يبدو أن التجانس بين إدارتي الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في السياسات الخارجية، والإيمان بنظرية المؤامرة كمحدد رئيسي لكليهما في إدارة الحُكم، تجلت بشكل عملي في إعلان المنصة الإعلامية التي تعمل لصالح ترامب افتتاحها مقرًا لها بمنطقة الشرق الأوسط، وذلك في العاصمة المصرية.

الإعلان عن اختيار القاهرة كمقر للموقع اليميني مسألة وجدت قبولًا واحتفاءً رسميًّا من السلطات المصرية، فيما يُعتقد أن يكون لعدد من الشخصيات العامة المصرية دور في الترويج للموقع داخل مصر، وعلى رأسهم البرلماني خالد الجندي، الذي كشف تقرير للجارديان عن كونه مالكًا للمقر الرئيسي للموقع بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

نافذة ترامب الإعلامية: محتوى صحافي هادف للإثارة.. وصوت يميني متشدد

موقع بريتبارت، موقع إخباري يميني، والذي يُمثل المنبر الأهم لليمين المتطرف في أمريكا وأوروبا، أسسه أندرو بريتبارت، رجل الأعمال، وأحد رموز المحافظين اﻷمريكيين، عام 2007، بمقر رئيسي في العاصمة الأمريكية «واشنطن»، ومكتبين خارج الولايات المتحدة، أحدهما في لندن، واﻵخر في القدس.

منصة

يمثل اختيار ستيف بانون المدير التنفيذي للموقع الإخباري، مديرًا للحملة الانتخابية لترامب، قبل أن يتم اختياره كبيرًا لمستشاري الرئيس الأمريكي الجديد، دلالة كُبرى عن تحول الموقع لوسيط تليفزيوني ترويجي للسلطة الحاكمة.

حسب، كيرت بارديلا، المتحدث السابق باسم «بريتبارت»، والذي استقال من موقعه في وقت سابق هذا العام، أن الموقع قد يتحول لـ «مؤسسة إعلامية تديرها الدولة»، بينما اتهم بين شابيرو، المحرر السابق لدى «بريتبارت»، الموقع بالتحول تحت إدارة بانون إلى منصة «لنشر خطاب قومي عرقي أبيض».

ينتشر الموقع بين شرائح متنوعة داخل المجتمع الأمريكي، خصوصًا الجمهوريون، فقد احتل المرتبة الرابعة من حيث التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي ليلة الانتخابات في الولايات المتحدة، متخطيًا بذلك شبكة فوكس نيوز، وشبكة سي إن إن، ونيويورك تايمز، فيما يقدر عدد زيارات الموقع بـ 13- 18 مليون زائر شهريًّا في العام الماضي، بمتوسط زمني كبير لكل زيارة، وهو ما يعني أن القراء يقضون وقتًا كبيرًا على الموقع، فضلًا عن الشعبية كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي.

يستطيع القارئ التعرف إلى هوية الموقع من خلال تصفح التقارير التي ينشرها الموقع، فخلال العام الماضي نشر الموقع نماذج عديدة لنوعية التقارير اليمينية التي تسعى للإثارة، مثل: «هل النسوية تجعل النساء قبيحات؟»، «حبوب منع الحمل تفقد النساء جاذبيتهن وتجعلهن مجنونات»، «صراع الغرب والإسلام هو الحرب الباردة الجديدة.. هذا هو طريقنا للانتصار».

يحتوي الموقع كذلك على نوعية التقارير التي لا تتورع عن السخرية من المتحولين جنسيًّا، واتهامهم بالشذوذ، والتحقير من النسويات، واتهام المسلمين والمهاجرين بأنهم السبب الحقيقي في نشر ثقافة الاغتصاب والتحرش في الغرب، فضلًا عن كون المادة الصحافية الغالبة معادية للدعاوى التي تطالب بحقوق الإنسان، وحرية الإعلام.

في التغطية الخبرية لزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للولايات المتحدة الأمريكية الأخيرة، ركز على أهمية الدور المصري في أي حل لمعالجة الصراعات القائمة في الشرق الأوسط، مقترحًا تشكيل تحالف باسم «ناتو عربي» تقوده مصر، والرئيس عبد الفتاح السيسي.

نافذة « ترامب» الإعلامية تتوسع: مقر جديد بالقاهرة

التنسيق وتجانس المواقف بين دونالد ترامب، وعبد الفتاح السيسي، والاحتفاء الإعلامي المصري بوصول ترامب السلطة، واعتباره داعمًا للسياسات القمع التي تمارسها السلطات المصرية، ربما تكون مُبررات قوية لتصديق رواية صحيفة نيويورك تايمز التي قالت إن موقع بريتبارت، النافذة اﻹعلامية التابعة للرئيس اﻷمريكي المنتخب دونالد ترامب، يخطط لفتح مكتب له في القاهرة إلى جانب برلين وباريس، معتبرة أن البلدان الثلاثة «تشهد صعودًا لليمين الشعبوي».

منصة

التوسع في تأسيس مكاتب خارجية جديدة في (باريس وبرلين والقاهرة) للموقع الإلكتروني، بالتزامن مع اختيار الرئيس التنفيذي لموقع بريتبارت، ستيفن بانون، في منصب كبير المخططين الإستراتيجيين في إدارة ترامب الجديدة في البيت اﻷبيض، فسره أليكساندر مارلو، رئيس تحرير بريتبارت، بأن التوسع الدولي مرتبط بالانتخابات القادمة في فرنسا وألمانيا. وأوضح أن الموقع يخطط لدعم ترشيح ماري لوبين، زعيم الجبهة الوطنية الفرنسية، في الانتخابات الرئاسية المقبلة. بينما لم يعلق على أسباب افتتاح مكتب لهم في القاهرة. ويمتلك موقع بريتبارت مكتبين خارج الولايات المتحدة، أحدهما في لندن، واﻵخر في القدس.

البرلماني الذي «دعت والدته للسيسي».. مالك المقر الرئيسي للموقع بالعاصمة الأمريكية

مصطفى الجندي، البرلماني المصري، الذي اعتاد ارتداء الجلباب البلدي في كافة المناسبات السياسية، وذاع صيته بعد حديثه الموجه للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال المؤتمر الوطني للشباب: «سمعت أمي بتدعي لك في الكعبة»، هو أحد الوجوه المُرشحة للعب دور كبير في تأسيس المكتب الجديد لنافذة ترامب الإعلامية بالعاصمة المصرية.

منصة

دور الجندي، الذي كشفت عنه جريدة الجارديان البريطانية، كونه مالكًا لمنزل فخم تبلغ قيمته 2.4 مليون دولار بالقرب من المحكمة العليا الأمريكية في واشنطن، والذي يبث من خلاله الموقع، تحايل عليه: «بأنه يملك العقار، لكن وكيلًا عقاريًّا يتولى عملية تأجيره، وأنه لا يعرف المستأجر».

شواهد عديدة تؤكد اضطلاع الجندي بدورٍ في مرحلة التأسيس لنافذة ترامب الإعلامية، خصوصًا مع إجراء مايك فلين، محرر اﻷخبار في بريتبارت،عددًا من المقابلات معه.

ستيفن بانون: من مدير للموقع الإخباري إلى كبير مستشاري البيت الأبيض

احتل ستيفين بانون (62 عامًا)، موقعًا بارزًا في وسائل الإعلام الأمريكية بعد تسلمه إدارة موقع بريتبارت، ليصير الموقع منصة إعلامية ترويجية لأفكار اليمين المتطرف، وتأليب مشاعر الكراهية حيال العرب عمومًا، فضلًا عن تفرغها لمهاجمة المدافعين عن حقوق الإنسان بمختلف أطيافها.

منصة

في أغسطس/ آب 2016، عين بانون رئيسًا لحملة ترامب الانتخابية، ويوم 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 أعلن ترامب أنه سيبقيه إلى جانبه في البيت الأبيض في منصب كبير المستشارين، وكبير المخططين الإستراتيجيين.

إمبراطورية بانون الإعلامية ليست قاصرة على إدارته للموقع الإلكتروني، بل تشمل كذلك معهد محاسبة الحكومة، الذي أسسه و نشر من خلاله كتابًا يحمل عنوان «ثروة كلينتون»، والذي كشف من خلاله جانبًا من ثروة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

تعيين بانون ككبير مستشاري ترامب بالبيت الأبيض، جعل عددًا من وسائل الإعلام تتوقع أن يتحول الموقع الإلكتروني لمنصة دفاع عن سياسات السلطة الجديدة، ففي تقرير لموقع بوليتيكو الأمريكي بعنوان «هل سيصبح لدى أمريكا اﻵن برافدا؟»، قاربت الجريدة بين تجرية ترامب والموقع الإلكتروني، وتجربة قائد الثورة البلشفية، فلاديمير لينين، الذي أسس الصحيفة الروسية، في 1921، وتحولت لآلة إعلامية تعمل لصالح الحزب الشيوعي الروسي حتى سقوط الاتحاد السوفيتي بداية التسعينيات.

بينما قال تقرير لمجلة «بوليتيكو» إن ترامب «سيكون في متناوله سلاح لم يتمتع به رئيس أمريكي من قبل باستثناء عدد قليل منهم»، وهو «الاتصال المباشر بعملية إعلامية تدين له بالولاء، تصل إلى ملايين من القراء الشعبويين الموالين له».

أطروحات بانون التي انعكست على الخط التحريري للموقع منذ توليه إدارته في 2012، تتجسد في اضطهاده للمسلميين وحقوق الإنسان، فيما تظل مقولاته انعكاسًا لهذا الأمر: «الحل للمضايقة الإلكترونية بسيط: عدم استخدام النساء للإنترنت»، «نحتاج لإنجاب الأولاد إذا كنا نرغب بوقف الغزاة للمسلمين»، «حقوق المثليين جعلت منا شعبًا أغبى، حان وقت التستر على ذلك مجددًا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد