شدّ دونالد ترامب أنظار العالم بعد فوزه في انتخابات الرئاسة الأمريكية صبيحة الأربعاء، ولاحظ الجميع تسليط وسائل الاعلام الضوء على مواقف القوى الكبرى كالاتحاد الأوروبي وروسيا والصين تجاه المرشح الذي يصفه البعض بـ«المتهور»، وكانت بين مرحب بالنجاح المبهر كروسيا، ومتخوف من خطاب الكراهية، الذي وزعه الجمهوري الفائز يمينًا ويسارًا كألمانيا وبعض الأوساط الأوروبية.

ترامب رجال المال والاعمال، قد يُعرف بالنمط الحديث وغير المألوف للمرشحين الجمهوريين في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية، ولعل تفكير الرجل من الناحية التجارية والمالية أصبح رائجًا في الحملة الانتخابية، فالرجل يرافع من أجل مصلحة وعظمة أمريكا دون مصالح البشرية علنًا، ولا يخفي رغبة لبلده أمريكا، في المزيد من السيطرة، إيمانًا بعظمتها وريادتها للعالم.

كانت الولايات المتحدة الامريكية قد أعلنت زيادة قواعدها العسكرية في مناطق مختلفة بالعالم، كإقامة طائرة بدون طيار وسط النيجر خلال شهر أيلول (سبتمبر) الفارط، بالإضافة إلى رفع الاستثمار 12% تجاه افريقيا خلال الخمس سنوات القادمة؛ وما يعني افريقيا هنا هو دخول أمريكا كطرف ميداني عسكريًا في منطقة الساحل الافريقي. وهو ما يجعلنا نطرح سؤالًا مهمًا بعد هذا الاهتمام المتزايد لأمريكا؛ هل ستستمر نفس السياسة الامريكية تجاه أفريقيا مع الرئيس ترامب؟ ام أن خطاب المرشح «ترامب» الذي اتسم بالعنصرية من وجهة نظر الكثيرين، لن يكون هو نفس خطاب «ترامب» الرئيس؟

قارة السّلف أوباما لا يمكن التفريط فيها

لعل ما يعكس رغبة ترامب في تعزيز أفكاره ومواجهة الأطراف الأخرى داخل الإدارة الامريكية، هو وجود تيار حزبي كبير يسيطر على مجلسي النواب والشيوخ، أي أنه قادر على إدارة الرأي العام الأمريكي وصناعة القرار السياسي، بعيدًا عن التردد الذي أصاب سلفه باراك أوباما في آخر فترة حكمه، ولا أدّل على هذا التردد من شيء مثل الموقف من الملف الأوكراني وتقلص الامتداد الغربي، وسيطرة الروس بعدها على الملف السوري، والاتفاق النووي الإيراني، وزيارته الأخيرة الى الصين وما تبعها مما رآه البعض إهانات بروتوكولية واضحة.

وبالعودة الى شخصية ترامب وخطابه حول اخضاع إرادة الاخرين لرغبة أمريكا، وفق قاعدة «السيطرة على الاخرين هي المبدأ وليس القيادة للآخرين»، نجد ان قارة افريقيا ربما تكون امام عصر جديد من النهب وتغول الامبريالية الامريكية في مناطق الثروات والنفط والغاز، كالساحل الافريقي ومنطقة غرب افريقيا التي تزخر بالنفط النوعي والخفيف، والذي يساعد على اهتمام أمريكا به هو قربه الى السواحل والمحيط الاطلنطي، القريب من القارتين الامريكيتين وعدم وجود أي تهديد عسكري وأمني في المنطقة.

ويعود بنا التاريخ في السياسة الامريكية الى رونالد ريغان وجيمي كارتر عام 1980، حيث كسب الأول الانتخابات الرئاسية بعد ظهور أمريكا بموقف الضعيف من أزمة الرهائن في إيران والغزو السوفياتي لأفغانستان اثناء الحرب الباردة، ويوجد في هذه الحادثة تشابه كبير لترامب ورونالد الجمهوريين وهيلاري وكارتر الديمقراطيين، مع الإشارة الى ان هيلاري كلينتون ظلت من دائرة الحكم السياسي في البلاد الى وقت قصير، وكذلك للضعف الذي ابان عنه أوباما في معالجة ملفات الشرق الأوسط وشرق أوروبا خلال العهدة الثانية له، وفق العديد من المراقبين.

