727

يوم السابع من أبريل (نيسان) الماضي كانت مدينة دوما السورية، آخر معاقل المعارضة المسلحة في ريف دمشق، على موعد جديد مع الموت، صحيح أن الموت قد ظل ضيفًا ثقيلًا على المدينة طوال سبع سنوات من الحرب والحصار، وصحيح أن نظام الأسد لم يبخل يومًا على سكانها بالبراميل المتفجرة والقذائف والحصار، إلا أن ما شهدته المدينة هذا اليوم كان موتًا من نوع خاص؛ إذ يبدو أن النظام وحلفاءه قد قرروا توجيه رسالة قاسية إلى المعارضة، بعد تعثر المفاوضات بين الجانبين بشأن تسليم المدينة لنظام الأسد.

ما أشبه الليلة بالبارحة

وفقًا للدفاع المدني  السوري في ريف دمشق، فقد شن طيران النظام في هذا اليوم مئات الغارات الجوية، من ضمنها 70 غارة بالبراميل المتفجرة، ومئات القذائف الصاروخية، وعشرات الصواريخ المحملة بالقنابل العنقودية، ويبدو أن كل ذلك لم يقنع النظام الذي كان يسعى إلى إخضاع آخر معاقل المعارضة حول العاصمة في أسرع وقت ممكن – كانت المدينة في طريقها للسقوط عاجلًا أو آجلا-، فقرر أن تُحمّل بعض الغارات بغاز الكلور السام، وأسلحة كيماوية أخرى؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عشرات الضحايا (تشير التقديرات إلى ما يزيد عن 200 قتيل وآلاف الجرحى).

حالات إختناق في صفوف المدنيين معظمهم من الأطفال والنساء

#هــام || #فيديو يوضح حالات إختناق في صفوف المدنيين معظمهم من الأطفال والنساء إثر الهجوم الكيماوي الذي شنه الطيران الحربي التابع للحكومة السورية على المدنيين بمدينة #دوما في #الغوطة_الشرقية.#الدفاع_المدني_السوري في #ريف_دمشق

Geplaatst door ‎الدفاع المدني السوري في ريف دمشق‎ op zaterdag 7 april 2018

الضربة الكيماوية الأخيرة لنظام الأسد على دوما تحمل معها العديد من الذكريات فيما يتعلق بمكان الضربة أو زمانها؛ فالغوطة الشرقية نفسها كانت قد صارت في أغسطس (آب) 2015 محط أنظار العالم كله؛ بعدما شن عليها النظام السوري أعنف هجوم كيماوي راح ضحيته 1400 شخصًا، هاج المجتمع الدولي حينها وماج، وكانت إدارة أوباما قاب قوسين أو أدنى من «تأديب» الأسد، قبل أن يتمكن حلفاؤه الروس من إبرام تسوية تقضي بتسليم النظام السوري لترسانة أسلحته الكيماوية تفاديًا للضربات الغربية.

ويعيدًا عن دوما، فقد كان الأسبوع الأول من أبريل شاهدًا على هجمات كيماوية أخرى نفذها نظام الأسد ضد مناطق سيطرة المعارضة، ففي السابع من أبريل – أي قبل عامين بالتمام والكمال من هجوم دوما- قتل 23 سوريًا في هجوم كيماوي استخدم منطقة الشيخ مقصود في حلب، كما شهد الرابع من أبريل عام 2017 هجومًا للنظام على منطقة خان شيخون بإدلب راح ضحيته نحو 100 قتيل، وهو الهجوم الذي استتبع ردًا أمريكيًا بعشرات الصواريخ من نوع «كروز» استهدفت مطار الشعيرات العسكري في ريف حمص، وهو المطار الذي كان مُنطلقًا للطائرات  الحربية التي استهدفت خان شيخون.

ترامب يضرب الأسد على خطى «فرانك أندروود».. 5 أسئلة تشرح لك كل شيء

استعدي روسيا.. صواريخ ترامب قادمة

سُرعان ما فجرت الضربة الكيماوية في دوما غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انهالت تغريدات ترامب التي تهاجم الأسد وتصفه بـ«الحيوان»، كما حمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والإيرانيين المسؤولية عن استمرار الهجمات الكيماوية ضد المدنيين، وأعاد التذكير بخطأ سلفه «باراك أوباما» الذي سمح للأسد باجتياز الخطوط الحمراء دون رادع، ولولا سياساته «لانتهت المأساة السورية منذ زمن، ولصار الأسد جزءًا من الماضي»، وفق تعبير ترامب.

تصاعدت حدة تغريدات ترامب تدريجيًا، فغرَّد مستخفًا بالتهديدات الروسية التي توعدت بإسقاط أي قذائف تستهدف النظام السوري، قائلًا: «استعدي روسيا، صواريخنا اللطيفة والذكية قادمة»، وقد جاء ذلك بالتزامن مع تقارير صحفية تحدثت عن اتجاه الإدارة الأمريكية  إلى توجيه ضربة للنظام السوري لـ«معاقبته» على الانتهاك المتكرر للاتفاقات الدولية بشأن الأسلحة الكيماوية.

خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليؤكد امتلاك بلاده أدلة تثبت استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية مؤخرًا، وخرجت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي لتؤكد على ضرورة «ردع» الأسد لمنعه من شن أية هجمات جديدة بالأسلحة الكيماوية، كانت أدخنة اللهب تتصاعد من أبواق الزعماء الغربيين، وبدا واضحًا أن بعض القذائف الصاروخية في طريقها لمغادرة مستودعاتها، وأن التهديدات الغربية ستدخل أخيرًا حيز التنفيذ، فترامب بكل تأكيد لا يود أن يعيد سيناريو «أوباما 2013» حين تمخضت التهديدات الأمريكية للأسد عن لا شيء، وهو الأمر الذي ظل «وصمة عار» تلاحق أوباما حتى بعد مغادرته منصبه، وسمح للأسد بالتمادي في هجماته الكيماوية غير عابئ بالتهديدات الغربية أو الوعيد  الأمريكي.

في المقابل كانت روسيا الداعم الأبرز لنظام الأسد مستعدة لتكرار «الكليشيهات» نفسها، فنفت أن تكون هناك هجمات كيماوية قد تمت من الأصل، معتبرة أن الأمر برمته مختلق وملفق، ويهدف إلى شرعنة التدخل الغربي في سوريا، ووقف «الفيتو» الروسي مجددًا كعائق أمام استصدار قرار من مجلس الأمن بشأن الأسد، كما ردت المتحدثة باسم الخارجية الروسية  على تهديدات ترامب بأن «الصواريخ الذكية الأمريكية ينبغي أن توجه ضد الإرهابيين، وليس ضد الحكومة الشرعية – نظام الأسد – في سوريا».

لكن ترامب ما لبث أن عاد وخفف من حدة لهجته، حين غرد مؤكدًا أنه لم يقل أبدًا أنه سيتم شن ضربة ضد النظام السوري، وأضاف في لهجة غامضة أن الأمر قد يكون قريبًا جدًا أو لا يكون، وهو ما ألقى المزيد من الشكوك حول إمكانية أن تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بتنفيذ هجمات ضد النظام السوري، وذكر الجميع بموقف إدارة أوباما السابق الذي «تهاون» مع الأسد حين تحدى «الخطوط الحمراء» بشأن الأسلحة الكيماوية.

حانت ساعة الصفر!

حملت الساعات الأولى من فجر السبت الإعلان عن المفاجأة التي كان ينتظرها الجميع، خرج الرئيس الأمريكي في بيان تليفزيوني يعلن فيه أنه أمر بتنفيذ ضربات في سوريا، وعزا ذلك إلى عجز روسيا عن «لجم الديكتاتور السوري»، بحسب وصفه، كما أكد تنسيق واشنطن مع كل من بريطانيا وفرنسا بشأن تلك الضربات التي استهدفت «الحد من قدرة الأسد على شن هجوم كيماوي».

وفيما كانت أصوات الانفجارات تدوي في العاصمة السورية، كان كلٌّ من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي يزفان نبأ مشاركة مقاتلات بلديهما في الضربة التي تبينت أهدافها لاحقًا، إذ اقتصرت على مركز الأبحاث العلمية في حي برزة شمال شرقي دمشق، ومنشأة تخزين للأسلحة الكيماوية قرب مدينة حمص، وهي الضربة التي أكدت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» لاحقًا أنها نجحت في تقويض القدرات الكيماوية للنظام السوري.

كان في طريقه للنصر قبلها.. كيف خسر الأسد بقرار هجومه على الغوطة الشرقية؟

اقتصر الرد الروسي من جهته على التصعيد اللفظي؛ إذ هدد السفير الروسي في واشنطن بأن الهجوم الغربي على سوريا «لن يمر دون عواقب»، قبل أن يخرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سريعًا للتأكيد بأن التصعيد الحالي بشأن سوريا هو «عدوان سيكون له تأثير تدميري على منظومة العلاقات الدولية»، كما دعا باسم بلاده إلى جلسة طارئة بمجلس الأمن لتدارس الموقف.

لكن وبعيدًا عن التصعيد الإعلامي كانت روسيا -التي أكدت وزارة الدفاع الأمريكية أنه تم إعلامها بالضربة مسبقًا- حريصةً على التأكيد أن أنظمة دفاعها الجوية لم تتصد للصواريخ التي قصفت الأهداف السورية، وأن دفاعات الجيش السوري هي التي عملت على ذلك، في إشارة واضحة إلى نأي موسكو بنفسها عن أي تصعيد عسكري مع واشنطن وحلفائها.

النظام السوري من جهته وصف الهجمات بـ«العدوان الثلاثي»، مؤكدًا أن الهجمات قد استخدمت أكثر من 100 صاروخ، كما أعلن جيش النظام عن نجاح الدفاع الجوي السوري في حرف عدة صواريخ عن أهدافها، وهو الأمر الذي نفاه «البنتاجون» الذي أكد أن الدفاعات الجوية السورية لم تكن ذات فعالية ضد الصواريخ التي أصابت أهدافها بنجاح، معلنة عن انتهاء الضربة.

محلَّك سر.. الضربة «رمزية» والأسد باق

لم يكد ينقشع غبار القصف، وتعلن الجيوش المهاجمة عن انتهاء الهجمات، وأن لا مزيد من الصواريخ يلوح في الأفق، حتى ذهبت السكرة وحضرت الفكرة، لم تكن تلك أكثر من ضربة «رمزية»، لم تحمل أي مخاطر على النظام السوري أو حلفائه، وليس أدل على  ذلك من أن الرئاسة السورية قد بثَّت بعد ساعات قليلة من الضربة مقطع فيديو يظهر الأسد وهو يصل مكتبه، في مقطع فيديو قصير كُتب عليه تعليق «صباح الصمود».

كانت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي هي الأكثر صراحة فيما تعلق بهدف الضربات ونطاقها، فذكرت أن الضربات «محدودة ودقيقة» وتهدف لمنع اختراق الاتفاقات الدولية بشأن السلاح  الكيماوي، لكنها لا تهدف إلى زيادة التصعيد في المنطقة ولا ترمي إلى إسقاط النظام، وحين سئلت اليوم عما إذا كان بمقدور الأسد الاستمرار في السلطة بعد ما حدث؛ أحجمت عن الرد، في دلالة لا تخفى أن الجواب هو نعم.

تتوالى الدلائل على أن لا جديد في الأفق يخطط له الغرب، وأن ما بعد الضربة لن يختلف كثيرًا عما قبلها، فالبنتاجون أبلغ الروس مسبقًا بالهجمات وبمسارات الطائرات، كما أن طول الفترة الزمنية بين الهجوم الكيماوي، والتصعيد الإعلامي ضد الأسد، وبين الهجمات العسكرية كانت كافية تمامًا لكي ينقل الأسد معداته وجنوده بعيدًا عن بنك الأهداف الأمريكي، بحيث تم تفريغ الضربة تمامًا من مضمونها العسكري، والدليل على ذلك أنه لم تسقط نقطة دم واحدة في تلك الهجمات، كانت ضربة بلا ضحايا على الإطلاق.

وقد نفى الصحافي المتخصص في الشؤون العسكرية محمود الكن عبر صفحته على «فيسبوك» أن تؤدي الضربات الأخيرة إلى أي تغيير في موازين القوى على الأرض، أو تحد من الهيمنة الروسية أو الإيرانية على سوريا ملخصًا هدف الضربة وتداعياتها بالقول: «هدف الضربات هو توجيه رسالة سياسية بعدم العبث بالاتفاقيات الدولية بشأن الأسلحة الكيميائية فقط، وأنه لا يمكن فرض واقع جديد دوليًا في هذا الموضوع. أما بشأن التوسع والهيمنة في سوريا وبقاء النظام، فليس هناك أية نية بشأن التدخل في ذلك».