تغرق الأراضي الليبية منذ ستّ سنوات في صراعٍ عسكريٍّ وسياسيّ واقتصاديّ، فمن جهة، حكومة الوحدة الوطنية المدعومة دوليًا غير قادرة على تأكيد سلطتها على البلاد، ومن جهةٍ أخرى، يدور صراعٌ إقليميّ ودوليّ في فلك الجنرال العسكري «خليفة حفتر».

ورغم أن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» قال بسرعةٍ وبوضوح إنّه لن يكون هناك دورٌ للولايات المتحدة في ليبيا عقب توليه الإدارة الأمريكية، إلا أنّ المفاجأة التي حملتها الأيام الماضية هي أنّ واشنطن تسعى إلى رفع مستوى انخراطها الدبلوماسي والعسكري في ليبيا، كونها وجدت أن هناك خطرًا من ليبيا على أمنها القومي، وحاجةً لدعم حلفائها المتضرِّرين من الأوضاع الليبية وأولهم إيطاليا التي عرضت على الولايات المتحدة استخدام قواعدها ومجالها الجوي لشنّ ضربات في ليبيا ضد «تنظيم الدولة».

تغيُّر الموقف الأمريكي تجاه ليبيا

«لا أرى دورًا في ليبيا. أظنُّ أن الولايات المتحدة لديها الآن ما يكفي من الأدوار»، هذا ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مارس (آذار) الماضي، لطيّ الصفحة الأمريكية في ليبيا عقب رحيل الإدارة السابقة لأوباما.

الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»

لكنَّ الأيام القليلة الماضية حملت مؤشراتٍ على أنّ الموقف الأمريكي السابق سيتغيّر قريبًا في ليبيا، إذ إنّ «ترامب» الذي تغيّرت مواقفه أكثر من مرة، أدرك متأخرًا الأهميَّة الحاسمة لليبيا في الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي، وأنه لا يمكنه تجاهل التهديد الأمني الذي تشكِّله ليبيا على حلفاء الولايات المتحدة في جنوب البحر المتوسط، لذلك يجب الاستجابة للمطالب الايطالية وغيرها برفع مسألة حل الصراع الليبي إلى مرتبة الأولوية بالنسبة لاستقرار العالم.

وتدرس واشنطن الآن رفع مستوى انخراطها الدبلوماسي والعسكري في البلد الشمال أفريقي، الأمر الذي أطلقت عليه شبكة سي إن إن: خطة لسياسة جديدة في ليبيا، تقتضي هذه الخطَّة في حال الموافقة عليها توسيع التواجد الأمريكي في ليبيا، ودعم المصالحة بين الفصائل المتنازعة في الشرق والغرب، وإعادة تأسيس التواجد الأمريكي في بني غازي، مع زيادة التعاون الاستخباراتي والتدريب العسكري.

وينبع تهديد جنوب أوروبا من الهجرة غير الشرعية التي تعدُّ ليبيا نقطة المرور الأكبر لها، فإلى إيطاليا وحدها وصل هذا العام أكثر من 70 ألف مهاجر، بينما سجّل العام الماضي وصول أكثر من 180 ألف مهاجر، أما النشاط الإجرامي، فشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات والسلاح العابرة للحدود تمر من صحارى أفريقيا إلى البحر المتوسط وتقوم بتهريب ما تريد، ووصل أمر تسيب الوضع على الحدود الليبية إلى قيام بعض الجماعات المسلحة بدوريات من أجل حماية مصالحهم الخاصة.

وفيما يتعلَّق بمحاربة «تنظيم الدولة»، فقد حصر ترامب الدور الأمريكي منذ البداية في محاربة التنظيم، عندما قال «أرى دورًا في القضاء على داعش، نحن ناجعون جدًا في ذلك الشأن.. أعتبر ذلك دورًا أساسيًا وذلك هو ما سنفعله سواء في العراق أو ليبيا أو أي مكان آخر»، بالتالي تحلُّ محاربة التنظيم كهدف أمريكي لزيادة التدخل في ليبيا على أعتاب الهزيمة التي مني بها التنظيم في سوريا والعراق.

لافتة ترحب باللاجئين

فمكافحة الإرهاب الذي يتوخاه ترامب في سياسته الخارجية، قائمة ما دامت الحدود الليبية، التي يسهل اختراقها، بيئة خصبة لتواجد الجماعات المسلحة، فبالرغم من طرد التنظيم من سرت في أواخر عام 2016 بمساعدة القصف الجوي الأمريكي، لم يتم استبعاده من ليبيا، و من السهل أن يعيد تشكيل الشبكات الإجرامية من جديد.

ترامب نحو «نجم حفتر»

«كان يجب أن نشترط على الثوار أن نأخذ نصف النفط مقابل مساعدتهم ضد القذافي»، جزء من تصريح «ترامب» في حوار أجراه مع شبكة «فوكس بيزنس» الأمريكية، في أغسطس (آب) الماضي. التغيُّر الذي يظهر دورًا أمريكيًا جديدًا في ليبيا كما أسلفنا، يشمل تغيرات عدة، منها تقرب الرئيس الأمريكي من قادة الثورة المضادة الذي سبق وأن رغب في التخلص منهم مقابل النفط وأولهم حفتر، وذلك لأن «ترامب لا يفهم إلا لغة المال والمصالح، وعليه، فإن قراراته وتحالفاته ستكون مبنية وفق المصالح والرأسمالية الأنانية، وهذه المصالح بكل تأكيد سيجدها مع رموز نظام معمر القذافي التي تحرك المشهد الليبي»، كما يقول المحلل السياسي الليبي، أسامة كعبار.

أحد أفراد الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده خليفة حفتر (المصدر: رويترز)

من جانبه، يقرأ محمد الشرقاوي، الخبير في السياسة الأمريكية في شمال أفريقيا في حديثه لدويتشه فيله، ثلاثة عوامل تدفع البيت الأبيض نحو «حفتر» أكثر في المرحلة المقبلة، أولها: أن ليبيا تشكّل إلى جانب سوريا المناطق الأولى المرشّحة لبلورة أرضية ملائمة للتعاون الأمريكي الروسي في حملة القضاء على التطرّف أو ما يسمّيه ترامب (الإرهاب الإسلامي الراديكالي)، وثانيها: ميول ترامب نحو تكريس سياسة (الغاية تبرّر الوسيلة) على الطريقة المكيافيلية دون الاكتراث بالمعاهدات أو الاتفاقيات الدولية أو سياسة القيم، أما ثالث هذه العوامل فهي: مستوى الدعم السياسي واللوجستي الإقليمي الذي حصل عليه (حفتر) منذ 2014 من دول كمصر والإمارات، وأيضًا النبرة الإيجابية الراهنة بينه وبين الكرملين، حيث رشحت معلومات عن خطة توصلت إليها موسكو لإيصال إمدادات الأسلحة إلى قوات حفتر عبر الأراضي الجزائرية، حسب الشرقاوي.

نادي الأقوياء الجُدد.. خمسة أقطاب على الأرض الليبية

يقضى الاقتراب الأمريكي المحتمل من «حفتر» محاولات ضمّه إلى حلّ لإنهاء الصراع في ليبيا، فالدول الأوروبية والعربية المجاورة لليبيا تخشى أن يتمّ تغليب لغة الحل العسكري على حساب التسوية السياسية في ليبيا، وتريد هذه الدول تمكين حكومة مركزية ليبية تسيطر على الوضع الليبي.

لكنّ «حفتر» الجنرال العسكري، قد يصرُّ على رفض حكم مدني لليبيا، مما يصعِّب على الولايات المتحدة إمكانية إدماجه في العملية السياسية، خاصَّة أن دول عربية هي مصر وتونس والجزائر لم تتمكَّن من إدماج الرجل في تلك العملية، عندما سعت في 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 لتوقيع بيان مشترك يدعو إلى تعديل اتفاق الصخيرات (المغرب)، ويقوم على إدماج بعض الشخصيات من بقايا نظام القذافي، ومنها حفتر في عملية سياسية.

كما تصطدم الرغبة الأمريكية بالعديد من التحديات، من ضمنها «حرب الوكالة» الذي تديرها كلا من مصر والإمارات العربية المتحدة على الأرض الليبية، فمن الخطوات الأمريكية الأولى نحو الوضع في ليبيا هي إقناع مصر والإمارات بالكف عن تلك الحرب، لتحديد وجهة جديدة نحو حل الصراع الليبي، ولتحقيق هذا الهدف، زار كلا من قائد القوات الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) الجنرال «توماس والدهاوزر» والسفير الأميركي في ليبيا «بيتر بودي» القاهرة قبل بضعة أيام، والتقيا برئيس اللجنة المصرية المعنية بالملف الليبي الفريق «محمود حجازي».

تظاهرة في ليبيا (المصدر : رويترز)

وسواء كان هذا اللقاء بغية واشنطن التنسيق مع القاهرة لتوسيع دورها في ليبيا، أو لضمان عدم مساس التحركات العسكرية الليبية بالفئات المدعومة من قبل الولايات المتحدة، فإن الأخيرة تدرك أهمية الدور لمصري والإماراتي اللذين يدعمان مجلس النواب في طبرق شرقي ليبيا وحفتر، في الدفع نحو المفاوضات السلمية عبر إجراءات عملية لإنهاء الانسداد السياسي أو لضمان التأييد الدولي لتحركات الجيش الوطني الليبي في اتجاه المنطقة الغربية.

يقول محمد الشرقاوي، الخبير في السياسة الأمريكية في شمال أفريقيا: «ضمن دائرة تحالف إستراتيجي يتبلور حاليًا على إيقاع دبلوماسية هادئة بين خمسة أقطاب: بوتين وترامب ونتنياهو والسيسي وحفتر، وأن تكون ليبيا بمثابة المختبر السياسي والعسكري الأول لتكريس هذه الإستراتيجية تحت شعار مقاومة المد الإسلاموي المتطرف، باعتباره القاسم المشترك والأولوية لدى القادة الخمسة»، ويعتبر الشرقاوي أن هذا التحالف سيكون «عبارة عن نادي الأقوياء الجدد الذي سيتمرد على ضوابط المرحلة السابقة التي غلب عليها تمسذُك باراك أوباما بلغة الحوار والدبلوماسية والتعامل مع الشؤون الدولية من خلال بوابة الأمم المتحدة».

يذكر أن روسيا لم تتردد في الانخراط في الشأن الليبي، فدبلوماسيًا استقبلت العديد من المسؤوليين الليبيين في موسكو، وعلى رأسهم حفتر، الذي سعت لدعمه عسكريًا ولوجستيا، وسياسيًا حاولت فك الحظر بشكل جزئي على تسليح الجيش الليبي، واقتصاديًا تحاول الوصول إلى ميناء بنغازي و استغلال موارد النفط الليبية لتعويض مليارات الدولارات من الاستثمارات في ليبيا.

المصادر

تحميل المزيد