العنصرية تجاه الأفارقة تعود الى الواجهة

والذي يهم الأفارقة بشكل خاص هو ما ظهر من سيادة نظرة دونية من قطاع كبير من الأمريكيين الآن تجاه الأقليات أو الأجناس المختلفة عن الجنس الأمريكي الأبيض، وكذلك تصريحات ترامب تجاه اللاجئين، في إشارة إلى العنصرية التي يتمتع بها تجاه الاخرين، موظفًا مصلحة الولايات المتحدة دائما في هذا الشأن، ويعتبر ترامب ان الولايات المتحدة تنفق أموالًا كبيرة جدًا في مشاريع لا تعود عليها بالفائدة، وهذا يضر بالاقتصاد الأمريكي وبالتالي بالمواطن الأمريكي.

ويسعى اليمين المتطرف للدعاية الى الجنس الأبيض، كحاكم فوق الأرض، بعيدًا عن مشاركة بقية الاجناس له، ولعل ما يحدث في أوروبا من مظاهرات ضد المسلمين واتهامهم بالإرهاب، هو نفس النظرة السلبية تجاه الأفارقة في الغرب عمومًا وامريكا خصوصًا، ولهذه الأخيرة تاريخ سيء مع العبودية، خاصة مع قانون كانسا نبراسكا 1854 المؤيد للعبودية، وقد عرفت الولايات المتحدة احداث عرقية في الفترة الاخيرة.

وتعيش المنطقة الافريقية على وقع تجسيد مفهوم «تخفيف الاعتماد على النفط العربي»، حيث ينعدم الاستقرار ويسود الصراع على جوانب عديدة بمنطقة الشرق الأوسط، وقد لعبت الحرب الباردة وانفراد أمريكا بالحروب العسكرية في الكثير من المناطق توترات لدى صناع القرار الأمريكي بسبب الاستنزاف في الموارد وشح العوائد. إلا انه مع هذه التوجهات المعلنة في الاستراتيجية الامريكية بالتمدد الاقتصادي والتوسع التجاري، ازداد الاهتمام الأمريكي بالتسلح في افريقيا وإقامة القواعد العسكرية، وهو ما لا يعكس الخطاب الترويجي في دعم مشاريع حقوق الانسان والتنمية والبيئة لدى الأمريكيين، وصعود ترامب قد يتحول فعلاً الى خبر سيء جدًا للأفارقة، حيث الوجه الحقيقي لما يسمى الإمبريالية الأمريكية!

وأوردت المجلة الفرنسية «jeune Afrique» تقريرًا حول نظرة الافريقيين لانتخاب الجمهوري دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وقالت المجلة ذات الاختصاص في الشأن الافريقي أن النظرة الأفريقية تبدو سيئة عن ملك البيت الأبيض الجديد، وتربطه برجل يسعى لترويج العنصرية والكراهية للجنس والعرق الآخر، واعتبار فوزه هو امتداد لقوة ونفوذ اليمين المتطرف في كل العالم، بالإضافة الى الحنق من نظرته غير الجيدة تجاه الأفارقة السود في أمريكا.

ترامب التاجر لن يقدم أي هدايا لأفريقيا

يقول الأمين العام لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة عبد الرزاق مقري، أن سياسة ترامب ستقودها رؤى قصيرة المدى التوسع الاقتصادي الأمريكي، وستهمه الفرص القريبة للربح، ويضيف مقري الذي يشغل كذلك رئيس مركز البصيرة للدراسات ان ذهنية ترامب مثل أي رجل مال واعمال، هو لن يهتم بالمشاريع والاستراتيجيات بعيدة المدى وان لم تكن عوائدها الربحية قريبة، وهذا ما يؤثر على تحالفاته الاقتصادية في عدد من الدول والتكتلات كالاتحاد الأوروبي، بالإضافة الى انه سيتعامل مع كل دولة أوروبية على حدى وفق ما تقتضيه مصلحة بلاده، وهذا ما يؤكده خطابه بخصوص النفقات في حلف الشمال الأطلسي، وضرورة دفع المال مقابل الحماية العسكرية الأمريكية، بالإضافة الى خروج بريطانيا من الاتحاد في وقت سابق.

اما بخصوص افريقيا، فيعتقد جيلز رابي «Gilles Yabi» مؤسس مركز صناعة القرار «Wathi» في غرب افريقيا، ان انتخاب ترامب معناه ان حكومته لن تهتم بأفريقيا الا من خلال المؤسسات الكبرى التي تحتاج الى تأمين المواد الأولية وحماية تدفق الثروات المتنقلة الى أمريكا، ويقول في حوار لمجلة «jeune Afrique» ان ترامب لن يقدم أي هدايا لأفريقيا من الولايات المتحدة، لطبيعة شخصية الرجل والسياسة الجديدة لأمريكا في مناطق عديدة بالعالم.

ويقلل مدير مشروع حل النزاعات الدولية في افريقيا، رابي، من إمكانية بروز صراعات بقيادة الولايات المتحدة، حيث يشير الى ان أمريكا بها مؤسسات سيادية وإدارة ثابتة ودولة عميقة تتحكم في صنع القرار، فمجلس الشيوخ له رأي في الخارجية الامريكية ولوبيات المال والاعمال من كبرى المؤسسات كذلك لها تأثير في توجهات النظام العالمي في الوقت الحالي.

وبالعودة الى سياسة أمريكا تجاه القارة السمراء، لا يمكن تصور سياسة اقتصادية واضحة في ظل انعدام خارطة طريق واضحة للمترشح الفائز دونالد ترامب، ولذلك كانت المتابعة مع المرشحة الخاسرة هيلاري كلينتون يسيرة، نظرًا لتحركاتها السابقة كوزير للخارجية وخطابها الذي يتناغم والسياسة الامريكية التي تعتمد على النمو الناعم بالمجتمعات الأخرى.

ويقول موقع «the conversation» في تقرير حول ترامب وافريقيا، ان هذه الأخيرة لم تكن في جدول اعمال خطاب الرئيس الجديد، فهو لا يهتم بهذه القارة، الا فيما يمكن جلب من مصالح من هناك، ويقول كاتبه بيتر فال، البروفيسور في جامعة جوهانسبورغ ان ترامب امام تحدي مشروع النمو الاقتصادي جنوب الصحراء الذي تم الإعلان عنه قبل 16 عاما، باعتبار ان ترامب أعلن انه لن يمدد أي اتفاقيات تدفع فيها الحكومة الامريكية نفقات لا تقدم عائدات ربحية. ليختم تقريره بتذكير القارئ ان ترامب جاء ليبني أمريكا من جديد، ومن اجل تشييد البنى التحتية داخل البلاد، وأنه لن يتعامل وفق السياسة الناعمة مع بقية الدول، والتي دامت لعقود من الزمن!.

الآن مع ترامب، الوضع بات خطيرًا حسب عدد كبير من المحللين، وقد يعود ذلك الى دعم رجال المال والاعلام لهيلاري على حسابه، تخوفًا من سياسة انتقامية تستهدفهم. كما بات المستقبل غامضأ، نظرًا لحملته الانتخابية التي وصفها البعض بالجنونية، وكذلك لانعدام برنامج واضح للرئيس القادم الى العالم خلال ثلاث مناظرات تابعها الملايين من المهتمين بالسياسة والامن والاقتصاد. الوقت كفيل بالإجابة حول نظرة ترامب والجمهوريين بشكل عام تجاه افريقيا الثروات وأصحاب المعاناة من ذوي البشرة السوداء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد