أظهرت الضربة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة على مطار الشعيرات السوري وقوع تغيير في طريقة رؤية وتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع المشاكل والأزمات، إذ يبدو أن الأقوال والأفعال عند الوصول للسلطة تختلف عن فترة الحملات الانتخابية والبرامج التليفزيونية.

بدأ الرئيس الأمريكي يكتشف أن الحكم وإدارة الدولة ليست مهمة بسيطة مثلما كانت عمليات النقد المستمرة له طوال فترة حملاته الانتخابية. فمنذ أن تولى ترامب السلطة رسميًا في البلاد، لم يكن هناك أي نقص في المشكلات والأزمات الدرامية، لكن غالبيتها كانت أزمات داخلية من صنعه هو، ليكتشف أن التعامل من داخل المكتب البيضاوي يختلف عن التعامل عبر تويتر، طبقًا لما ذكره موقع سي إن إن.

 

انتقال إلى مستوى جديد

فجأة، انتقل ترامب إلى درجة أعلى وأكثر تعقيدًا لمهام وظيفته، السياسة الخارجية. إذ يبدو أن الأحداث العالمية والزعماء »المارقين« جلبوا مشاكل حقيقية وملحة إلى عتبة باب البيت الأبيض، ليجد ترامب نفسه في مواجهة أحداث تحتاج إلى رد ما.

في غضون 24 ساعة، أثارت دولتان ضجتين كبيرتين حول العالم بأفعالهما. في سوريا، قتل عشرات المدنيين، بمن فيهم العديد من الأطفال، بسبب هجوم بالأسلحة الكيميائية، تشير كافة الدلائل أن خلفه الرئيس بشار الأسد. ثم أطلقت كوريا الشمالية صاروخًا باليستيًا باتجاه اليابان قبيل اجتماع محوري بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.

 

 

الكيماوي السوري

في الوقت الذي كان يبحث فيه ترامب، الرئيس، كيفية الرد على الهجوم الكيميائي في سوريا، ربما كان عليه استشارة دونالد ترامب، نجم التلفزيون الواقعي والمعلق السياسي والاقتصادي على تويتر، الذي كان لا يتوقف عن طرح الآراء القوية حول عدم الذهاب إلى سوريا في عام 2013.

وفي الوقت الذي كان يلتقي ترامب فيه مع كبار مستشاريه العسكريين والسياسيين في فلوريدا لمناقشة اتخاذ إجراءات في سوريا بعد الهجوم الكيميائي، كانت آراء وتعليقات ترامب الماضية تلقي ظلالًا من الشك على كونه موافقًا على القيام بعمل عسكري في سوريا، وعما إذا كان يعتزم الذهاب إلى الكونغرس للحصول على الموافقة.

ترامب عبر شنه ضربات بصواريخ توماهوك على المطار الذي انطلقت منه طائرات النظام السوري التي شنت الهجمات الكيمياوية على منطقة خان شيخون، استهل أول تدخل عسكري أمريكي مباشر ضد قوات النظام السوري منذ انطلقت الأزمة السورية عام 2011.

وكان ترامب قد غرد سابقًا خلال فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما أنه ينبغي ألا تشن الولايات المتحدة هجومًا على سوريا لأنه أمر خاطيء.

 

 

التناقض الثاني ظهر في شن ترامب الضربة دون إذن مسبق من الكونغرس الأمريكي، بينما كان قد طلب من سلفه أوباما ألا يقوم بتدخل عسكري في سوريا إلا بعد العودة للكونغرس.

 

 

وبصفته رئيسًا، لم يقل ترامب ما إذا كان سيذهب إلى الكونغرس لطلب الموافقة والحصول على إذن بالعمل العسكرى. وكان الجمهوريون والديموقراطيون في مبنى الكونغرس ذكروا يوم الخميس 6 أبريل (نيسان) أنهم يؤيدون أن يطلب ترامب منهم الموافقة عليها قبل أي تحرك ضد بشار الأسد.

 

وكثيرًا ما أظهر الرئيس أن ما قاله قبل سنوات على الشبكات الاجتماعية لا يعكس بالضرورة أي معتقدات عميقة لديه بشأن قضية ما. وكما قال ترامب يوم الأربعاء 5 أبريل (نيسان)، فإن شريط فيديو الأطفال الذين يعانون من الهجوم الكيماوى قد «غيّر كثيرا» رؤيته لسوريا والأسد. لكن السياسة بالطبع لا تؤخذ بهذه الطريقة العاطفية.

الأمر الوحيد الذي لم يتناقض فيه ترامب كان المتعلق بعدم إثارة الدعاية عندما يتعلق الأمر بأخذ عمل معين تجاه سوريا. ترامب كان قد وجه انتقاد لأوباما بعد تراجع الأخير عن ضرب نظام بشار الأسد، قائلًا «لماذا نواصل البث الدعائي عندما نهاجم سوريا؟ لماذا لا يمكننا أن نكون هادئين فقط؟ وإذا كنا نريد الهجوم فلنهاجم مباشرة، ونضربهم على حين غرة».

 

 

الآن قام ترامب بتنفيذ تهديده عمليًا وفي وقت سريع دون إثارة الكثير من الدعاية والجدل الإعلامي كعادته. ويبدو أن رفض الرئيس الأمريكي باراك أوباما وتردده كثيرًا في شن غارات على نظام بشار الأسد كان له ما يبرره، وهو ما بدأ ترامب يستوعبه حاليًا.

 

هرب من الأزمات الداخلية

تسائل الصحفي البريطاني جيمس مور في تقرير له بموقع صحيفة الإندبندنت، هل أنا فقط من أشعر بهذا أم أن هناك شيء مثير للسخرية بشكل خافت حول قيام دونالد ترامب بتقديم محاضرات عن سلوك بشار الأسد؟

إن مقتل عشرات المدنيين في شمال سوريا في هجوم كيميائي واضح من قبل سلاح الجو التابع لبشار الأسد يبرر بالتأكيد وصفه بأنه «إهانة للإنسانية». لكن يبدو أن انتقادات ترامب في بداية فترة رئاسته دون أفعال واضحة، بالإضافة لسياسات سلفه أوباما، هي التي زودت بشار الأسد بالغطاء الذي يحتاجه لإتمام هذا الهجوم.

لكن في أعقاب ها الهجوم، أنهت الولايات المتحدة حالة غض الطرف وتستل أخيرًا سيفها الباتر مع نظام الأسد. وكان السؤال هنا عما إذا ما كانت ستعمل الولايات المتحدة على الرد بمساعدة من يقال إنه حليف أساسي لترامب، روسيا، أم أنها ستتصرف بمفردها. الفكرة هنا ليست في روسيا، ولكن الصحفي البريطاني يرى أن هناك أمر أهم يقف وراء إقدام ترامب على هذه الخطوة المثيرة للاهتمام.

ما يثير القلق حول هذه القضية كلها الآن هو أن ترامب قد خرج للتو من هزيمة محلية مهينة. فاستراتيجيته الخاصة بالرعاية الصحية تحولت إلى أسمال بالية، ووعده بالإشراف على الإلغاء السريع لقانون الرئيس أوباما الخاص بتقديم الرعاية بأسعار معقولة قد جرى كسره.

الهدف التالي داخليًا الذي يسعى إليه ترامب الآن هو محاولة تمزيق إصلاحات «دود – فرانك» للتنظيم المصرفي، الذي جرت صياغتها في أعقاب الأزمة المالية، والتي يجب عليه أن يثبت أنها معركة أسهل بالنسبة له كي يربحها، خصوصًا وأن الجمهوريين يحبون جدًا إلغاء هذه التنظيمات والإصلاحات.

لكن وول ستريت ليست مقتنعة بأن ترامب سوف يصل إلى مرحلة بعيدة تجاه إلغاء هذه التنظيمات. المشكلة هي التنظيمات المصرفية يمكن أن تكون أي شيء عدا كونها موضوعًا مثيرًا.

هنا يأتي الحل: لماذا لا تصعد إلى المسرح العالمي، كما اعتاد القادة الأمريكيون عندما تتخبط سياساتهم الداخلية؟

القليل من الضربات تجاه بشار الأسد؟ هي مجرد التذكرة الملائمة لهذا الأمر. بضعة طلعات جوية من القوات الجوية الأمريكية، بموافقة هادئة من بوتين؟ وتصل إلى مرادك. وبوتين قد يوافق على الأمر مقابل مجرد إبعاد الروس عن مكان الضربات، ولن يقدم الكثير من الشكاوى بعدها، وبشار الأسد في متناولنا.

 

 

بعد أن جرى إسقاط القنابل، يظهر ترامب في صورة البطل المظفر. إذا لم يكن أوباما قادرًا على السيطرة على هؤلاء «العرب الرعاع»، فإن هناك شرطي جديد في المدينة. لا يوجد شيء مثل حرب صغيرة لطيفة لتتمكن من جمع الشعب كله من حولك. فقط أسأل جورج دبليو بوش، الذي استلم فترة ثانية بعد اثنين من الحروب الكبرى. فقد قصف أسامة بن لادن في أفغانستان، ثم جر البلاد إلى حرب كارثية في العراق.

 

فرص ومخاطر

وطبقًا لما نقله موقع هافينغتون بوست عربي، فقد أظهر ترامب، الذي يواجه أول اختبارٍ رئيسي له في السياسة الخارجية، انفتاحه على العمل العسكري ومرونةً في نهجه خلال 48 ساعة فقط، بعد رؤيته الأدلة المُصوَّرة من الهجوم الكيماوي الذي قام به نظام الأسد.

وبحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، تشكل الضربات الصاروخية نقطة تحوُّلٍ مبكرة في رئاسة ترامب. إذ أن هذا الهجوم هو أول قراراته العسكرية الرئيسية بصفته قائدًا أعلى للقوات المسلحة. كما أنه أيضًا أول قرار عسكري ذي تبعات، يراها الأمريكيون والعالم.

لكن هذا الهجوم يمنح إدارة ترامب فرصة لمطالبة بوتين إما باحتواء أو إزاحة بشار الأسد، أو سيوسع ترامب، وبصورة سريعة، العمل العسكري الأمريكي المحدود في حال فشل الرئيس الروسي في القيام بذلك.

ومن غير الواضح كيف سيكون رد فعل الأسد أو حليفتيه: روسيا وإيران. وليس واضحًا إذا ما كان هذا التحرك الجديد يهدف إلى إقحام الولايات المتحدة بصورة أكثر قوة في الصراع السوري الدائر منذ ست سنوات. إذ أنه سيلزم الجيش الأمريكي في هذه الحالة، بانخراط أكبر في الشرق الأوسط، أو ما إذا كان يعتزم التوقف عند مجرد البعث بإشارة مفادها أن البيت الأبيض لن يتهاون مع استخدام الأسلحة الكيماوية.

بالتأكيد هناك رسالة واحدة واضحة، وهي أن ترامب على استعداد لاستخدام القوة واتخاذ القرارات بسرعة حينما يبدأ العمل. غير أنَّ ترامب، ومع بعثه رسالته باستخدام كلٍ من الصواريخ والخطاب الرئاسي يواجه خيارًا صعبًا كان قد واجهه سلفه أوباما وقادة العالم الآخرين، وهو المتمثل في سؤال «ماذا الآن؟».

هذا السؤال هو الذي دفع الرئيس باراك أوباما إلى اتخاذ قراره برفض الانخراط عسكريًا بصورة أعمق في سوريا. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أيضًا مخاطر كبيرة لترامب خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بمجرد أن تزول قناعته الآنية بجعل الأسد يدفع ثمن أعماله التي وصفها بالبربرية.

 

 

ربما تكون هناك رسالة أخرى أراد ترامب توجيهها من قيامه بهذه الضربة ضد نظام الأسد، لا تتعلق فقط بمعاقبة النظام السوري أو حلفائه، لكنه وجه رسائل مبطنة إلى أنظمة «معادية» أخرى، مثل النظام الكوري الشمالي. قد تكون الضربة الأمريكية الأخيرة لنظام بشار الأسد صحيحة أو خاطئة، إلا إنها بالتأكيد ستغير كثيرًا من قواعد اللعبة في الشرق الأوسط من جهة، وحول العالم من جهة أخرى.

هذه الضربة ستكون لها تبعات على الولايات المتحدة نفسها، وهو ما بدأ يظهر من تصريحات المسؤولين في روسيا – على سبيل المثال – الذين اعتبروا الهجوم الأمريكي بمثابة خرق للقانون الدولي وسيؤثر على العلاقات بين الدولتين، في وقت كان يعتقد البعض أن روسيا هي الحليف الأكبر لترامب.

وبحسب موقع نيويورك تايمز الأمريكي، تتمثل المخاطرة الأولى في أن تفشل مناورته مع بوتين. فربما يكون الزعيم الروسي فضل ترامب، وبصورة قوية، على منافسته، هيلاري كلينتون، خلال الانتخابات. لكن من المستبعد أن يوافق بوتين على اتفاق يهدد نفوذه في سوريا، وبالتالي موطئ قدمه الرئيسي في الشرق الأوسط. وتعد سوريا موطنًا للقاعدة العسكرية الرئيسية لروسيا خارج حدودها.

وتتمثَّل المخاطرة الثانية في أن ترامب، وخلال محاولته لمعاقبة الأسد، قد يضعف هدفه الأساسي في المنطقة، والمتمثل في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ومن غير الواضح ما إذا كان مقاتلو داعش، الذين كانوا بالفعل في حالة تراجع قبل تولي ترامب للحكم، قد يستغلون وجود سوريا أكثر تشتتًا مما هي عليه الآن. لكن، وكما يشير الجنرال المتقاعد الذي خطط للطفرة العسكرية الأمريكية في العراق، ديفيد بترايوس، فإن أحد دروس العقد الماضي هي أنه إذا ما أوجد فراغًا في السلطة، فستقوم مجموعات متنوعة من «المتطرِّفين الإسلاميين» باستغلاله.

وتتمثَّل المخاطرة الثالثة في أن ترامب لا يمتلك أية خطة حقيقية لإحلال السلام في سوريا. فقد انهارت المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة للتوصل إلى نوعٍ من التوافق السياسي، الذي كان يعد بمثابة مهمة جون كيري خلال الأشهر الـ18 الأخيرة في منصبه باعتباره وزيرًا للخارجية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد