نشر موقع «ذا ناشن الأمريكيThe Nation » وثائق مسربة لقرار تنفيذي من المحتمل أن يقره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقنن التمييز ضد بعض الأقليات. ويُثير القانون المحتمل تساؤلات حول مدى دستوريته وتأثيره على علمانية الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه حال إقراره، يأتي مع غيره من القرارات في سياق هدم ترامب لأفكار ونظريات عالمية كانت الولايات المتحدة تُمثّل أكبر وأهم ركائزها.

وفي الثاني من فبراير (شباط) الجاري، نشر موقع ذا ناشن الأمريكي بالتعاون مع «صندوق التحقيق» في معهد الأمة، وثائق مسربة لقرار تنفيذي قد يتخذه ترامب بشأن الحريات الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحمل اسم «إنشاء مبادرة حكومية واسعة لاحترام الحرية الدينية»، وقد وصفه الموقع بأنه قرار «يُقنن التمييز».

ويمنح القرار للأفراد والمؤسسات الحقَّ القانوني في الامتناع عن تقديم خدمات يعتبرونها مخالفة لمعتقداتهم الدينية أو الأخلاقية، دون أن يعتبر رفض هذا النوع من السلوكيات من أشكال التمييز، كما أنه يتعهد باستمرار تقديم الحكومة الفيدرالية الإعفاءات الضريبية للمؤسسات «الدينية» التي ترفض تلك السلوكيات، دون فرض أية عقوبات عليها.

وحمل القرار مفهومًا واسعًا لـ«المؤسسات الدينية» ليغطي القرار المؤسسات الربحية، وتلك التي تحمي الحرية الدينية في كافة مناحي الحياة، كتقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية، والكسب المعيشي، والسعي لجلب وظيفة، وتشغيل الآخرين، والتي تشارك في السوق والمجال العام، وتلك التي تتلقى منحًا حكومية وتتواصل مع الحكومة الفيدرالية.

وحدد القرار بعض السلوكيات التي قد ترفضها تلك المؤسسات لأسباب دينية أو أخلاقية، والتي تتركز بشكل أساسي على القضايا الجنسية المثيرة للجدل، مثل التحوّل الجنسي وزواج المثليين وممارسة الجنس بلا زواج والإجهاض.

وبموجب ذلك القرار، يُحتمل أن يُحرم هؤلاء من خدمات هي حق لكل المواطنين، كالحصول على أدوية الإجهاض أو حبوب منع الحمل من خلال قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة، في حال رفضت المؤسسة أو الفرد العامل فيها تلك السلوكيات من منطلق ديني أو أخلاقي، ويصبح الحرمان بذلك قانونيًا ولا يصنف كجريمة تمييز.

وبهذا أيضًا ستظل المؤسسات التي ترى وجوب ممارسة الجنس من خلال الزواج أو التي ترفض زواج المثليين؛ متمتعة بإعفاءات ضريبية، كما أن القرار المُسرّب والذي لم يُنفذ للآن، يُؤكد على عدم إجبار الحكومة الفيدرالية للمؤسسات الدينية أو المواطنين الأمريكيين على المشاركة في أنشطة «تتعارض مع ضميرهم».

رأي القانون والدستور الأمريكي

أثار القرار الشبهات حول مدى اتساقه مع القانون الفيدرالي الأمريكي والدستور الأمريكي، ليرى متخصصون مخالفته القانونية والدستورية، فوفقًا لمارتي يدرمان البروفيسور في مركز القانون بجامعة جورج تاون، فإن القرار يُمثّل عبءً على الممارسة الدينية، وكذلك تعديًا لصلاحيات السلطة التنفيذية.

من ثغرات القرار المُحتمل انتهاك القانون الفيدرالي عبر الأفراد أو المؤسسات الخاصة المعنية به، هذا بالإضافة إلى الانتهاك الذي يُمثّله القانون للتعديل الأول من الدستور الأمريكي، وذلك فيما يخص جزئية الإعفاءات الضريبية؛ كونها «تذهب إلى ما هو أبعد مما وضعته المحكمة العليا الأمريكية من حدود للتسامح الديني». مع ذلك هل يُصدّق مكتب الاستشارة القانونية التابع لوزارة العدل الأمريكية على شرعية هذا القرار؟

يؤكد التعديل الأول للدستور الأمريكي على حرية العبادة والممارسة الدينية والكلام، والصحافة، ويمنع الكونجرس من إصدار قوانين تنتهك تلك الحرية، إذ ينص التعديل الأول على أنّ «لا يصدر الكونجرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحد من حرية الكلام أو الصحافة، أو من حق الناس في الاجتماع سلميًا، وفي مطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف».

ومن الممكن أيضًا أن يتعارض ذلك القرار مع المادة السادسة من الدستور الأمريكي، والتي تمنع إجراء اختبار ديني لمن يتولى مسؤولية عامة أو منصب حكومي في الولايات المتحدة الأمريكية، وتنص تلك المادة على أنه «لا يجوز أبدًا اشتراط امتحان ديني كمؤهل لتولي أي منصب رسمي أو مسؤولية عامة في الولايات المتحدة».

الغموض يحيط مصير القرار

لا يزال الغموض يحيط مصير ذلك القرار المُسرّب، وكذا نية تطبيقه على أرض الواقع في الولايات المتحدة، وسط تباين في التصريحات التي خرجت من مسؤولين في البيت الأبيض. وإلى الآن لم يستجب البيت الأبيض لطلبات الحصول على رد أو تعليق بشأن هذا القانون، بحسب موقع «ذا ناشن» الأمريكي.

ويوم الاثنين الماضي ،سُئل شون سبيسر المتحدث باسم الأبيض من قبل الصحافيين ما إذا كان هذا القرار ضمن جدول أعمال الحكومة، ليجيب سبيسر على الصحافيين «لن أتطرق إلى القرارات التنفيذية التي قد نطرحها أو لًا، هناك العديد من القرارات التنفيذية والأشياء التي تحدث الرئيس عنها وسنستمر في تحقيقها، ولكننا ليس لدينا شيء بهذا الشأن الآن»، وبذلك يكون سبيسر قد نفى أن يُطبق ترامب القرار في الوقت الحالي، دون أن ينفي إمكانية إقراره لاحقًا ضمن حزمة من القرارات التنفيذية التي يسعى ترامب لتنفيذها.
من جهته، لم ينفِ مسؤول في البيت الأبيض صحة مشروع قرار الحرية الدينية، خلال حديثه مع
صحيفة «إيه بي سي نيوز» الأمريكية يوم الخميس الماضي، في حين قال مسؤولون آخرون بالبيت الأبيض، إن هذا القرار يعد واحدًا من مئات القرارات المتداولة، التي صاغ بعضها البيت الأبيض، والبعض الآخر الفريق الانتقالي ، ومن المرجح ألا تُقر كل تلك القوانين، ولم يحدد المسؤول من صاغ هذا القانون تحديدًا.

ترامب يوسع الفجوة بينه وبين «الأقليات»

في حال تطبيق هذا القرار، فإن الفجوة ستتسع أكثر بين ترامب وبين الأقليات التي ستكون الأكثر تضررًا من ذلك القرار، وبالأخص الفئات التي حددها القرار كالمتحولين جنسيًا والمثليين، الذين كانوا سلفًا من أشد المعارضين لترامب في الانتخابات الرئاسية، بحسب ما أظهرته استطلاعات رأي؛ ليأتي هذا القرار ليعمق الفجوة أكثر، ففي الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني). وبعد حسم النتيجة لصالح ترامب، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، دراسة حول الفئات الاجتماعية للناخبين وخلفياتهم الديموجرافية والسياسية والدينية والأيديولوجية، وأعدّ الدراسة مركز «إديسون» للأبحاث، ومجموعة من الباحثين في «سي بي إس نيوز»، و«إي بي سي نيوز»، «وسي إن إن»، و«فوكس نيوز»، ووكالة «أسوشتد برس». واعتمدت الدراسة على استبيانات كتبها 24 ألفًا و537 ناخبًا، في 350 مركز اقتراع، في جميع أنحاء الولايات المتحدة يوم الانتخابات، إضافةً إلى 4398 مقابلة هاتفية مع ناخبين أدلوا بصوتهم بالفعل، أو حتى غابوا عن التصويت.

وبحسب تلك الدراسة، فقد دعم 78% من الناخبين المثليين والمتحولين جنسيًا هيلاري كلينتون، في مقابل 14% لترامب. ودعم47% من الناخبين غير المثليين أو المتحولين جنسيًا هيلاري في مقابل 48% لترامب.

اللون الأزرق يعبر عن هيلاري، والأحمر يعبر عن ترامب

ترامب يطيح بعلمانية أمريكا

تظل أبعاد القرار في حال تطبيقه، مطاطة وغير محددة أو واضحة، وقد يمتد تأثيره السلبي على الأقليات الدينية في المجتمع الأمريكي ليُحرم بموجبه مسلمو الولايات المتحدة وغيرهم من الأقليات الدينية هناك من التمتع بخدمات معينة، قد تكون صحيّة على سبيل المثال، ليطيح مع غيره من الإجراءات المشابهة التي اتخذها ترامب أو ينوي اتخاذها، بمبدأ علمانية الدولة ومؤسساتها، ذلك المبدء الذي دافعت عنه أمريكا طويلًا خلال السنوات والعقود الماضية.

وترفض معظم الأقليات في الولايات المتحدة دعم ترامب منذ ترشحه للانتخابات الرئاسية، إذ أظهرت نفس الدراسة أن 71% من الناخبين اليهود دعموا هيلاري في مقابل 24% دعموا ترامب، فيما دعم 62 % من الناخبين المنتمين لديانات أخرى (من أبرزها الإسلام)، هيلاري، في مقابل 29% لترامب،


ودفع العداء المشترك من يهود الولايات المتحدة ومسلميها تجاه ترامب، إلى تكوين مجلس مشترك يضم مسلمين ويهود في أمريكا، بالرغم من الترحيب الإسرائيلي بفوز ترامب. واستهدف المجلس تطوير استراتيجية منسقة لمواجهة التعصب ضد المسلمين ومعاداة السامية في الولايات المتحدة الأمريكية، والعمل على حماية حقوق الأقليات الدينية في أمريكا وحمايتها، طبقًا للدستور الأمريكي، حتى يمارس الجميع شعائره الدينية بكل حرية وأمان، بحسب ما أعلنه المجلس.

وقد أظهر ترامب عداءه للمسلمين مخالفًا مبادئ أمريكا العلمانية، من خلال قرار بحظر مواطني سبع دول ذات أغلبية إسلامية من دخول الولايات المتحدة ،وهي العراق وسوريا وليبيا والصومال والسودان واليمن وإيران، وقد أثار القرار موجة غضب دولية، وتظاهرات محلية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا القرار غير المسبوق كما يبدو، في حال تطبيقه سيلغي تعديل جونسون لعام 1945 والذي يحظر المؤسسات المعفاة من الضرائب من تأييد المرشحين السياسيين أو معارضتهم، تأكيدًا لعلمانية أمريكا، وهو تعديل تعهد ترامب لإلغائه عندما كان مرشحًا للرئاسة، وفي كل الأحوال يتطلب إلغاء ذلك التعديل موافقة الكونجرس

ترامب يسعى لتغيير النظام العالمي

«الأمم المتحدة أصبحت ناديًا لتبادل أطراف الحديث وقضاء أوقات طيبة»، هكذا علّق ترامب منتقدًا قرار مجلس الأمن بدعم وقف الاستيطان الإسرائيلي، في ديسمبر (كانون الأول ) الماضي، وتحمل كلمات ترامب استهانة كبيرة بالمجلس الذي كانت أمريكا تدعم دوره طويلًا وتحافظ على بقائه خلال السنوات والعقود الماضية.

وعقب القرار الذي فشل ترامب في إيقافه، غرّد ترامب على موقع التدوينات القصيرة «تويتر» » بالنسبة للأمم المتحدة.. فستختلف الأمور بعد 20 يناير (كانون الثاني)»، في إشارة ليوم توليه رسميًا منصب رئاسة الجمهورية في أمريكا، وهي تغريدة تعبر بوضوح عن نية ترامب تغيير طبيعة مجلس الأمن، الذي يعد أحد أكبر ركائز النظام العالمي على المستوى الأمني والسياسي.

واستمرارًا لسياسات ترامب، في محو ما وصل إليه الرئيس السابق باراك أوباما، دون الاكتراث كثيرًا للتأثيرات العالمية السياسية والأمنية والاقتصادية التي قد تنتج من تغييرات ترامب تحت شعار «أمريكا أولًا»، وقّع ترامب على انسحاب أمريكا من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي،بعد ثلاث أيام فقط من تنصيبه.

وكانت المفاوضات شاقة حول هذه الاتفاقية واستمرت لسنوات، قبل أن يوافق عليها أوباما في 2015، باعتبارها «الأفضل من نوعها» لإزالتها الحواجز الجمركية وغير الجمركية للدول المشاركة فيها، والتي تتكون من 12دولة وهم: الولايات المتحدة الأمريكية و أستراليا وبروناي وكندا وشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو وسنغافورة وفيتنام.

وبانسحاب أمريكا من الاتفاقية «فلن يكون لها معنى» بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء الياباني تشيزو آبي، في تصريحات له في 2016، ردًا على تعهدات ترامب بإلغائها عند وصوله للبيت الأبيض، أثناء حملته الانتخابية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد