حدث في يناير (كانون ثاني) الماضي، أن تولت أول امرأة الحكم في تايوان، عندما فازت «تساي إنغ وين» في الانتخابات الرئاسية بحصولها على نحو 60٪ من أصوات الناخبين، مقابل 30٪ حصل عليها مرشح الحزب الحاكم «أريك تشو».

قرر التايوانيون اختيار تساي، بسبب رفضها تزايد تأثير الصين في الحياة الاقتصادية والسياسية لبلادهم، ونتيجة لاستيائهم من حزب «الكومنتانغ» الحاكم، الذي تقارب كثيرًا مع بكين.

لكن فوز مرشحة الحزب الديمقراطي التقدمي، والذي يتضمن نظامه الداخلي العمل على استقلال تايوان، أقض مضاجع الصين، التي تعتبر تايوان محافظة صينية منشقة عن سلطتها، إذ ترفض الرئيس الجديدة تساي، التصديق على مبدأ «صين واحدة»، الذي تستخدمه بكين لتعزيز مزاعمها بأنها تحكم الجزيرة التي يقطنها نحو 23,5 مليون شخص.

«تساي إنغ وين» والحزب الديمقراطي التقدمي

سابع رئيس لتايوان، وأول امرأة تفوز بالرئاسة فيها، هي التايوانية «تساي إنغ وين»، التي ولدت في مدينة «فانغشان» بمقاطعة «بينغتونغ» في تايوان عام 1956. السياسية المخضرمة حاصلة على ليسانس حقوق من جامعة تايوان الوطنية، ودرجة ماجستير في القانون من كلية الحقوق بجامعة كورنيل، وبعد حصولها على درجة الدكتوراه من كلية لندن للاقتصاد، عادت إلى تايوان عام 1984 لتتولى عدة مناصب أكاديمية وسياسية.

أصبحت تساي، التي كانت مستقلة آنذاك، وزيرًا مكلفًا بشؤون البر الرئيسي، بين عامي 2000 و2004، ثم عُيّنت نائبة لرئيس الوزراء «سو تسنغ تشانغ»، حتى مايو (أيار) 2007. واستطاع الحزب الديمقراطي التقدمي تحويل تساي من مستقلة إلى واحدة من أعضائه عام 2004، عندما انضمت رسميًا إليه؛ لتصبح بعد أربع سنوات رئيسَ الحزب.

وفي يناير (كانون ثاني) 2012، خاضت تساي انتخابات الرئاسة التايوانية مُرشحةً عن الحزب، لكنها لم تحظَ بالفوز، لتستقيل بعدها من قيادة «الحزب الديمقراطي التقدمي»، إلى أن أعيد انتخابها لرئاسة الحزب مرة أخرى في مايو (أيار) 2014، ثُم تمكنت أخيرًا من الفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في يناير (كانون الثاني) 2016، لتحصل على 60٪ من أصوات الناخبين التايوانيين.

يذكر أن الحزب الديمقراطي التقدمي تأسس عام 1986، وهو أحد حزبين رئيسيين في تايوان. ينطلق الحزب من دعم الليبرالية وحقوق الإنسان، والتأكيد على الهوية التايوانية، ويتمثل موقفه الأساسي في أنّ «جمهورية الصين (تايوان)» هي «دولةٌ مُستقلة ذات سيادة، تتكون أراضيها من جزيرة تايوان، والجزر الصغيرة المحيطة بها، وسيادتها تُستمد فقط من مواطنيها الذين يعيشون فيها». ويستند الحزب إلى وثيقة صادق عليها، خلال التجمع الوطني السنوي الثامن، في مايو (أيار) 1999، والتي تعتبر أنّ «استقلال تايوان حقيقة قائمة، جاعلةً من إصدار إعلان رسمي للاستقلال غير ضروري».

لماذا فضل التايوانيون «تساي»

تزايد سخط التايوانيين من تدخل الصين في اقتصاد بلادهم وحياتهم السياسية، وزاد القلق بين الشباب التايواني؛ لأن الجزيرة لا تستفيد كثيرًا من علاقاتها الاقتصادية مع الصين، تلك العلاقات التي دعمتها سياسة حزب «الكومنتانغ»، الذي حكم البلاد نحو 70 عامًا، ليزيد في السنوات الأخيرة من تكريس التقارب في العلاقات مع الصين.

لذلك لعب تراجع نمو الاقتصاد التايواني، إضافة إلى تزايد مخاوف التايوانيين المسبقة من عواقب سياسة الانفتاح على بكين، دورًا في تحديد اختيارات 18 مليون ناخب تايواني، إذ منحت الحكومة السابقة الشركات الصينية حرية واسعة للعمل في الجزيرة، وهو ما نقدته المعارضة التايوانية في دعايتها الانتخابية، مُطالبةً بأن تحصل الصفقات الاقتصادية مع الصين على موافقة البرلمان ثلاث مرات.

ودعمت تساي مبدأ الاستقلال عن الصين، ومثلت الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يرفض التصديق على مبدأ «صين واحدة»، ويدعو لتعزيز الهوية الوطنية التايوانية، التي قُمعت خلال سنوات حكم حزب الكومنتانغ، هذا الحزب الذي يوافق على أن تايوان هي دولة مستقلة وذات سيادة، وليست جزءًا من جمهورية الصين الشعبية، لكنه في الوقت نفسه لا يعارض استخدام «مبدأ الصين الواحدة» في المحادثات مع الصين، كما أنّه يرى أن «وجود هوية وطنية تايوانية منفصلة عن الهوية الوطنية الصينية هو أمر غير ضروري واستفزازي بلا داع».

وقد طرح الحزب الديمقراطي التقدمي عدة قضايا تهم الناخب في تايوان، منها نظام المعاشات، وسلامة الغذاء، وارتفاع أسعار العقارات، والرعاية الاجتماعية، كما تميز الحزب الديمقراطي التقدمي بأنه على صعيد السياسات الخارجية، يعد العلاقات مع دول ديمقراطية مثل الولايات المتحدة واليابان والدول الأوروبية، حاسمة بالنسبة لأمن تايوان.

الصين واستقلال تايوان

كما ذكرنا، تعد الصين تايوان محافظة صينية منشقة عن سلطتها، وتطالب منذ عام 1949 بالسيادة عليها، وذلك عندما انتصرت قوات الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في الحرب الأهلية الصينية، وهرب القوميون بقيادة «تشيانغ كاي شيك» إلى تايوان، فبعد وفاة تشانغ كاي تشيك عام 1975، بدأت تايوان بالتحول نحو الديمقراطية، حتى أصبحت واحدة من أكثر الديمقراطيات حيوية في آسيا.

وفي عام 1992، أبرمت الصين مع تايوان اتفاقًا ينص على مبدأ «دولة صينية واحدة»، ويعتمد التفسير من قبل الطرفين على ما يناسبه لذلك المبدأ. هذا المبدأ هو محط الخلاف الرئيس الآن بعد انتخاب تساي، إذ تصر الصين على تمسك تايوان بعد فوز تساي بهذا المبدأ.

كما يعتقد الصينيون أن حجر أساس التنمية السلمية للعلاقات عبر المضيق، اهتز بالفعل بسبب فشل تساي في الاعتراف بالمبدأ الموقع عام 1992، فرغم أن تساي أعلنت أن «العلاقات عبر المضيق أصبحت جزءًا لا يتجزأ من بناء السلام الإقليمي والأمن الجماعي«، إلا أن الصينيين مصرّون على أن تساي غير واضحة في مواقفها حتى الآن، من طبيعة العلاقات بين «البر الرئيسي» ويقصد به جمهورية الصين الشعبية، وبين تايوان، بخاصة وأنها تدعو بالفعل إلى هوية وطنية تايوانية منفصلة تمامًا عن الصين.

مستقبل العلاقات التايوانية الصينية

«عزمُ الصين على حماية أراضيها وسيادتها صُلبٌ كالصخر»، جاءت هذه الجملة في بيان «شؤون تايوان في الصين»، وتعقيبًا على فوز الحزب الديمقراطي التقدمي. لم تكتفِ الصين ببيانها هذا، لكنها أيضًا، وبالتزامن مع حفل مراسم تنصيب الرئيس التايوانية الجديدة تساي إنغ وين، نفّذت تدريبات إنزال عسكرية في خليج تايوان، في إشارة واضحة إلى موقفها من الرئيس الجديدة وخطابها الرافض لتبعية بلادها إلى الصين. في الوقت نفسه، كانت تساي تخطب في حفل تنصيبها قائلةً إنّ «تايوان ستلعب دورًا يتسم بالمسؤولية في الحفاظ على السلام والاستقرار مع جارتها الصين، وستكون حارسًا أمينًا للسلام«. معلنة أنها ستحافظ على وضع الجزيرة الحالي.

رغم خطاب تساي الذي بدا مُطمئنًا، إلا أنه في فبراير (شباط) الماضي، أي بعد شهر من إعلان نتائج الانتخابات، نقلت الصين صواريخ «أرض- جو» إلى إحدى الجزر في سلسلة باراسيل، في بحر الصين الجنوبي، وذكرت الاستخبارات التايوانية أن الصين قامت بتصويب أكثر من 1.6 ألف صاروخ بالستي نحو أراضي الجزيرة.

في المحصلة، تمثل تساي التي ولدت بعد الانفصال عن الصين، مواقف الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي شكل فوزه في انتخابات غير مسبوقة أزمة حقيقية للصين، فبينما هي تسعى إلى ما تسميه استعادة وحدتها الترابية، والحفاظ على التبعية الاقتصادية لها، بات في تايوان رئيس وحزب حاكم، يسعيان إلى الاستقلال، ويرفضان التبعية الاقتصادية للصين.

على جانب آخر، تشكل علاقة الحزب الديمقراطي التقدمي بالولايات المتحدة الأمريكية نقطة توتر أخرى في العلاقة مع الصين؛ إذ سارعت الولايات إلى التأكيد على أنها لن تتخلى عن تايوان، أحد أبرز حلفائها في آسيا، وعجلت بإبداء دعمها للرئيس الجديدة، من أجل إحراز تقدم بشأن المصالح المشتركة، وتقوية العلاقة غير الرسمية بين البلدين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد