عبد الله كمال 17
عبد الله كمال 17

2,615

بعد أن عاش العالم صيفًا ساخنًا في سنة 2017 بفعل التجارب الصاروخيّة التي أجرتها كوريا الشماليّة فوق اليابان، وتبادل التهديدات الخطيرة بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية «دونالد ترامب» وزعيم كوريا الشماليّة «كيم جونغ أون»، يبدو أن العلاقة بينهما توشك على اتّخاذ منحى مفاجئ نحو التحسّن. فقد أعلن الرئيس الأمريكي ترامب أمس الخميس أنّ كوريا الشماليّة مستعدّة لوقف مشروعها النوويّ، كما أنّ هنالك لقاءً بينه وبين الزعيم الكوري الشابّ قد جرى الاتّفاق عليه.

ورغم النبرة المتفائلة التي غطّت بها وسائل الإعلام هذا الخبر، إلا أن بعض الخبراء يحذّرون من إعطاء مثل هذا اللقاء الرمزيّ أكثر من حجمه، كما يشير البعض إلى الدور الاستثنائيّ الذي لعبته الألعاب الأولمبيّة الشتويّة المُقامة بكوريا الجنوبيّة في انفراج الأزمة التي أرعبت العالم قبل أشهر قليلة.
Embed from Getty Images

«هدنة» بعد صيف ساخن وحرب كلاميّة

أعلن ترامب عبر «تويتر» عن لقاء سيجمعه مع «كيم جونغ أون»، قائلًا: «كيم جونج أون تحدّث مع مسؤولين كوريين جنوبيين عن وقف البرنامج النووي، وليس فقط تجميده. لا تجارب صاروخيّة خلال هذه الفترة من المحادثات. تقدّم عظيم نصنعه، لكن العقوبات ستبقى حتّى الوصول إلى اتفاق نهائيّ. تمّ الاتفاق على لقاء».

وقد جاء هذا الاتفاق المفاجئ بعد زيارة أجراها مسؤولون من كوريا الجنوبية إلى «بيونج يونج» عاصمة كوريا الشماليّة، إذ جرت هناك محادثات مع الزعيم الكوري الشماليّ حول برنامجه النووي، وقد كان الجانب الكوري الجنوبيّ يطلع الأمريكيين على أي تطوّر في المحادثات. بعدها خرج مسؤولون كوريون جنوبيّون ليعلنوا أنّ «كيم» قد كلّفهم برسالة شفويّة مفادها دعوة الرئيس ترامب للقاء، ليعلن البيت الأبيض بعدها أنّه مستعدّ لهذا اللقاء في شهر مايو (أيار) القادم.

بقبول الرئيس الأمريكي ترامب هذه الدعوة، فإنّه سيكون أوّل لقاء بين رئيسي البلدين في التاريخ، كما أنّ سياق هذا اللقاء جاء مفاجئًا لكثير من المتابعين بعد أن حبس العالم أنفاسه بسبب الحرب الكلاميّة التي دارت بينهما، إذ خشي الكثيرون أن تترجم إلى حرب فعليّة.

وكان الزعيمان قد تبادلا التصريحات الناريّة، إذ شدّد ترامب في السابق على ضرورة زيادة العقوبات على كوريا الشماليّة، كما انتقد الزعيم الكوريّ في أكثر من مرّة واصفًا إياه بـ«القصير السمين» وبـ«رجل الصاروخ الصغير»، وهدّد في أكثر من مرّة بأن أيّ محاولة من كوريا الشماليّة لتهديد الولايات المتحدة ستقابل بـ«النار والغضب كما لم يشهد العالم من قبل». أما «كيم» فقد وصف ترامب في أكثر من مناسبة بـ«المجنون»، وبـ«رجل العصابات الذي لا يصلح لقيادة أيّ بلد».

وقد رحّبت عدّة أطراف بهذا اللقاء، من بينها الرئيس الكوري الجنوبي الذي اعتبره «حدثًا تاريخيًّا» في طريق السلام. أما الرئيس الياباني الذي حلّقت الصواريخ الكوريّة فوق بلاده قبل أشهر قليلة فقد أعلن بأنّه «يقدّر هذه المفاجأة كثيرًا»، رغم أنّه كان من بين الأصوات التي أيّدت مزيدًا من الضغط والعقوبات على كوريا الشماليّة، وقد اعتبر في السابق أنّ المحادثات من أجل المحادثات هي «مضيعة للوقت».
ولم يتمّ حتى الآن تحديد مكان أو تاريخ دقيق لإجراء اللقاء بين الزعيمين، إلا أن مصادر صحافيّة تشير إلى أنّ اللقاء سيجري في شهر مايو القادم.

اقرأ أيضًا: «البيتكوين» أبرزها.. 5 أسلحة تتغلب بها كوريا الشمالية على العقوبات الاقتصادية

«الألعاب الشتوية» تكسر الجليد بين الكوريّتين

الألعاب الشتويّة المقامة في كوريا الجنوبيّة كانت مكانًا للتنافس على مختلف الرياضات الشتويّة بين بلدان العالم في العلن، لكن في الكواليس كانت تجري مناورات سياسيّة ورسائل دبلوماسيّة على أعلى مستوى بين الكوريّتين والولايات المتّحدة الأمريكيّة.

ظهرت مؤشرات على إمكانية حدوث انفراج في الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشماليّة خلال دورة الألعاب الشتويّة التي انعقدت في شهر فبراير (شباط) الماضي في كوريا الجنوبيّة، إذ قامت كل من البعثة الكورية الشمالية والجنوبيّة بالمشاركة في الحفل الافتتاحيّ كفريق واحدٍ، ومشى الكوريون الشماليّون والجنوبيّون جنبًا لجنبٍ، وحملوا أعلامًا تصوّر خريطة كوريا الموحّدة، في صورة شديدة الرّمزيّة.

لم تكن هذه الخطوة هي الحدث الملفت الوحيد، فقد حظيت مشاركة شقيقة الزعيم الكوريّ الشمالي في الأولمبياد الشتويّ ولقاؤها الرئيس الكوري الجنوبيّ باهتمام إعلاميّ واسع، إذ رجّحت الصحافة العالميّة حينها إمكانيّة حدوث انفراج في المحادثات الثنائيّة بين الجارتين الكوريّتين.

Embed from Getty Images

شقيقة الزعيم الكوريّ مع رئيس كوريا الجنوبيّة.

يضاف إلى ذلك حضور نائب الرئيس الأمريكي «مايك بنس» الأوليمبياد الشتويّ وجلوسه بالقرب من أخت الزعيم الكوريّ، بالإضافة إلى التقارير الصحافيّة التي أشارت إلى أنَّ لقاءً بينه وبين مسؤولين كوريين شماليّين قد أُلغي في الدقائق الأخيرة بسبب تصريحات بنس التي اعتبرها الكوريّون استفزازيّة بعد أنّ صرّح بأنّ «الولايات المتّحدة ستقف في طريق نظام كيم الإجراميّ الذي يريد أن يبيّض صورته عن طريق صور جميلة في الأوليمبياد».

Embed from Getty Images

نائب الرئيس الأمريكي في افتتاح ألعاب الأولمبياد الشتوي، وتظهر في الصورة شقيقة الزعيم الكوري الشمالي.

اقرأ أيضًا: ما لا يخبرك به الإعلام.. رئيس كوريا الشمالية ليس أحمقَ بل ذكي جدًا على الأرجح

الصين تُبارك وتترقّب

عبّرت الصين عن تشجيعها لهذه المبادرة، واعتبرتها «خطوة في الطريق الصحيح» كما جاء على لسان وزير خارجيّتها: «نتمنّى من جميع الأطراف أن تتحلّى بالشجاعة السياسيّة من أجل أخذ قرار سياسيّ ببدء محادثات ثنائيّة من أجل الوصول إلى حلّ سلميّ للمشكلة النووية، وستواصل الصين جهودها في هذا المسعى».

وكانت الصين قد دعت من قبل إلى عقد اتّفاق مع كوريا الشماليّة شبيه بالاتفاق النووي الذي عُقد مع إيران في سنة 2015 والذي ينصّ على إيقاف إيران لمعدّلات تخصيب المواد النووية عند معدّلات دُنيا لمدّة 15 سنة، على أن ترفع الولايات المتّحدة وباقي حلفائها العقوبات المسلّطة على إيران. وتعدّ الصين أكبر داعم للنظام الكوري الشماليّ وأكبر متعامل اقتصاديّ معه، وكان الرئيس ترامب قد انتقد الصين سابقًا على عدم بذلها جهودًا حقيقيّة من خلال النفوذ الكبير الذي تمتلكه في كوريا الشماليّة.

لكن الأمور بالنسبة للصين تبدو أعقد من مجرّد دعم هذا الاتفاق – إن تمّ -، فقد أشار بعض الخبراء إلى أنّ الصين تخشى من مكانتها المحوريّة التي تحظى بها عند كوريا الشماليّة في حالة عقد اتّفاق دائم مع الولايات المتّحدة، خصوصًا إذا اعترفت إدارة ترامب بالواقع النوويّ لكوريا الشماليّة، كما تخشى من أن تستخدم أمريكا ورقة كوريا الشماليّة – في حال الاتفاق – كورقة ضغط على الصين في ملفّات أخرى.

انطلاقًا من هذه الحسابات فإن الصين لن تسمح بأن يجري تجاوزها أو تجاهلها في المحادثات المعقودة بين الطرفين، خصوصًا بعد أن انضمّت الصين إلى الولايات المتّحدة السنة الماضية في زيادة التضييق على نظام كيم جونغ أون، بعد أن وقّعت على وثيقة تلتزم فيها بعقوبات جديدة على كوريا الشماليّة، لكن رغم ذلك، ما زال خطر حرب تجاريّة مع الولايات المتّحدة يلوح في الأفق.

اقرأ أيضًا: كيف يشعل ترامب شرارة حرب تجارية عالمية الآن؟

لماذا لا يجب أن نسرف في التفاؤل؟

في الوقت الذي تفاءل فيه الكثيرون بهذه المبادرة كونها خطوة في طريق انفراج أزمة المشروع النووي الكوريّ، إلا أنّ أصوات الخبراء والباحثين في العلاقات التاريخيّة بين الولايات المتّحدة والنظام الكوريّ لم تكن بنفس القدر من التفاؤل، فقد أشار «روبرت كيلي» أستاذ العلوم السياسيّة في جامعةَ «بوسان» بكوريا الجنوبيّة إلى أنه رغم كون المحادثات تعتبر إيجابيّة من ناحية الشكل، إلا أنّ مثل هذه القمم بين الرؤساء عادة ما تأتي بعد الكثير من اللقاءات بين المسؤولين الذين يشرفون على التفاصيل المهمّة.

وأوضح «كيلي» أن موافقة ترامب على لقاء كيم نابعة من حبّه للظهور الإعلاميّ فقط، بدون نقاشات مسبقة من طرف المسؤولين الأقلّ رُتبة بين الطرفين للاتفاق على الخطوط العريضة والتفاصيل المهمّة. ويشير إلى أنّ الرئيس الأمريكي السابق «بيل كلينتون» قد رتّب لزيارة كوريا الشماليّة بعد خمس سنوات كاملة من المفاوضات الماراثونية حول أدقّ التفاصيل، لكن الزيارة لم تحدث، فكيف يريد ترامب الذي أمضى السنة الماضية كلّها في حرب كلاميّة مع كيم أن يُسفر هذا اللقاء عن إحداث تقدّم في المفاوضات؟

ويضيف «كيلي» بأنّ موعد اللقاء المحدّد في شهر مايو غير كافٍ للتحضير بشكل جديّ لمثل هذه القمّة، خصوصًا أن ترامب معروف عنه أنّه لا يقرأ الملفات ولا يلتزم بالتوصيات التي يُعدّها الخبراء الحكوميّون في مثل هذه القضايا الهامّة.

يضيف «كيلي» أنّ كوريا الشماليّة لم تعطِ أيّة مؤشّرات إيجابيّة على التزامها بحوار جادّ؛ إذ لم توقف استفزازاتها في الحدود مع كوريا الجنوبيّة، ولم تفعّل إجراءات لمّ شمل الأُسر المفرّقة بين كوريا الشمالية والجنوبيّة. ولهذا السبب يرى كيلي أن كوريا الشماليّة في الحقيقة لن تخسر أيّ شيء من مثل هذا اللقاء، بل ستستفيد منه على الأرجح، في حين يمكنها في أيّ لحظة الانسحاب والتخلّص من أي التزام أو اتفاق.
اقرأ أيضًا: لو قامت الحرب المنتظرة بين أمريكا وكوريا الشمالية.. من سينتصر عسكريًّا؟