استيقظت عائلة جوليو ريجيني يوم 26 يناير (كانون الثاني) عام 2016  في بلدة فيوميشيللا شرق إيطاليا، وبدأت يومها كأي عائلة ايطالية تتناول إفطارها في ردهة منزلها الدافئ في صباح يوم «كانوني» بارد. ربما كانت مخططات العائلة قضاء عشاء مع الأصدقاء في مكان رائق ذلك المساء، لولا أخبار اختفاء ابنهم جوليو، الباحث الأكاديمي في «جامعة كامبردج»، في القاهرة في طريقه لحضور حفلة عيد ميلاد صديق له بالقرب من ميدان التحرير عشية الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير المصرية. 

سنوات والعائلة تحاول العثور على حق ابنها، لتصدم قبل أيام بإعلان الرئيس اليميني عن «حزب رابطة الشمال» لمقاطعة «فريولي وفينيسيا وجوليا»، شرق البلاد، إزالة لافتة «منظمة العفو الدولية» التي تحمل عبارة: «الحقيقة لريجيني»، والتي كانت معلقة على واجهة مبنى المقاطعة المطل على ساحة مدينة تريسته الرئيسية يوم 23 يونيو (حزيران) الماضي؛ الإعلان صدم العائلة التي عُثِر في الثالث من فبراير (شباط) 2016 على جثة ابنها ملقاة على قارعة الطريق المؤدي من العاصمة إلى الإسكندرية، في ضاحية السادس من أكتوبر غربي القاهرة.

والذي وشى جسده بالكثير مما تلقاه قبل موته من تعذيب ووحشية، ما دعا السلطات الإيطالية بمطالبة نظيرتها المصرية، كشف حقيقة ما جرى لمواطنها، ذلك الطلب الذي لم يسفر عن تلقي أي إجابة حتى هذه اللحظة.

نشأته وسفره إلى مصر ثم نهايته.. «نيويورك تايمز» تستقصي أسباب مقتل جوليو ريجيني

«الحقيقة لريجيني».. ما الذي تعنيه إزالة هذه اللافتة؟

أخذت القصة بعدًا إعلاميًا كبيرًا في وسائل الإعلام الإيطالية، وتناكف فيها الساسة من كل الأقطاب على وسائل الإعلام المرئي والمكتوب والإلكتروني. إذ أن قضية ريجيني قضية وطنية بامتياز، تبناها المجتمع الإيطالي الذي -بعيدًا عن الوحشية في طريقة قتل ريجيني- يرفض في مجمله ما يعتقد أنها جريمة لجهاز الدولة المصرية على طريقة العصابات الخارجة عن دائرة القانون. ويرفض التعتيم والمماطلة المصرية في الكشف عن تفاصيل ما اقترفته أجهزته بحق ريجيني.

لم يكن الحدث ليصبح بهذا الزخم لو أن اللافتة أزيلت في مدينة أخرى غير مدينة تريسته. كونها مدينة ميلاد الباحث في شؤون النقابات المصرية بعد ثورة 25 يناير جوليو ريجيني. فقد ولد ريجيني في المدينة في 15 يناير عام 1988. ما أكسب الخطوة إلى جانب بعدها السياسي، بعدًا روحيًا له علاقة مباشرة برمزية قضية ريجيني في المخيال الجمعي الإيطالي.

Embed from Getty Images

ليس فقط من باب التعاطف الإنساني والحقوقي والسياسي. بل أن هناك بعدًا آخر يخص ذاكرة المجتمع الإيطالي في قضايا مشابهة لمواطنين إيطاليين قتلوا أو فقدوا في مناطق أخرى من العالم، ولم تستطع السلطات الإيطالية التوصل للحقيقة في معظم الحالات.

مقتل الصحفي الإيطالي فيتوريو أرّيجوني عام 2011 في قطاع غزة لا يزال مرارةً عالقةً في حلوق الإيطاليين، خصوصًا أن العملية برمتها من الاختطاف، حتى قتل اثنين من الخاطفين وأسر الثالث، والعثور على أرّيجوني ميتًا تمت دون فهم حقيقة ما جرى، ولماذا حصل كل هذا.

أمّا قصة الأب باولو دال أوليو فما زالت جرحًا نازفًا في خاصرة روما السياسية والفاتيكانية. فمنذ اختفائه عام 2013 في الشمال السوري لا يعرف إن كان الرجل حيًّا أم ميتًا. سيلفيا رومانو كانت آخر ضحايا الخطف لمواطنين إيطاليين في أراض أجنبية، التي تعجز حكومة روما حتى اللحظة عن الوصول فيها إلى أي نتيجة. عاملة إغاثة بلغت من العمر 23 عامًا فقط عندما اختطفتها عصابة إجرامية في كينيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. لذا هناك رغبة لأن تنتهي هذه المآسي من خلال التمسك بمعرفة الحقيقة فيما يخص قصة ريجيني. 

فضلاً عن أهمية اللافتة السياسية والرمزية، فهي ذات بعد حقوقي مهم. إذ أن اللافتة التي أزيلت تعود لـ«منظمة العفو الدولية» التي تبنت قضية جوليو ريجيني في مختلف المحافل الدولية، وتشكل صداعًا حقيقيًا للنظام المصري وإحراجًا مستمرًا له حيثما حل.

فقد عملت على الوصول بقضية ريجيني إلى كل محفل محلي وإقليمي ودولي وكسب الداعمين لها. لذا فإن المتحدث باسم «منظمة العفو الدولية» في إيطاليا؛ ريكاردو نوري استغرب خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، الإقدام على هذه الخطوة»، التي خشي من أن تضعف القضية، وتتركها ذاكرة للنسيان.

«معادون للهجرة.. معادون للنخبة».. من يحكم إيطاليا اليوم؟

وصل الائتلاف الحاكم الحالي للسلطة في يونيو عام 2018. يقوم الائتلاف على تحالف مصالح بين «حزب رابطة الشمال اليميني» الذي تأسس عام 1989 على أساس الانفصال بمنطقة بادانيا الشرقية الشمالية الغنية عن باقي البلاد. وعلى أساس العداء المطلق للمهاجرين والأجانب من خارج القارة الأوروبية. 

وبين «حركة خمس نجوم» السياسية المعارضة حديثة الولادة التي أُسست في عام 2009 على يد كل من الممثل الكوميدي بيبي غريللو والمستشار في استراتيجيات الويب جيانروبرتو كاساليجيو. الحركة التي تصف نفسها بـ«الشابة والشعبوية» والبديلة للأحزاب، اتخذت اسمها «خمس نجوم» من خمس قضايا تدافع عنها وهي المياه العامة، والنقل المستدام، والتنمية المستدامة، والحق في الوصول للإنترنت، وحماية البيئة.

Embed from Getty Images

لافتة دعاية انتخابية لـ«حزب رابطة الشمال»

تمكن زعيم «حزب رابطة الشمال» اليميني ماتيو سالفيني من فرض نفسه في المشهد السياسي الإيطالي بعد تصدره نتائج تحالف اليمين واليمين المتطرف الذي يضم «حزب فورتسا إيطاليا» لسيلفيو برلسكوني وأحزاب متطرفة صغيرة أخرى. لكن أحدًا من القوى السياسية وقتها لم يستطع تحقيق أغلبية برلمانية ما تمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا. ما فرض التحالف على حزبي المركز الأول والثاني لتجنب إعادة الانتخابات.

