الحقيقة، أوفى ترامب بعهده هذه المرة؛ فقد انسحب من اتفاقية باريس للمناخ بالفعل؛ حيث نشر في عدد من المرَّات على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، أن قضية تغير المناخ ما هي إلا خدعة ابتدعتها الصين لتدمير اقتصاد الولايات المتحدة.

وبعد لقاء الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ادعى الأخير أن ترامب أعرب عن أسفه عن قراراه بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ في الشهر الماضي، ولكن في هذه اللحظات، أشار عدد من الصحف الأمريكية أنهم يأملون أن يعدل ترامب عن قراره هذا، ويعود إلى الاتفاقية من جديد لينضم إليها مرة أخرى.

اقرأ أيضًا: الصين تعطي ترامب درسًا في التاريخ.. الاحتباس الحراري ليس خدعة صينية

5- السياسة الخارجية

«الخبر السعيد هو أن دونالد ترامب لم يبدأ حربًا»، هكذا علَّقت صحيفة الجارديان البريطانية في تقريرٍ لها بمناسبة مرور ستة أشهر على حكم ترامب للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في إشارة منها إلى الحرب النووية التي كانت على وشك البداية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.

وبالرغم من أن ترامب لديه العديد من السقطات فيما يخص السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن نقطة أنه لم يبدأ حربًا تظل نقطة إيجابية، وبالتالي فليس لديه وصمة عار كتلك التي فعلها جورج بوش الابن – على سبيل المثال في بدايته – حروبًا وتدخلات عسكريةً في عدد من البلاد، بالإضافة إلى احتلال العراق، كل هذه التدخلات التي فعلها بوش الابن كلفت الولايات المتحدة الكثير والكثير من الأموال، والأرواح، والانتقادات، والعداء.

اقرأ أيضًا: 10 أيام مجنونة.. طبول الحرب النووية تدق أبواب واشنطن وبيونج يانج

وعلى الوجه الآخر، ساهم ترامب في تشويه صورة الولايات المتحدة الأمريكية كمقر ومصدر رئيس لحقوق الإنسان والديمقراطية في العالم،؛ مما قلل من مكانتها الدبلوماسية في العالم؛ حيث عمل ترامب خلال فترة حكمه في الأشهر الستة الماضية على تعميق وتحسين علاقته بعدد من القادة الاستبداديين، الذين يقمعون شعوبهم، والديمقراطية، وينتهكون العديد والعديد من حقوق الإنسان؛ مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والملك سلمان، ملك السعودية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينج، والرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي، وغيرهم من القادة الشموليين في جميع أنحاء العالم؛ فبدلًا عن أن تكون الولايات المتحدة راعيةً للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، كما تحاول دومًا أن تصدِّر نفسها، أدى تأييد ترامب لهؤلاء القادة وغيرهم إلى كثرة الانتهاكات التي يفعلونها ضد شعوبهم، وضد حقوق الإنسان. وفي المقابل، عمل ترامب على تسطيح علاقاته مع دول الاتحاد الأوروبي، التي ما زالت تسعى إلى الديمقراطية، وتطالبه بها طوال الوقت.

اقرأ أيضًا: «هتلر وترامب»: منذ الحرب العالميَّة.. كيف تبادلت أمريكا وألمانيا الأدوار؟!

الجولات الخارجية لترامب هنا وهناك، يقابل هذا وذاك، جولاتٍ مليئة بالمواقف الكوميدية؛ حيث لا يتردد ترامب في أن يجعل من نفسه، ومن الولايات المتحدة مزحة يضحك عليها العالم كله. لا يستقر على حال واحد؛ فكل حين برأيٍ مختلف، وذلك انطلاقًا من مصلحته الشخصية، القائمة بالأساس على رأس المال، وذلك نظرًا لكون ترامب رجل أعمال بفي الأساس قبل أن يكون رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضًا: خلال 6 أشهر من حكمه.. أبرز 13 موقفًا كوميديًّا لترامب

الخطوة الأبرز في السياسة الخارجية الأمريكية هي خطوة ضرب الولايات المتحدة لمواقع تابعة لنظام الأسد في سوريا، وذلك في تغيير غريب في السياسة الخارجية الأمريكية في أبريل (نيسان) الماضي، وذلك نظرًا لتأييد ترامب لنظام الأسد من البداية. ويُفسِّر عدد من المحللين ذلك بأن ترامب حاليًا في طور تكوين أفكاره السياسية الخالصة، الخاصة بالسياسة الخارجية وغيرها، والتي قد تختلف عن أفكاره وقت الحملة الرئاسية عامي 2015، و2016، ولذلك فهو متذبذب بشدة في الوقت الحالي، وقد يتخذ إجراءات متناقضة مع أفكاره وقت الحملة، ومن ضمنها رأيه في حل الأزمة السورية.

اقرأ أيضًا: ترامب في حيرة.. والمدنيون دائمًا هم الضحية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد