3,453

تغير موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من نظيره السوري بشار الأسد، ليهاجمه عسكريًا بقصف مطار الشعيرات، ولفظيًا بوصفه بـ«الحيوان»، وهو تغير غيّر أيضًا من موقف قطاع من السوريين الذين احتفوا بتحرك واشنطن غير المسبوق منذ بدء الثورة  السورية في 2011، معتبرين «أبو إيفانكا بطلًا قوميًا» لهم.

البداية

مع وصول ترامب إلى حكم أمريكا شعر كثير من السوريين المقيمين واللاجئين بالتخوف من إدارته  للحكم، فالرجل اليميني يحمل اتجاهات واضحة في معاداة المسلمين اللاجئين وبالأخص السوريين منهم رافضًا سياسات سلفه باراك أوباما في استقبال اللاجئين السوريين.

وترجم ترامب اتجاهاته سريعًا على أرض الواقع، باتخاذه قرارًا بحظر استقبال أمريكا للمسافرين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة، على رأسهم سوريا، وحول الصراع السوري، فقد حدد ترامب أيضًا رأس أولوياته بمحاربة «تنظيم الدولة في العراق والشام» (داعش)  وليس المطالبة برحيل الأسد، وعبّر عن ذلك بوضوح البيت الأبيض عندما قال، شون سبيسر المتحدث باسمه ،في نهاية مارس (آذار) الماضي: «فيما يتعلق بالأسد، هناك واقع سياسي علينا أن نقبله فيما يخص موقفنا الآن».

وأكدت نيكي هيلي السفيرة الأمريكية بالأمم المتحدة على هذا الاتجاه أيضًا، عندما قالت إن أولوية أمريكا «لم تعد إزاحة الأسد» بالرغم من اعتقادها أنه يشكل عائقًا: «هل سنجلس ونركز على إزاحته؟ لا»، وكان ترامب نفسه قد حذر أوباما مرارًا وتكرارًا من عدم مواجهة الأسد عسكريًا.

التحول

بعد أقل من  أسبوع من تلك التصريحات، تحوّل الموقف الأمريكي بشكل دراماتيكي، عندما قصف النظام السوري بلدة خان شيخون  في إدلب بالغاز الكيماوي،  في الرابع من أبريل (نيسان) الماضي، مما أدى لمقتل 87 شخصًا بينهم 31 طفلًا، وإصابة المئات.

على إثر الهجوم، قال ترامب في السادس من أبريل (نيسان)،  إن نظرته للأسد «تغيرت كثيرًا»، واصفًا الهجوم بـ«المروع وغير المحتمل»، والذي تجاوز الكثير من «الخطوط الحمراء» بالنسبة له، وتوعد ترامب بالرد على هذا الهجوم دون الكشف عن توجهاته العسكرية، وقال ترامب إنه يجب أن يحدث «شيء ما» مع الأسد بعد الهجوم الكيماوي.

ولم ينتظر ترامب كثيرًا حتى حوّل أقواله إلى أفعال، وكشف الستار عن «الشيء ما» الذي يعده للأسد، بـ59 صاروخَا أمريكيًا، وقعوا على مطار الشعيرات العسكري السوري، الذي يُعد ثاني أكبر قاعدة جوية في سوريا، وأسفر الهجوم عن «تدمير المطار بشكل شبه كامل» بحسب ما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقتل ست عسكريين بينهم عميد بحسب ما أقر به النظام السوري.

فيما أعلنت واشنطن أن الضربة الأمريكية تلك، دمرت 20% من الطائرات السورية العاملة، بالإضافة إلى دفاعات جوية ومواقع للوقود والذخيرة، وتعد هذه الضربة العسكرية الأمريكية ضد نظام الأسد، «غير مسبوقة» منذ بداية الثورة السورية ضد الأسد في 2011، إذ اعتادت السياسة الأمريكية في عهد أوباما على المطالبة برحيل الأسد سياسيًا، دون أي تدخل عسكري أمريكي ضد «الأسد»، وقصر الضربات العسكرية الأمريكية ضد «تنظيم الدولة».

اقرأ أيضًا: واشنطن في سوريا.. ضد «تنظيم الدولة» فقط وليس «بشار الأسد»

وبالإضافة إلى تصعيد ترامب العسكري ضد الأسد، صعّد الرئيس الأمريكي خطابه لفظيًا ضد الأسد، واصفًا إياه بـ«الحيوان»، يوم الأربعاء الماضي الموافق 12 أبريل (نيسان)، في مقابلة له مع قناة فوكس نيوز، قال فيه: «إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  يدعم شخصًا شريرًا  بحق، أظنه سيئًا جدًا سواء بالنسبة لروسيا، أو للبشرية، والعالم أجمع» في إشارة إلى الأسد، مضيفًا «عندما تلقي غازًا أو قنابل أو براميل متفجرة، أن تلقي تلك البراميل الضخمة المعبأة بالديناميت وسط مجموعة من الناس ثم تجد الأطفال بدون أذرع أو أرجل أو أوجه فهذا  هذا حيوان».

وعن كواليس اتخاذ قرار الضربة الأمريكية للأسد، قال ترامب: «عندما شاهدت صور هؤلاء الأطفال قتلى بين أيدي أهلهم أو يصارعون للبقاء أحياء، اتصلت مباشرة بالجنرال  جيمس ماتيس (وزير الدفاع الأمريكي)  لبحث  خيارات الرد، وقال له إنه لا يملك خططًا للدخول إلى سوريا، مفضلًا أن يكون التدخل العسكري الأمريكي في سوريا عن طريق ضربات جوية تستهدف النظام».

الحفاوة

 

أدى تحول ترامب في موقفه تجاه الأسد إلى حفاوة عربية وغربية على الصعيد الرسمي، لم تشمل بالطبع الأسد وحلفاءه، وبالداخل السوري ظهرت الحفاوة على الهيئات المعارضة بشكل ملحوظ، إذ رحّب الائتلاف السوري المعارضة بالضربات الأمريكية، متمنيًا استمرارها «لوقف الضربات الجوية للحكومة السورية واستخدام الأسلحة المحظورة دوليًا».

كما أشادت أيضًا الهيئة العليا للمفاوضات، المنبثقة عن المعارضة السورية، بالضربات الأمريكية، معتبرًة إياها «البداية الحقيقية للحرب على الإرهاب والرد المقنع الوحيد لجرائم الحرب المرتكبة من قبل النظام وحلفائه» على حد تعبير المتحدث باسمه.

«الضربة الأمريكية رفعت من معنويات أهالي الشهداء»، هكذا أكد أبو مهيب (37 سنة) الضابط السابق بالجيش السوري، والذي يعد أحد أقرباء قتلى «خان شيخون»، مؤكدًا ضرورة معاقبة «المجرم وليس أداة الجريمة » لافتًا إلى أنه «لم يصل ولا حتى جزء يسير من حق أهالي الشهداء».

وعبّرت كلمات أبو مهيب عن تجاوز  الحفاوة بضربات أمريكا الجانب الرسمي ووصوله إلى الجانب الشعبي، إذ يُعد أبو مهيب واحدًا من بين العديدين  الناجين من هجوم خان شيخون الذين رحبوا بالضربة الأمريكية آملين في استمرارها، بحسب ما أدلوا به لصحيفة مونت كارلو  الدولية، التي اقتبست في تقريرها عبارة «الله يبارك بترامب» ونقلت عن أحد الناجين قوله «ان شاء الله يكون (ترامب) السبب في أن يذهب الجميع غصبًا عنهم إلى جنيف ليتفاوضوا، ويصلوا إلى صلح متمنيًا «انتهاء الحرب» .

كيف تحول موقف السوريين من ترامب؟

وفي هذا الصدد أيضًا، تواصل «ساسة بوست» مع عدد من السوريين المقيمين بداخلها واللاجئين خارجها، لمعرفة كيف كان موقفه تجاه ترامب عند وصوله للحكم، وكيف أصبح بعد ضربات ترامب للأسد، لرصد أي تحول في موقفهم تجاهه، وأبدى العديد من السوريين في مجملهم ترحيبًا بالضربات الأمريكية، فيما تفاءل البعض  «بحذر» ورأى آخرون أن هدف الضربة هي المصالح الأمريكية من الدرجة الأولى.

وقال وائل البيوش (33سنة)، المقيم بمدينة كفرنبل بمحافظة إدلب لـ«ساسة بوست»:  « والله جميع السوريين  كانوا غير متفائلين بوصول ترامب الى الحكم؛ بسبب سياساته وتصريحاته السابقة لتوليه الحكم».

وتحول موقف البيوش تجاه ترامب بعد الضربة الأمريكية للأسد، عندما تابع: «عندما شن ترامب هجمات تنم عن تحجيم الأسد والحد من عنفه اختلف الموقف السابق لكل السوريين وأنا واحد منهم» موضحًا: «لأننا نرحب بأي فعل يردع الأسد ويمهد لإبعاده عن الحكم وتخليص الشعب من المعاناة، وإيقاف الهجرة والتشرد والموت في سوريا»، ولخّص إجابته «الشعب السوري عدو عدوهم صديقهم».

بدوره قال عبد الستار شرف الذي يعمل صيدلانيًا في الغوطة الشرقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة وحصار النظام، إن موقفه تجاه ترامب تحول من «التشاؤم » مع وصوله إلى الحكم، إلى «التفاؤل الحذر» بعد الضربة الأمريكية ضد الأسد، وقال شرف  لـ«ساسة بوست» إنه كان يفضل وصول هيلاري كلينتون إلى حكم أمريكا بدلًا من ترامب.

ويحكي شرف عن الأجواء في سوريا منذ وصول ترامب للحكم، وقال إن الثلاثة أشهر الأولى من العام الجاري، ازدادت الهجماتى«الشرسة» للنظام السوري وحلفائه، على المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وبالأخص الغوطة الشرقية حيث يعيش شرف، الذي أوضح أنها تعرضت «لأكثر من ألف غارة خلال أسبوع واحد في نهاية شهر مارس(آذار) الماضي». تلك الفترة التي أكدت خلالها واشنطن أن إزاحة الأسد ليس من أولوياتها.

ولفت شرف إلى أن الشعور العام لدى الناس كان «متشائمًا خاصة مع ظهور إشارات تعيد قبول الأسد في المجتمع الدولي مع غض النظر عما فعله على اعتبار أولوية مكافحة الإرهاب»، وهو الخطاب الذي كان سائدًا في إدارة ترامب آنذاك، ولكن بعد تغير موقف ترامب «رحّب الكثير من السوريين بالضربات وتمنوا استمرارها وبالأخص على المطارات العسكرية» حيث ينطلق الطيران.

وأعرب شرف عن تمنيه استمرار الضربات الأمريكية على مفاصل قوة النظام المتمثلة في  المطارات العسكرية، بالرغم من أنها «لم تكن لعيون السوريين وإنما بسبب مشاكله الداخلية وإعادة لهيبة أمريكا» بحسب شرف الذي يعتبر أن الموقف الأمريكي لا يزال متضاربًا بين ترامب ومسؤوليه، خاتمًا حديثه «أنا متفائل بحذر والأيام حبلى بالمفاجآت».

بدوره كان رأي الكاتب السوري محمد السلوم (من مدينة كفرنبل إدلب) مختلفًا نسبيًا، عن البيوش وشرف، إذ كان السلوم منذ البداية مع المرشح الجمهوري «فسنوات طويلة مع الديموقراطيين من التردد والمراوحة لم تجلب إلا مزيدًا من القتل للسوريين» بحسب السلوم الذي أقر  أيضًا لـ«ساسة بوست»  بأن «الجميع» كان خائفًا من ترامب «فالسياسة غير واضحة، والأهداف والغايات ضبابية».

ولا يعتبر السلوم أن ما حدث يعني «نصرًا» لمن ثاروا ضد الأسد، ولكنه يأمل بأن تمثل تلك الضربات  توقفًا لـ«شلال الدم» في سوريا، وأعرب السلوم عن أمله في استمرار ضربات ترامب للنظام السوري «وألا يكون تحركه هو أجندة أمريكية لأهداف سنكتشف لاحقًا أنها بعيدة عن الغايات المعلنة بإنقاذ أرواح السوريين».

لاجئون سوريون «ترامب بطل قومي»

وما خشي منه السلوم مال إليه أمجد ( وهو اسم مستعار) الذي فرّ  من الحرب السورية في حلب  إلى مصر عام 2012، وبالرغم من أن غالب اللاجئين السوريين رحبّوا بالضربة الأمريكية، بحسب ما أفاد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز،  قال فيه أحد اللاجئين «إن ترامب بطلًا قوميًا الآن» ، كان موقف أمجد أكثر تحفظًا في إبداء ترحيبه بالضربات.

وقال لـ«ساسة بوست» إن «التحركات الأمريكية تجاه سوريا، تحفزها المصالح الدولية التي تحاول أمريكا أن تقودها من خلال تحجيم دور روسيا في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، وليست نصرة لقيم العدل والإنسانية على الاستبداد والإرهاب، لذلك لم أتابع هذه الضربات على أنها حالة من المؤازرة السياسية للسوريين بقدر ما هي تلبية لمصالح أمريكية خالصة».

ولفت أمجد إلى أنه لم يكن متفائلًا بوصول ترامب  إلى الحكم، واعتبر أن ترامب لا يكترث بالمبادئ الإنسانية من قيم العدالة والديمقراطية، مشيرًا إلى أن ذلك اتضح مع قراراته التي وصفها بـ«العنصرية» التي اتخذها  مع بداية حكمه، وشدد أمجد على أن أمريكا، وإن تسببت في إزاحة نظام الأسد، فهي تتحرك لأهدافها بالدرجة الأولى، وليس من أجل الشعب السوري، أو نصرة لقيم العدالة على الاستبداد والإرهاب، وأعتبر أمجد أن إهانة ترامب للأسد لفظيًا «فقاعة سياسية تحمل رسائل معينة لحلفاء النظام السوري ليس إلا».

لماذا احتفى الكثير من السوريين بضربات ترامب؟

للإجابة عن هذا السؤال تواصل «ساسة بوست» مع المحلل السياسي السوري، جميل عمار ، الذي رأي أنه من حق السوريين أن يفرحوا بالضربة الأمريكية ضد الأسد  معدّدًا خمسة أسباب لذلك، وهي:

1- الضربة موجهة لمنطقة عسكرية كانت تخرج منها طائرات تقصف الأهالي بشتى أنواع القذائف و أخيرًا الكيماوي وبذلك فإن تعطيل هذا المرفق يسعد الأهالي.

2- الضربة ليست على السوريين المدنيين كما تفعل روسيا والنظام.

3-   الضربة جاءت لتقزّم الروس وتعيدهم الى حجمهم الطبيعي فهي مؤلمة للروس أكثر من النظام.

4   الضربة أعادت أمريكا الى الملعب السوري فلم تعد روسيا متفردة بالساحة.

5-   الضربة باعتقاد أغلب السوريين، ستغير واقع الصراع داخل سوريا، ويحتمل أن  تنفذ أمريكا وعدها بفرض مناطق آمنة؛ الأمر الذي سيقلص فترة بقاء بشار الأسد على كرسي الحكم.

«#بشار_الأسد_حيوان» الوسم الثاني على تويتر عالميًا

بالإضافة إلى حفاوة السوريين بضربات أمريكا للأسد، التي رصدناها من خلال المصادر التي تواصلنا معها على الصعيد الرسمي للمعارضة وغير الرسمي، للسوريين المقيمين واللاجئين، امتدت حفاوة السوريين  والعرب أيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فبعد ساعات قليلة من وصف ترامب للأسد بـ«الحيوان» جاء وسم #بشار_الأسد_حيوان كثاني أكثر الوسوم تداولًا  عالميًا على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»

وظهرت في الوسم حفاوة الكثير من العرب، وبالأخص السوريين منهم، بتصريحات ترامب اللاذعة ضد الأسد، وقد رصدنا عدد من ردود الأفعال لإعلامين ونشطاء سوريين، حول الهجومين العسكري واللفظي الذي وجههما ترامب للأسد، وهي حفاوة جعلت أحد النشطاء يصف ترامب بـ«أبو إيفانكا».

تعليقات الفيسبوك