أما «حركة خمس نجوم» فقد صعد نجمها في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي تأثرت بها معظم الدول الأوروبية، وترفض إطلاق اسم حزب سياسي عليها لأنها ترى نفسها «نظيفة» ولا تتساوى مع الأحزاب التقليدية في السلطة التي تلاحقها شبهات الفساد واستغلال السلطة. فقد قبلت بالتحالف لتحقيق برنامجها الانتخابي الذي حدده زعيم الحركة لويجي دي مايو باستثمار 50 مليار يورو في عدة مجالات، ومحاربة البيروقراطية في مختلف أشكالها، وتخفيض الضرائب التجارية، وتشجيع الابتكارات والتكنولوجيا، وجعل الاقتصاد صديقًا للبيئة بشكل كامل بحلول عام 2050.

لا يجمع الحزبين الكثير من القضايا الداخلية بقدر ما يجمعهما الموقف في السياسة الخارجية للبلاد فيما يخص العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والعملة الأوروبية الموحدة. لذا فإن العلاقة بين الطرفين ليست دائمًا في أفضل حالاتها، وكثيرًا ما يشوبها الخلاف حول قضايا الشأن الداخلي. ربما في اختيار لويجي دي مايو زعيم «حركة خمس نجوم» حقيبة وزارة العمل، واختيار «زعيم الائتلاف اليميني» ماتيو سالفيني حقيبة وزارة الداخلية؛ يقول الكثير عن عقلية وأولويات الرجلين فضلًا عن الحزبين سياسيًا.

هل ما زال ريجيني «خطًا أحمر» عند الشعب الإيطالي؟

عارض حلفاء «حزب الرابطة» قبل معارضيها الخطوة غير المفهومة. «حزب رابطة الشمال» الذي يتموقع في فضاء اليمين السياسي؛ حملته إلى السلطة شعارات «الإيطاليون أولًا، وإيطاليا للإيطاليين». فلماذا يقدم على خطوة أقرب ما تكون انتكاسة لمبادئه في نظر البعض، وخذلانًا لعائلة ريجيني من وجهة نظر الجميع تقريبًا؟

بحسب ماسيمليانو فيدريجا رئيس مقاطعة «فريولي، فينيسيا، جوليا» فقد قام «بخيار واضح» بإزالته اللافتة من على مبنى المقاطعة، وهو أن يقطع الطريق على كل من يريد أن يجر «دراما وموت الشاب إلى المعركة السياسية». بالطبع يقصد الحركات والقوى والأحزاب ذات الصبغة اليسارية أو التقدمية عمومًا التي كانت أكثر من دعم عائلة ريجيني في قضية ابنها.

Embed from Getty Images

استعداد الرجل لمواجهة اللغط والصخب الإعلامي بسبب القصة يشي باستعداد «حزب رابطة الشمال» المسبق لهذه الخطوة. فقد صرّح أن إزالة اللافتة «سيثير الخلاف كله مرة واحدة»، لكن لن يلبث وأن «ينتهي بعد ذلك للأبد». وهكذا يسحب «حزب الرابطة» ورقة رابحة سياسيًا من يد خصومه من جهة. ومن جهة أخرى ينهي «توظيف الشاب سياسيًا»، وتنتهي بحسبه «هذه الكآبة المستمرة». 

كانت «حركة خمس نجوم» الحليف السياسي وشريك الحكم لحزب الرابطة أول من رفض القرار. إذ وصفت القرار بـ«غير المفهوم»، وهاجمه النائب عن الحركة  في البرلمان الإيطالي جوليو بينّا. الذي رأى أن «اللافتة ليست سوى رمز» ليس هناك ضير في الإبقاء عليه، لكن ما يخيفه هو إن كان إزالة لافتة «الحقيقة لريجيني» أحد أعراض «قلة الاهتمام بالبحث عن الحقيقة حول مقتل مواطن إيطالي في أرض أجنبية»، فإن كان الحال كذلك، عندها «فمن الجيد أن يقول فيدريجا ذلك بوضوح». لأن القرار قد يؤثر على العلاقة والتفاهمات بين الحزبين.

«اخجلوا!» *لاورا بولدريني، رئيسة مجلس النواب الإيطالي السابقة، لـ«حزب رابطة الشمال».

 السياسية ذات التوجه اليساري رأت أنه كان على الحكومة إيطالية سحب السفير الإيطالي من القاهرة التي تعيق التحقيقات المعنية بقضية ريجيني، بدل إزالة اللافتة التي تطالب بمعرفة حقيقة ما جرى لجوليو ريجيني من على واجهة مبنى المقاطعة. رئيس الوزراء الإيطالي السابق إنريكو ليتّا؛ أكد في تغريدة على حسابه في «تويتر» أن قضية ريجيني بعد «القرار المخجل، ستغدو أقوى».

«كما لو كان مصريًّا».. كيف ترى عائلة ريجيني قضية ابنها؟

لا يعلم أحد على وجه التحديد كيف تشعر عائلة ريجيني اليوم وهي ترى قضية ابنها تتحول لعلكة تلوكها الأحزاب السياسية، بغض النظر عن نوايا تلك الأحزاب.

فالعائلة التي أحيت الذكرى الثالثة لمقتل ابنها يوم 25 يناير بمشاركة 100 مدينة إيطالية هذا العام، تربط مقتل ابنها في سبيل قضية عادلة للشعب المصري. الذي وصف الناشطون للعائلة طريقة اختطافه وتعذيبه وقتله «كما لو أنه كان واحدًا منهم»، كما لو أنه كان مصريًا. لذا فالعائلة دائمًا ما عبّرت عن مناصرتها للشباب المصري المختفي قسريًا، وأولئك الذين يتعرضون للتعذيب والمعتقلين في سجون نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي.

Embed from Getty Images

بالنسبة لباولا وكلاوديو ريجيني، اللذين لطالما ربطا قضية ابنهما بقضية الشباب المصري في المعتقلات، المسألة ليست فقط تعتيمًا على قضية ابنها، بل على قضايا الآلاف من الشباب المصري الذي ينتظر كذلك أن يعرف العالم حقيقة ما يتعرضون له في السجون.

مدفوعة بهذا الحس الإنساني أطلقت العائلة حملة جديدة ستعلق فيها «بدل كل لافتة يزيلها حزب الرابطة ألف لافتة مكانها» حتى تبقى حاضرة على عكس ما يراد لها، في خضم عملية لتصفية حسابات سياسة تؤدي إلى التعتيم على قضية ابنها. في خطوة تشير إلى أن العائلة لا تثق في سياسة وزير الداخلية وزعيم «حزب الرابطة» الذي كان صرّح في 2018 أن البحث عن حقيقة ما جرى لجوليو ريجيني هو مسؤولية عائلته.

ولا تثق أيضًا في رئيس الحكومة السيد كونتي الذي قال في مقابلة مع صحيفة «لكورييرا دلّا سيرا» أنه «يتفهّم مطالب عائلة ريجيني في كشف حقيقة ما حدث لابنهم، لكن بالنسبة لإيطاليا مهم جدًا أن تكون لها علاقات مع بلد مهم مثل مصر». 

حقول الغاز وكبح المهاجرين.. لهذا علينا أن نتصالح مع مصر!

بالرغم من أن الهدف المعلن من إزالة اللافتة هو عدم السماح للفرقاء السياسيين من استخدام رمزية قضية ريجيني في سبيل تحقيق مصالح سياسية؛ إلا أن الخطوة تبقى خطوة سياسية بامتياز من جهة «حزب الرابطة». فالحزب الذي يعتمد على إغراق وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أساسًا في دعايته السياسية، حقق ضربة مهولة واحتل اسمه صفحات التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي لأيام طويلة بإثارته هذه القضية. إلى جانب ذلك لا بد من الإشارة لمجموعة من الاعتبارات التي قد تساعد في تسليط ضوء أكبر على فهم ما جرى.

فمن جهة، عايشت قضية ريجيني حكومتين سابقتين محسوبتين على تيار اليسار الوسط، قبل أن تصل للحكومة الحالية التي يشكلها تحالف يميني شعبوي. ويبدو أن القضية بالنسبة لـ«حزب الرابطة» تحديدًا تشكل ورقة رابحة بيد أن بعض خصومه السياسيين يريد أن يسحبها منهم قبل أن تغلق القضية وتحسب رصيدًا سياسيًّا لهم. لذلك فإن ريكاردو نوري، الناطق الرسمي باسم «منظمة العفو الدولية» في إيطاليا، اعتبر خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن إزالة لافتة ريجيني في ضوء هذه الحسابات «مثير جدًا للألم، ومستوى متدني من السياسة». 

«ساسة بوست» سأل إيلاريا دال زوفو، رئيسة مجلس «حركة خمس نجوم» في المقاطعة وشريك الحكم لـ«حزب الرابطة»، عن هذه السياسة في محاولة لفهمها. ففي قراءتها لإزالة اللافتة المطالبة بكشف حقيقة ما جرى لجوليو ريجيني، رأت إيلاريا أن «حزب رابطة الشمال» سعى من جهة «للبحث عن الأضواء وجذب الانتباه» باتخاذه هذا القرار، في إشارة لسياسة الحزب الذي يختار قضايا إعلامية ذات زخم ليدلي بدلوه فيها. ومن جهة أخرى وصفت إزالة اللافتة بـ «الإهانة لعائلة ريجيني في سبيل مصالح من نوع آخر، لها علاقة بالمال وبالعلاقات الدولية مع مصر». 

وضّحت الصحافية بقسم شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «المانيفستو» الايطالية، كيارا كروشاتي في حديث هاتفي مع «ساسة بوست»، أن مصر مهمة بالنسبة لروما في ملفات ضبط الهجرة، والحرب على الإرهاب، والطاقة. خصوصًا أن عملاق الطاقة الإيطالي، «شركة إيني»، لها حصص معتبرة من حقول الغاز في الجزء المصري من حوض البحر المتوسط. وكان أحد أهم اكتشافتها هو «حقل ظهر» للغاز الذي اكتشفته الشركة عام 2015؛ قبل شهور معدودة من مقتل ريجيني.

والذي كان الحقل الأكبر على الإطلاق الذي يكتشف في حينه، باحتياطي مؤكد قدّر بـ30 ترليون متر مكعب. لذا فإن هذه المصالح تنعكس بشكل أو آخر على جدية الحكومة في كشف حقيقة ما جرى مع ريجيني.

الصحافي في جريدة «الفاتّو كواتيديانو» الإيطالية غويدو رامبولدي؛ كان قد انتقد تعامل حكومات بلده المتعاقبة مع ملف ريجيني بسبب مسألة الطاقة هذه. إذ يرى إن هذه الحكومات عندما ترى الغاز المتدفق من المتوسط لا تضغط بالشكل المطلوب على النظام المصري، وتسأل القاتل عن المقتول، خصوصًا بعد اكتشاف «شركة إيني» لـ«حقل غاز نور» عام 2018، الذي تفوق احتياطياته احتياطي «حقل ظهر» بثلاثة أضعاف. ولا يزال الوقت يمر بينما لم تتلق روما أي إجابة على السؤال الأهم لمواطنيها اليوم، من قتل ريجيني؟

لكن أين مصلحة «حزب الرابطة» في فتح جبهة صراع مع شريكه في الائتلاف الحاكم الذي أخبرنا أن أعضاءه سيواصلون رفع لافتة «الحقيقة لريجيني» في كل مؤسسات الدولة التي يتواجدون فيها؟ حافظ «حزب الرابطة» على تقدمه في استطلاعات الرأي الأخيرة في يونيو 2019 على الساحة السياسية الإيطالية. في الأثناء تراجعت «حركة خمس نجوم» في شعبيتها للمركز الثالث، وتركت مكانها لـ«الحزب الديمقراطي» (يسار وسط) الذي حقق تقدمًا منذ خسارته المدوية للانتخابات الأخيرة عام 2018.

والواقع أن التحالف الحكومي كان حينها أشبه بزواج مفروض، فربما حان الوقت للتخلي عن الشريك الذي تعصف به الخلافات الداخلية وتهدد بتفككه. والذي ربما في حال حدوث ذلك سيخلق مشكلة لـ«حزب الرابطة» باضطراره للتعامل مع شريك سياسي مفكك، لا يتفق معه أصلًا على كثير من القضايا. 

«حبوب سنبلة تموت.. ستملأ الوادي سنابل»

إن سرت في شوراع أي مدينة إيطالية خلال الأعوام الثلاث الماضية، فحتمًا ستصادفك اللافتة الصفراء الكبيرة المكتوب عليها بخط أسود عريض «Verità per Giulio Regeni» والتي تعنى «الحقيقة لجوليو ريجيني» في مكان ما. لذا وفي خضم الصراع السياسي والمصلحي على قضية ريجيني يثور سؤال مهم حول انعكاسات هذا الصراع على مصير القضية، وعلى الداخل الإيطالي.

 تساءلت كيارا كروشاتي الصحافية في جريدة «المانيفستو» في حديثها مع «ساسة بوست» مستنكرة عن جدوى تشكيل لجنة برلمانية تتكفل بالتحقيق في قضية ريجيني وتقديم تقريرها بعد عام ونصف على الأكثر، في الوقت الذي يحرز فيه مكتب المدعي العام في روما خطوات مهمة في سير التحقيق، وفي الوقت الذي نجح فيه رئيس مجلس النواب روبرتو فيكو عن «حركة خمس نجوم»، بحمل قضية ريجيني إلى البوندستاغ الألماني، في محاولة لإعطاء القضية بعد أوروبي برلماني.

Embed from Getty Images

لكن أكثر ما يخشاه الناطق باسم «منظمة العفو الدولية» ريكاردو نوري، في تصريحاته لـ«ساسة بوست»، هو تأثير «التقليد». إذ خبرنا أن بعض البلديات تحت سيطرة «حزب الرابطة» في مقاطعة إمليا رومانيا، وفي بارما وساسولو وفرّارا قامت «بإزالة لافتات» «الحقيقة لريجيني» أسوة بما فعلت مثيلتها في مدينة تريسته. 

يدرك سالفيني أهمية اللافتة باعتبارها رمزًا، ويدرك أهمية الرموز عمومًا في دفع عدالة القضايا الإنسانية إلى الأمام، ويدرك كذلك جيدًا خطورة الهجوم على هذه الرموز وضرورة الدفاع عنها في حال تعرضها للهجوم. قبل شهور قليلة هبّ الرجل نفسه للدفاع عن شخصيتين إيطاليتين يمنيتين اعتبرهما من رموز الإيطالية المهمة، عندما انتقد أحد الكتّاب مواقفهما اليمينية.

 لذا يمكن القول أن إزالة اللافتة التي تحولت مع الوقت لـ«أيقونة مقدسة في معبد حقوق الإنسان»، هدفه التعتيم التدريجي على القضية. فبإزالتها من الفضاء العام فإن «حزب الرابطة» يعهد بالقصة إلى الذاكرة الإنسانية التي يتكفل الزمن بإضعافها، الحقيقة التي أدركتها العائلة والناشطون في قضية ريجيني، فهبّوا للتصدي لها بحملات تعليق لافتات مضادة مكان تلك التي تزال.

في اتساق مع هذه الحملة أخبرنا نوري، الذي أشار أنهم يتلقون اتصالات مستمرة تطلب منهم لافتات «الحقيقة لريجيني» منذ اندلاع الأزمة، أن المنظمة بصدد إطلاق حملة مشابهة لتعليق لافتة مكان كل واحدة تزال. 

لكن أهم ما أشار إليه هو تمنيه أن ترفع الأحزاب السياسية يدها عن القضية التي لا تنفك تؤثر سلبًا على قضية ريجيني. كما كشف لـ«ساسة بوست» عزم المنظمة التوجه إلى إشراك فاعلين جدد في القضية، تحديدًا الجامعات والطلاب الجامعيين بشكل أكبر في حملة طلب الحقيقة لريجيني، لإعطاء القضية زخمًا أكبر، وإيجاد فضاء عام جديد يتبنى لافتة «الحقيقة لريجيني» على مبانيه بدلًا من الاعتماد على المباني الحكومية فقط.

«الحرية للحقيقة».. إلى أين وصلت قضية ريجيني اليوم؟

منذ آخر رسالة كتبها جوليو ريجيني إلى صديقته عند الساعة السابعة و41 دقيقة مساء يوم 25 يناير 2016، يخبرها فيها بأنه خارج لحفلة عيد ميلاد، ومن ثم اختفاؤه بعد أن أخذ المترو من محطة البحوث القريبة من بيته وحتى اليوم؛ ترفض القاهرة التعاون مع مكتب مدعي عام روما من أجل الوقوف على مجموعة من الحقائق.

 بداية من تحديد ومعرفة الخاطفين، إلى تحديد سبب الخطف والتعذيب طوال تسعة أيام أفضى إلى موته يوم العثور عليه في الثالث من فبراير 2016.  منذ ذلك الوقت كشف المدعي العام لروما سلسلة طويلة من المحاولات المصرية لتضليل التحقيقات وإعاقتها.

 إذ قال المدعي العام المصري في البداية إن ريجيني توفي في حادث سيارة. ثم رُفضت هذه الأطروحة عندما أجري تشريح للجثة في إيطاليا، أثبت أن ريجيني مات بسبب كسر عنقه نتيجة لتعرضه للتعذيب الشديد، كما أنه كُسرت أسنانه، وكُسرت يديه.

وعندما وصل المحققون الإيطاليون إلى مصر أعاقت الأجهزة المصرية بكل الطرق تحقيقاتهم. إذ لم يُسمح لهم باستجواب الشهود، إلا في حضور الشرطة المصرية ولبضع دقائق فقط. والصدمة الكبرى كانت عندما اكتشف المحققون الإيطاليون  بعد طلبهم من مكتب المدعي العام في الجيزة مقاطع فيديو للكاميرات بالقرب من موقع الاختفاء حتى يتم فحصها؛ أنه تم مسحها جميعًا. 

وبعد القصة الهزلية التي ألقت فيها السلطات المصرية اللوم على عصابة إجرامية، تبين لاحقًا للمحققين الإيطاليين بعد تصفية أعضائها أنها كانت يوم اختفاء ريجيني تبعد 100كم عن مكان الاختطاف. ما دفع حكومة رينزي بسحب السفير الإيطالي من القاهرة قبل إعادته من حكومة جينتلوني بعد مرور عام كامل على سحب السفير. 

في الأيام القليلة الفائتة، رفض مكتب المدعي العام في مصر الطلب الذي تقدم به مكتب المدعي العام في روما لتسجيل سبعة أشخاص في قائمة المشتبه بهم، من أجل التحقيق معهم، في استمرار لسياسة رفض التعاون المصري في القضية. في هذه الأثناء تواصل أطراف في الحكومة الإيطالية اعتبار مصر «شريكًا لا مفر منه» كما قال وزير الخارجية السابق ألفانو.

وهناك من اعتبر مصر «شريكًا خاصًا» كما قال لويجي دي مايو، تحت ضغط الواقع الذي يقول أن هناك 130 شركة إيطالية عاملة في مصر تمنح خزينة الدولة سنويًا بنحو 2.5 مليار دولار.

لكن بعيدًا عن هذه الحسابات، لا تزال عائلة جوليو ريجيني، مع مختلف جمعيات حقوق الإنسان التي تتابع القضية، تسأل دون كلل أو ملل عن الحقيقة لابنها وتحقيق العدالة.

مصر الأخيرة في الشرق الأوسط.. تعرف إلى ترتيب بلدك في مؤشر سيادة القانون 2019

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد