أصبح رجل الأعمال دونالد ترامب، الرئيس 45 للولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن فاز على منافسته مرشحة الحزب الديمقراطي ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، في الانتخابات التي جرت الثلاثاء، الموافق الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.

وكانت استطلاعات الرأي في معظم الصحف والمراكز المختلفة، أعلنت قبل يوم الانتخابات، أن مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون تمتلك حظوظًا أكبر للفوز برئاسة الولايات المتحدة، وذلك نظرًا لتقدمها بعدة نقاط على المرشح الجمهوري دونالد ترامب، ليأتي فوز ترامب بصدمة في الأوساط المحلية والدولية، كونه أمرًا لم يكن متوقعًا بشكل كبير، فضلًا عن خطاب الكراهية والعنصرية التي اتخذه ترامب أساسًا لحملته الانتخابية.

ورغم حصول ترامب على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، إلا أن الأغلبية الشعبية ذهبت للمرشحة هيلاري كلينتون، ولكن نظام الولايات المتحدة الانتخابي يأخذ بنتائج المجمع الانتخابي، وليس بنتائج الناخبين المباشرة، فهل تؤثر خسارة ترامب الأغلبية الشعبية لصالح كلينتون في حصوله على الشعبية كرئيس؟

كيف تُقاس شعبية الرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية؟

في عام 1937، أدخل الإحصائي الأمريكي جورج جالوب، استبيانًا واستطلاعًا للرأي على الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لقياس الدعم الشعبي لرؤساء الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة ولايتهم. ويُعرف هذا الاستبيان باسم «نسب التأييد الرئاسية».

والتأييد هو نسبة مئوية يحددها الاقتراع، مما يدل على نسبة من شاركوا في استطلاع الرأي الذي يوافق على الدعم الشعبي لبرنامج أو لشخص الرئيس. وقد يُستخدم هذا الاستبيان أيضًا على شخصيات سياسية عادية، تسعى إلى مناصب معينة في الدولة؛ فيتم إعطاء التأييد إلى أي شخصية سياسية استنادًا إلى الردود والإجابات على هذا الاستبيان، الذي يطلب عينة من الناس، من الموافقين والرافضين لسياسي معين.

وكما هو الحال في معظم استطلاعات الرأي التي تفترض تغيير الرأي بعد فترة قصيرة، نظرًا للمزاج البشري المتقلب بطبيعة الحال، فلا يتم الأخذ بنتائج الاستطلاع بالتدقيق في نسبة التصويت، وإنما يؤخذ عامةً باعتباره مؤشرًا صالحًا إحصائيًّا، خاضعًا للتغيرات النسبية في المزاج العام.

وجدير بالذكر أن جورج جالوب، هو المؤسس لمؤسسة جالوب لاستطلاعات الرأي الأمريكية، والتي تقوم بعمل استبيانات واستطلاعات للرأي على مدار العام، سواء داخل الولايات المتحدة الأمريكية، أو خارجها على مستوى العالم، حول موضوعات مختلفة.

من هم الرؤساء الأكثر شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية؟

بعدم إضافة الرئيس الأمريكي المنتخب الجديد إليهم، فإن عدد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية في العصر الحديث يصل إلى حوالي 13 رئيسًا، تم تصنيفهم بحسب الشعبية على أساس نتائج «نسب التأييد الرئاسية».

ومن أجل تحديد إمكانية حصول ترامب على التأييد الشعبي، وليس حصوله على تأييد المجمع الانتخابي فقط، فعلينا أولًا أن نعرف من أين حصل الرؤساء السابقون على الشعبية، أو علام ارتكزت شعبيتهم، حتى نستطيع وضع صورة كاملة أمامنا، نستطيع من خلالها تقييم ترامب وشعبيته وقدرته على جمع التأييد الشعبي له كرئيس. شعبية الرؤساء السابقين اختلفت ليأتي ترتيبهم من الأكثر شعبية إلى الأقل شعبية كالآتي:

1

علام ارتكزت شعبية الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية؟

من خلال عدد كبير من الدراسات، يمكننا التأكيد أن شعبية الرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية، ونسبة التأييد الشعبي لهم تزداد أو تنخفض طبقًا لعدة عوامل، منها الاقتصاد، والحروب، والتدخلات العسكرية في الدول الأخرى، والفضائح التي تخص الرؤساء؛ سواء جنسية أو فساد أو غيره، والمهارات الشخصية كالكاريزما.

وبخصوص الاقتصاد، حصل روزفلت على المركز الثالث، نظرًا لما حدث في الكساد العظيم، الذي كان له تأثير كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن شعبيته ارتكزت على محاولة إنهاء تأثير الكساد العظيم في الولايات المتحدة.

وكان للاقتصاد أيضًا آثار كبيرة على شعبية رؤساء مثل أوباما، وترومان، وكارتر، ورونالد ريجان، والذي اتخذت سياساته الاقتصادية منحنى آخر، وشكلت تغيرًا كبيرًا في الحالة الاقتصادية، جنبًا إلى جنب مع السيدة مارجريت تاتشر.

وبخصوص الحروب والتدخلات العسكرية، فتستند شعبية روزفلت أيضًا على إنهاء الحرب العالمية الثانية قبل رحيله عن الحكم.

وحصل الرئيس الأمريكي، جورج بوش الأب أيضًا على شعبيته بسبب سياساته الخارجية، فانتهاء الحرب الباردة في عهده كان له أثر كبير في ارتفاع شعبيته، فضلًا عن حرب الخليج الفارسي.

كذلك تأثرت شعبية الرئيس ليندون جونسون بالتدخلات العسكرية؛ فلطالما كانت شعبيته مرتفعة في البيت الأبيض، بخاصة بعد اغتيال جون كيندي، وذلك حتى بداية حرب فيتنام في عهده، التي أفقدته الكثير من تأييده الشعبي. شعبية الرئيس رونالد ريجان أيضًا تأثرت بالتدخلات العسكرية في أمريكا اللاتينية، مع دعم العديد من الانقلابات العسكرية هناك.

وارتكزت شعبية الرئيس جورج بوش الابن أيضًا على التدخلات العسكرية، وهو ما حدث من تدخلات في العراق، وأفغانستان، ورغم التأييد الكبير له منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، إلا أن تدخلاته في الدول الأخرى عسكريًّا، أفقدته بعض التأييد.

وجاء من بعده الرئيس باراك أوباما، الذي دائمًا ما يُعتبر أن وصوله لكرسي الرئاسة، جاء في وقت صعب، إذ وصل أوباما إلى البيت الأبيض، والقوات الأمريكية منتشرة في العراق وأفغانستان، ليبدأ في سحبها شيئًا فشئيًا، ويحصل على نسبة كبيرة من الشعبية، غير أنه يفقدها مرة أخرى بسبب الركود الاقتصادي.

الرئيس ترومان هو الآخر واهتمامه بالحرب الكورية، أدى إلى كونه أقل الرؤساء الأمريكيين شعبية، وذلك لاقتران فترة حكمه بالمشكلات والحروب، فضلًا عن معدلات التضخم والركود الاقتصادي. الأمر نفسه تكرر مع الرئيس كارتر، نظرًا للحرب في أفغانستان، وأزمة الرهائن في إيران.

الكاريزما كانت من نصيب جون كيندي، الذي يعتبر الأكثر شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية في العصر الحديث، حيث جاء الشاب رئيسًا للبلاد في سن صغير، وفي وقت من الاضطرابات العنصرية، وعدم الاستقرار الدولي، قبل أن يتم اغتياله. واشترك معه أيزنهاور أيضًا في هذه المهارات الفردية كالكاريزما.

وكانت الفضائح من نصيب عدة رؤساء؛ ففضيحة بيل كلينتون ومونيكا لوينكسي كانت لها أثر كبير في انخفاض شعبيته قبل رحيله من البيت الأبيض. الفضائح أيضًا لم يسلم منها الرئيس نيكسون، والذي رحل عن منصبه بسبب فضيحة ووتر غيت عام 1974.

ولم يسلم نائب نيسكون، الرئيس الأمريكي جيرالد فورد، من هذه الفضيحة أيضًا، وهو يعتبر أول شخص يتولى منصب نائب الرئيس ثم الرئيس من دون ترشيح وانتخاب. واستخدم صلاحياته الفيدرالية ليمنح عفوًا عن كل الجرائم التي ارتكبها نيكسون في عهده، وهو ما تسبب في خسارته للدعم والتأييد الشعبي.

هل يحصل ترامب على التأييد الشعبي؟

ورغم حصول ترامب على الأغلبية في أصوات المجمع الانتخابي، إلا أن الأغلبية الشعبية ذهبت للمرشحة هيلاري كلينتون، ولكن نظام الولايات المتحدة الانتخابي يأخذ بنتائج لمجمع الانتخابي، وليس بنتائج الناخبين المباشرة.

وحصلت كلينتون على 228 صوتًا من المجمع الانتخابي، مقابل 290 صوتًا لصالح ترامب، ولكن معظم الاستطلاعات والإحصائيات، تُشير إلى أن كلينتون فازت بالأصوات الشعبية، بفارق يصل إلى حوالي 630 ألف صوت زيادة على ترامب.

ومن جانبها، أعلنت وكالة أنباء أسوشيتيد برس، ظهور نتائج جديدة تشير إلى تقدم كلينتون عن ترامب بالأصوات الشعبية، ليصل الفارق إلى مليون ونصف صوت، إذ حصلت كلينتون على 63,390,669 صوتًا، بينما حصل ترامب على 61,820,845 صوتًا، وذلك بفارق يفوق مليون ونصف صوت.

ومن خلال بيان ارتكاز الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية، فإن ترامب عليه أن يعمل على أربعة عوامل من أجل أن يحصل على الشعبية، والتأييد والدعم الشعبي من المواطنين، وهي الاقتصاد، والتدخلات العسكرية، والفضائح، والكاريزما.

ويتميز ترامب بالكاريزما التي تجعل منه متحدثًا جاذبًا للجماهير؛ فحتى إن قيل عن خطاباته أنها لا تقول شيئًا مُفيدًا، أو إن كان يستخدم الإهانات والإساءات ضد الآخرين، فإنّ هذا ما أكسبه شعبيته على مدار المناظرات الرئاسية الثلاثة، ولذلك لا يبدو أن هناك أي مشكلة تتعلق بالكاريزما لدى ترامب.

وفيما يخص الفضائح، فإنّه على الرئيس الأمريكي المنتخب، ألا يُكرر فضيحة التسريب الصوتي له، والذي كشف تحدثه عن النساء بطريقة مُهينة، مما أفقده الكثير من التأييد حينها.

ويرجع التسريب إلى عام 2005، حيث كان ترامب في حافلة ويتحدث مع بيلي بوش، الذي كان يعمل آنذاك ببرنامج أكسس هوليوود، ويبدو أن التسجيل تم بدون علمهما، وكشف التسجيل عن حديثه بطريقه مهينة للنساء، واعترافه بممارسة انتهاكات جنسية بحقهن، وهروبه من المساءلة لأنه «نجم»، كما قال: «حين تكون نجمًا، يدعنك تفعلها؛ تمسكهن من أعضائهن. يمكنك القيام بأي شيء».

واعترف ترامب بصحة التسريب، والذي كانت قد حصلت عليه صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، واضطر إلى تقديم اعتذار مصوَّر في فيديو آخر، وذلك بعد ساعاتٍ من نشر هذا التسريب.

ترامب متين

وبالنسبة للاقتصاد، فالسياسات التي ينوي اتخاذها ترامب عند دخوله البيت الأبيض رسميًّا في يناير (كانون الثاني) 2017 سيؤدي بالطبع إلى العديد من المشكلات الاقتصادية، فإلغاء اتفاقيات التجارة العالمية مثل اتفاقية «نافتا»، وبناء جدار يفصل بين الولايات المتحدة، والمكسيك، وتهجير حوالي مليونين من المهاجرين إلى الولايات المتحدة الامريكية، جميعها سياسات بالطبع ستؤثر سلبًا في الولايات المتحدة وفي شعبية ترامب.

بالنسبة للتدخلات العسكرية والحروب، ستتوقف أيضًا شعبية ترامب على قضية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). فإعلان ترامب رفضه التعاون مع المعارضة السورية يوحي بتأييده للتعامل مع بشار الأسد، فضلًا عن المشاركة الأمريكية في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، والذي يشارك الآن في معركتين أساسيتين: معركة الموصل، ومعركة غضب الفرات.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد