سبعة بلدان عربيّة على الأقل قد تتأثر اقتصاديّاتها بشدّة بالقانون الأمريكي الجديد الذي يسعى إلى القضاء على منظّمة «أوبك» للدّول المصدّرة للنفط من خلال السماح بمقاضاتها في المحاكم الأمريكيّة.

في يونيو (حزيران) عام 2000 لم يجد السيناتور الديموقراطي هيرب كول دعمًا يُذكر لمشروع قانون «نوبك»؛ إذ فشل أعضاء الكونجرس الأمريكي في تمرير القانون الذي قدمه كول لأول مرة؛ وذلك بسبب اختلاف وجهات نظر المشرّعين ومعارضة الغالبية لهذا القانون. السيناريو ذاته تكرر في 2007؛ عندما أعاد جون كونيرز طرح القانون بصيغة جديدة، لكنه مجدّدًا لم يتلقَ دعمًا قويًا أيضًا، وذلك رغم موافقة غرفتي الكونجرس – مجلسي الشيوخ والنواب – على القانون، لكنه جُمد بعد أن قال الرئيس الأسبق جورج بوش إنه سيمارس حق النقض على التشريع، فلماذا يختلف الوضع الآن عن السنوات الماضية؟

مشروع قانون «منع التكتلات الاحتكارية لإنتاج وتصدير النفط»، المعروف اختصارًا بـ«نوبك» يهدف إلى إلغاء الحصانة السيادية لأعضاء منظمة الدول المصدّرة للنفط «أوبك» من أن تتخذ الولايات المتحدة الأمريكية إجراء قضائيًا بحقهم، وهو قانون ظل مصدر جدل لفترات طويلة، لكن منذ بداية الألفية عارض الرؤساء الأمريكيون هذا المشروع، لذلك لم يظهر للنور حتى الآن، إلا أن فُرص نجاحه حاليًا تلقى زخمًا كبيرًا من طرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كرّر مؤخرًا انتقاداته وتهديداته لمنظمة «أوبك»، وسط الارتفاع الكبير في أسعار النفط التي يتوقع البعض أن تلامس مستوى 100 دولار للبرميل.
وتضمّ «أوبك» سبع دول عربيّة، هي: الجزائر، والعراق، والكويت، وليبيا، وقطر، والسعودية والإمارات.

اهتمام الكونجرس بمثل هذا المشروع الذي كانت فرصه قبل أعوام ضئيلة في أن يتحول إلى قانون، بات الآن مختلفًا في ظل رئاسة ترامب، فبالرغم من معارضة مجموعات أعمال وشركات نفط مشروع القانون خوفًا من قيام الدول الأخرى باتخاذ إجراءات مضادة، وكذلك معارضة غرفة التجارة الأمريكية ومعهد البترول الأمريكي للقانون؛ فإن هذه المواقف قد لا تغيّر في الأمر شيء، وذلك كما حدث في قانون «جاستا» الذي واجه معارضة مشابهة، وجرى إقراره رغم ذلك.

ما الذي قد يفعله «نوبك» بالعرب؟

يسعى مشروع قانون «نوبك» إلى تغيير قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي ليسمح بمقاضاة منتجي «أوبك» بتهمة التواطؤ، وسيجعل تقييد إنتاج النفط أو الغاز أو تحديد أسعارهما مخالفًا للقانون، ويزيل الحصانة السيادية التي تقضي المحاكم الأمريكية بوجودها بموجب القانون الحالي، وهو الأمر الذي سيضع دول «أوبك» التي يمثّل انتاج العرب فيها أكثر من 50% منها في مأزق كبير.

إنتاج العرب يمثّل أكثر من نصف الانتاج الإجمالي لـ«أوبك» – المصدر: dailyfx.com

وينصّ قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي على منع الاتفاقات التي تنعقد بين الشركات التجارية لـتحديد أسعار السلع أو الخدمات التي تقدمها، كما تُحرّم هذه القوانين المفاوضات التي تُجرَى بين الشركات ويتم بمقتضاها التحكم في سعر المنتج، أو الإبقاء عليه، ومع التغيير الجديد ستدخل منظمة «أوبك» تحت طائلة القانون، أي أن «أوبك» ستفقد قيمتها باعتبارها أحد المؤثرين الأساسيين على الأسعار من ناحية التحكّم في الإنتاج هبوطًا وصعودًا، إذ تتحكم «أوبك» في إنتاج الدول الأعضاء عبر وضع مستهدفات للإنتاج؛ مما قد يعني انخفاضًا شديدًا في أسعار النفط ستتأثر به اقتصاديّات الدول العربية السبع المنضوية تحت مظلّة «أوبك».

هل ما تفعله «أوبك» يعد احتكارًا؟

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 توصلت «أوبك» لاتفاق بشأن تخفيض إنتاجها النفطي لأول مرة منذ عام 2008، ومنذ هذا القرار ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 83% حتى اليوم، كما يوضح المؤشر التالي، وهو الأمر الذي أثار غضب المشرّعين الأمريكيين؛ إذ أكّدوا أن قرارات «أوبك» تلحق الضرر مجددًا بالمستهلكين، وتمثل تدخلًا في الأسواق الحرة.

بيانات موقع «ماركت ووتش».

وبالرغم من هذا الارتفاع الكبير، اختتمت منظمة «أوبك» اجتماعها في الجزائر في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، دون توصية رسمية بأي زيادة إضافية في إمدادات النفط، وذلك بالرغم من الحديث عن الأثر الكبير التي قد تتسبب به العقوبات الأمريكية على إيران، في رفض واضح لطلب الرئيس الأمريكي بزيادة إنتاج النفط، وهو ما تسبّب كذلك في قفزة كبيرة لأسعار النفط.

وفي نفس سياق التحكّم في العروض النفطية، كانت «أوبك» قد قررت في يونيو الماضي التخلّي عن سياسة خفض الإنتاج، وقد قيل حينها أنه جاء تحت ضغوط سياسية جاءت بقيادة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لكن على كل حال فسواء جاء القرار بضغوط أو غيرها، تبقى قرارات وتصريحات وإنتاج دول «أوبك» محرّكًا أساسيًّا للأسعار وهو ما يعتبر في عرف الاقتصاد احتكارًا.

النفط هو السلعة الأكثر أهميةً في العالم، فهو مسؤول عن سد أكثر من ثلث الاستهلاك العالمي من الطاقة، كما أن البلدان الغنية بالنفط تعتمد بشكل أساسي على هذه السلعة لنموها الاقتصادي. ومنذ اكتشافه في عام 1859، لا يزال حتى الآن يشغل مساحة كبيرة من خريطة الصراع العالمي، ويشكّل العصب الرئيس للطاقة، رغم المحاولات العالمية الحثيثة للبحث عن بديل له بأسعار تنافسية.

وتستحوذ «أوبك» على نصيب الأسد من النفط، كما أنها مؤخرًا تمكنت من بناء «منصّة عالمية» للتعاون بين المنتجين في حدث تاريخي نادر، إذ باتت روسيا موجودة دائمًا على طاولة «أوبك»، أي أن أهم منتجي النفط في العالم باستثناء أمريكا يتخذون قرارات مشتركة تؤثر على الأسعار، وهو أمر آخر يضع المنظمة أمام مخاطر «نوبك».

أمريكا تريدها حربًا قانونية.. هل يهدد «نوبك» بقاء «أوبك»؟

قبل اتفاق خفض إنتاج النفط في نهاية 2016، كان الكثيرون يرون أن «أوبك» لم يعد لها دور محوري في سوق النفط العالمي وأن تأثيرها على الأسواق لما يعد كالسابق، ولكن بعد الاتفاق التاريخي عادت الثقة للبعض في أن «أوبك» مازالت قوية، وهو الأمر الذي أكده محمد باركيندو الأمين العام لـ«أوبك»، قائلًا: «لم تنته أوبك، ولم ينته عصر النفط بعد»، مضيفًا أن مستقبل «أوبك» مشرق ومبشر، مدللًا على ذلك بقدرتها على تجاوز كثير من الصعوبات والأزمات.

Embed from Getty Images

لكن كما ذكرنا، تعتمد قدرة «أوبك» في الأساس على التحكم في إمدادات النفط العالمية، وفي حال تم إقرار «نوبك» فإن المنظمة قد تتعرض لضغوط كبيرة تمنعها من القيام بهذا الدور، أي أن بقاء المنظمة سيكون على المحك، ويبدو أن السعودية باتت تدرك أن «أوبك» أصبحت عاجزة عن القيام بهذا الدور خاصة في ظل المعارضة الإيرانية الدائمة لتوجهات المملكة.

أوبك باتت على فراش الموت

كان هذا تصريح أحد المحللين لوكالة فرانس برس في أبريل (نيسان) الماضي، إذ قال الخبير الكويتي في مجال النفط كامل الحرمي أن هناك تعاونًا جديدًا يبدو وكأنه «حلف سعودي روسي»، إذ رجح الخبراء أن هذا الحلف سيقوض دور «أوبك»، وفي الواقع سرعان ما أثبتت الأيام أن السعودية بالفعل باتت تعمل في حلف خاص بعيدًا عن المنظمة التي تقلص دورها مؤخرًا.

ووفقًا لمصادر إعلامية فإن روسيا والسعودية أبرمتا اتفاقًا سريًا في سبتمبر الماضي على زيادة إنتاج النفط لتهدئة الأسعار الآخذة بالارتفاع، وأخطرتا الولايات المتحدة قبل اجتماع في الجزائر مع منتجين آخرين، وهو ما يوضح أن السعودية بالفعل تعمل حاليًا بعيدًا عن «أوبك»، فالمملكة باتت تحدد سياسات إنتاج النفط مع روسيا بدون استشارة بقية أعضاء أوبك.

هل تمتلك «أوبك» أسلحة للرد؟

لا تمتلك دول «أوبك» في الواقع أسلحة حقيقة للرد على القانون الأمريكي في حال مرّره ترامب، ولكن الأمر يعتمد على كل دولة من ناحية التعامل مع الاستثمارات الخاصة بها في أمريكا، وهي حرب يخسر فيها الجميع دائمًا، لكن في الوقت الحالي تسعى المنظمة للتحصن ضد القانون؛ إذ تشير التقديرات إلى أن «أوبك»، سوف تستعين بمستشارين قانونيين، من أجل التحصن.

وخلال الأشهر الأخيرة التقى الفريق القانوني في المنظمة بمجموعة من المكاتب القانونية الكبرى في العالم، من بينها «وايت آند كايس»؛ إذ تسعى المنظمة لموافقة قراراتها على قوانين الاحتكار العالمية بحيث لا تتأثر بالقانون الأمريكي، لكن حتى الآن يظل هذا الأمر مجرد توقعات، وفي انتظار ما تخبئه الأيام القادمة حول هذا الأمر.

قوانين مفصّلة على المقاس.. سلاح جديد لأمريكا وسيناريو «جاستا» يعود إلى الأذهان

يتّضح في السنوات الأخير استخدام واشنطن لسلاح جديد من أجل ليّ ذراع الدول الأخرى وإجبارها على الخضوع للرغبات الأمريكية، وهو سلاح القوانين الجديدة. فقبل قانون «نوبك» الأخير أقر الكونجرس الأمريكي قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» المعروف اختصارًا بـ«جاستا» في سبتمبر 2016 ، وهو القانون الذي يُقلص نطاق حصانة الدول أو الأشخاص الأجانب من خلال السماح للمحاكم الأمريكية بنظر قضايا ضد دولة أجنبية في أحداث إرهابية.

 إذ يتُيح القانون لأهالي ضحايا 11 سبتمبر 2001، بمقاضاة مسؤولين سعوديين أمام القضاء الأمريكي، وهو ما شكل تهديدًا مباشرًا للمصالح السعودية الاقتصادية في أمريكا، إذ تراجعت المملكة عن طرح أسهم «أرامكو» للاكتتاب العام، بعد أن كان الطرح أهم حدث اقتصادي بالنسبة للمملكة خلال العقود الأخيرة.

Embed from Getty Images

الرئيس ترامب رفقة ولي العهد السعودي

ووفقًا لوكالة «رويترز» التي نقلت عن مصادر لها فإن السعودية – أكبر مصدر للنفط في العالم – قلقة من أن «نوبك» قد يحاكي «جاستا»، وهو ما يعرض استثمارات للسعودية بنحو تريليون دولار في الولايات المتحدة لكثير من الخسائر في حال أصبح «نوبك» قانونًا ساريًا؛ إذ ذكرت الوكالة أن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أثار المخاوف بشأن القانون مع مسؤولين أمريكيين من بينهم وزير الطاقة ريك بيري، خلال اجتماعات خاصة عُقدت في الأشهر الأخيرة.

يشار إلى أن العديد من المصادر الإعلامية تحدثت عن أن السعودية ألغت الطرح المحليّ والعالمي لشركة النفط الوطنية العملاقة «أرامكو» الذي كان سيعد الأضخم من نوعه في التاريخ، وجرى تسريح المستشارين الماليين للإدراج، وهو ما ينفيه وزير الطاقة السعودي، موضحًا أن «الحكومة لا تزال ملتزمة بالطرح الأولي العام لأرامكو»، لكن الوزير نفسه سبق أن أكد في 22 مارس (آذار) الماضي على أن «جاستا» يعد مصدر قلق ويهدد إدراج أرامكو في بورصة دولية.

المصادر

عرض التعليقات