default-avatar
شيماء محمد
default-avatarشيماء محمد

«خسرنا كل شيء، بعد كل تلك السنوات من الأمل»، بتلك الكلمات يصف أمير، المصور الإيراني، حزنه بعد إعلان ترامب، يوم الثلاثاء الماضي، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والمبرم في عام 2015.

وكان قد سبق قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مؤتمر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عرض خلاله العديد من الملفات التي يزعم أنها من الأرشيف النووي السري الإيراني، وقال إنها تؤكد انتهاك إيران الاتفاق النووي الذي كان من المفترض أن يحد من تطويرها للأسلحة النووية. لكن خرج كل من الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية لنفي مزاعم نتنياهو، وتأكيد أن إيران تمتثل بالفعل لكل بنود الاتفاق.

«لا جدوى من روحاني.. لقد انتهى الاتفاق»

عقب إعلان ترامب قراره، خرج الرئيس الإيراني روحاني في كلمة متلفزة يؤكد فيها استمرار التزام إيران بالاتفاق النووي قائلًا: «لقد خرج العنصر المزعج»، لكن رضا، وهو مهندس اتصالات إيراني، يرى أن كل ذلك لا جدوى منه، إذ يؤكد لـ«ساسة بوست»: «انتهى كل شيء وحديث روحاني ما هو إلا محاولة بائسة لنتحلى بالأمل الزائف».

Embed from Getty Images

الرئيس الإيراني حسن روحاني

لكن هناك من يعارض رضا، ويتمسك بوجهة نظر روحاني، فيرى السياسي الإصلاحي محمود أكبر زاده أنه ما زال هناك أمل؛ فيقول: «لقد انتصرنا من قبل في المفاوضات وسنفعلها مرة ثانية، حتى مع انسحاب الولايات المتحدة فالاتفاق فيه أطراف أخرى تدعم موقفنا».

انسحاب ترامب وسعادة التيار المحافظ

على ما يبدو، فإن غالبية الشعب الإيراني يشعر بالإحباط من جراء قرار انسحاب الولايات المتحدة، لكن هناك من استقبل هذا القرار بالسعادة، فطوال فترة المفاوضات وحتى إبرام الاتفاق النووي كان التيار المحافظ ينتقد هذا الاتفاق، ويرى أنه محاولة لفرض سيطرة الغرب على إيران، وطالما هدد المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي «بإحراق الاتفاق النووي في أي وقت».

وبينما يتخذ التيار الإصلاحي موقفًا هادئًا يميل إلى الدبلوماسية لحل تلك الأزمة، يفضل التيار المحافظ الرد الحاسم والانسحاب فورًا من الاتفاق؛ بل والعودة إلى تخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى من ذي قبل. فقد وصف خامنئي قرار ترامب بأنه «سطحي وسخيف» مؤكدًا أنه قال مرارًا وتكرارًا إنه لا يجب الوثوق بالولايات المتحدة، وأن إيران التزمت بالاتفاق وبالرغم من ذلك استمر العداء للجمهورية الإسلامية.

ويؤيد رسول أمامي السياسي المحسوب على التيار المحافظ كلام المرشد الأعلى، ويرى أن من غير المنطقي أن تبقى إيران في اتفاق يهدر كرامتها، ويؤكد لـ«ساسة بوست»: «أنه اتفاق العار والخزي، قلنا لهم ذلك كثيرًا، لا يجب أن نتخلى عن برنامجنا النووي من أجل إرضاء الغرب، ويجب أن تخرج إيران من هذا الاتفاق وترد بقوة على إسرائيل والولايات المتحدة».

وبينما يتقاتل التياران المحافظ والإصلاحي على البقاء في الاتفاق أو لا، يشعر الإيرانيون بأن كل آمالهم قد انهارت، وأن حياتهم ستصبح جحيمًا. فيقول أمير، وهو مصور إيراني: «بعد إبرام الاتفاق في عام 2015، شعرت بسعادة كبيرة ونزلت للاحتفال مع أصدقائي، وتوقعت أننا أخيرًا خرجنا من النفق المظلم».

ويكمل أمير حديثه بمزيد من الحزن، ويقول: «نعم لم يحقق لنا الاتفاق أي مكاسب ملحوظة إلا أننا فضلنا التمسك بالأمل، أما الآن فكل شيء قد انهار ومصيرنا صار مجهولًا».

الإيرانيون في انتظار المزيد من العقوبات

عندما أعلن ترامب قرار الانسحاب من الاتفاق النووي، أعلن أيضًا أنه سيتم إعادة العمل بالعقوبات التي كانت قد فرضت على طهران قبل الاتفاق النووي؛ بل هدد أنه سيصدر بحق إيران عقوبات أشد درجة من السابقة.

ووفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية سيتم تطبيق أول مرحلة من العقوبات على طهران بعد 90 يومًا من قرار ترامب، أي في شهر أغسطس (آب)، والمرحلة الثانية بعد 180 يومًا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.

يقول فضل، وهو إيراني يبلغ من العمر 45 عامًا يعمل في مجال السجاد، لـ«ساسة بوست»: «بعد رفع العقوبات بدأت حركة استيراد السجاد الإيراني تزداد، وتحسن دخلي بشكل ملحوظ، حتى أني كنت قد بدأت في تصدير السجاد إلى الولايات المتحدة، لكن الآن لم يعد بإمكاني ذلك، فقد رجعنا بغتة إلى الخلف».

بالرغم من الإحصاءات الرسمية التي تشير إلى حدوث انتعاش في الاقتصاد الإيراني بعد الاتفاق النووي، ودخول عدد من الاستثمارات الأجنبية في قطاعي السيارات والبترول، إلا أن الإيرانيين لم يشعروا بتلك الانتعاشة، وفي نهاية عام 2017 خرج المئات منهم في أغلب المدن الإيرانية اعتراضًا على الأحوال الاقتصادية المتدهورة.

ومنذ أشهر بدأ الريال الإيراني في الانهيار أمام الدولار الأمريكي، وبمجرد إعلان ترامب انسحابه من الاتفاق النووي، وصل سعر صرف الدولار في الأسواق المالية الإيرانية إلى 75 ألف ريال، أي بزيادة تصل نسبتها إلى 14.5% لأول مرة في تاريخ إيران.

ترى زينب، وهي ربة منزل تبلغ من العمر 35 عامًا، أن الأيام القادمة ستكون أسوأ على الإيرانيين؛ فتقول: «ستزيد الأسعار بشكل جنوني، وسيأتي اليوم الذي لا نستطيع فيه شراء الخبز».

هل تستطيع أوروبا توفير الضمانات لإيران للبقاء في الاتفاق؟

صرح روحاني أن إيران باقية في الاتفاق النووي مع الدول الأوروبية الأخرى، لكن شرط أن تقدم تلك الدول الضمانات اللازمة لطهران، -ويبدو أن ذلك هو رأي المرشد أيضًا- لكنه روحاني أضاف قائلًا: «إذا لم توفر لنا الدول الأوروبية تلك الضمانات ولا أثق في أنها تستطيع فعل ذلك، سننهي هذا الاتفاق ونعود إلى تخصيب اليورانيوم على الفور، وقد أبلغت الخبراء بذلك».

ويرى الخبير السياسي أحمدي درخشان أن الأمور يمكن تسويتها بين إيران والدول الأوروبية؛ فيقول لـ«ساسة بوست»: «أثق في قدرات روحاني وظريف الدبلوماسية، وأرى أن خطوة العودة إلى تخصيب اليورانيوم صعبة في الوقت الحالي، ولن يخاطر القادة في إيران بالإقدام عليها».

من ناحية أخرى كان مجموعة من النواب المحافظين في البرلمان الإيراني قد قدموا مشروع قرار عاجل يلزم روحاني بالخروج من الاتفاق، والعودة إلى الأنشطة النووية التي كانت قبل هذا الاتفاق على الفور. لكن يظل أحمدي درخشان متفائلًا بأن الأمور لن تصل إلى تلك المرحلة، وكلها محاولات لإعادة اعتبار إيران أمام المجتمع الدولي من وجهة نظر المحافظين.

Embed from Getty Images

ويصف أمين، وهو صحافي إيراني، أمر العودة إلى تخصيب اليورانيوم بأنه «جنون»؛ فيقول لـ«ساسة بوست»: «أعلم أن الشعب الإيراني قد يئس، ولا أحد يثق في الغرب الآن، لكن لا بد أن نحتكم لصوت العقل، فاختراق بنود الاتفاق النووي لن يجلب علينا سوى المصائب».

لكن مصطفى الذي كان واحدًا من أعضاء الحملة الانتخابية لروحاني في عام 2013، يبدو غير مهتم بكل تلك الأقوال والآراء؛ فيقول: «لا يهم ما سيفعله التيار الإصلاحي أو المحافظ، لقد وقعت الكارثة، وانتهى الاتفاق الذي طالما حلمنا بجني ثماره».