ألقى الاتحاد السوفيتي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1961م، «قنبلة القيصر»، أقوى قنبلة نووية في التاريخ، فوق جزيرة نائية شمال الدائرة القطبية الشمالية. الآن وبعد مرور قرابة 60 عامًا، رفعت روسيا السرية عن بعض اللقطات الخاصة بتجهيز وتفجير هذه القنبلة ونشرتها لأول مرة.

في الأسبوع الماضي، أصدرت شركة «Rosatom State Atomic Energy Corporation (الوكالة الذرية الروسية)» 40 دقيقة من اللقطات التي كانت مصنفة سرية سابقًا، والتي تظهر رحلة القنبلة من التصنيع وحتى ظهور سحابة فطر عش الغراب الشهيرة المرتبطة بالتفجيرات النووية. الآن، يمكننا مشاهدة كل ذلك على «يوتيوب»:

ورغم مرور ما يقرب من 60 عامًا على تفجير هذه القنبلة التي حطمت الرقم القياسي لأقوى تفجير، لم تقترب أي عبوة ناسفة واحدة من قوتها التدميرية، وظل الرقم القياسي لها صامدًا حتى يومنا هذا. والسؤال: ما هي هذه القنبلة وما الذي نعرفه عن هذا التفجير الأكبر في التاريخ البشري؟

كيف بدأ التفكير في قنبلة القيصر؟

بالإضافة إلى كونها مخصصة للاستخدام السياسي والدعاية في ظل الحرب الباردة؛ وكونها رد فعل على قدرات الردع النووي التي كانت تمتلكها الولايات المتحدة آنذاك، أنشئت «قنبلة القيصر» جزءًا من مفهوم القوات النووية الاستراتيجية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، الذي جرى تبنيه خلال حكم الرئيسين جورجي مالينكوف، ونيكيتا خروتشوف.

كان الهدف من القنبلة هو تحقيق انتقام مضمون بمستوى غير محدود من الضرر للعدو، في حالة توجيه الولايات المتحدة ضربة نووية إلى الاتحاد السوفيتي عبر استخدام نوعية أكثر قوة من القنابل النووية. لم تصمم «قنبلة القيصر» لتكون سلاحًا، ولكن من أجل إثبات مفهوم أن الرؤوس الحربية النووية الأكبر كانت ممكنة عمليًّا، ولممارسة ضغط نفسي على الولايات المتحدة. أظهرت الأبحاث أيضًا أن حجم ذخيرة سلاح نووي حراري يمكن زيادته بأقل زيادات في التكلفة تبلغ 60 سنتًا فقط لكل كيلو طن من القوة المتفجرة المكافئة لمادة «تي إن تي».

لا تنفع هذه القنبلة بشكل عملي في حرب حقيقية. فمثلًا، لم يكن ممكنًا نقلها إلى مسافات طويلة، وكانت هناك حاجة لإعادة تصميم الطائرة التي حملتها وألقتها في التجربة يوم 30 أكتوبر 1961م، رغم أن الموقع لم يكن بعيدًا. أضف إلى هذا أن الجزء الأكبر من قوتها التدميرية كان يتسرب إلى الفضاء في حال تفجيرها. لكن هذا كله لا ينفي أنها أقوى قنبلة عرفتها البشرية، وأنها تسببت في أضرار واسعة وغير مسبوقة على الأرض.

قصة تصميم القنبلة

بدأت أعمال تصميم هذه القنبلة في خريف 1954م إلى خريف 1961م (مع توقف لمدة عامين من 1959م إلى 1960م). في ذلك الوقت كان المطلوب هو إنشاء قنبلة نووية هيدروجينية بقوة 100 ميجا طن من مادة «تي إن تي». كانت هناك أسطورة شائعة مفادها أن «قنبلة القيصر» صممت بناءً على طلب شخصي من الرئيس نيكيتا خروتشوف، خلال 112 يومًا فقط ( من البحث والتطوير)، لكن هذا غير صحيح، إذ استغرق التطوير الفعلي للمرحلة النهائية من قنبلة القيصر فقط 112 يومًا بالفعل، وبالتالي لم يكن هذا إجمالي وقت أعمال التطوير كلها.

يختلف تصميم «قنبلة القيصر» التي أطلقت عن التصميم الأصلي الذي كان يراد بناؤه؛ إذ كان التصميم الأصلي ثلاثي المراحل وقادرًا على إنتاج ما يوازي 100 ميجا طن من «تي إن تي»، من خلال عملية الانشطار السريع، أي ما يوازي 3 آلاف مرة حجم قنبلتي هيروشيما وناجازاكي. لكن كان يعتقد أن هذا التصميم سيتسبب في الكثير من التداعيات النووية السيئة، ولم يكن حينها أمام الطائرة التي تحمل القنبلة الوقت الكافي للهروب من الانفجار.

للحد من التداعيات، كانت المرحلة الثالثة وربما الثانية تحتوي على عملية تقليل للتفاعل باستخدام الرصاص بدلًا من وقوع اندماج مادة اليورانيوم 238 (والذي يضخم تفاعل الاندماج عن طريق انشطار ذرات اليورانيوم عبر النيوترونات السريعة الناتجة من تفاعل الاندماج). أدى هذا إلى القضاء على الانشطار السريع بواسطة النيوترونات في مرحلة الاندماج بحيث إن ما يقرب من 97% من الناتج الإجمالي للطاقة نتج من الاندماج النووي الحراري وحده.

قنبلة قيصر مقارنة ببقية التفجيرات النووية – المصدر: Popular Mechanics

على هذا النحو، كانت هذه القنبلة واحدة من «أنظف» القنابل النووية التي أنشئت على الإطلاق؛ لأن تداعياتها الإشعاعية السلبية الناجمة عن عملية الانشطار كانت أقل ما يمكن. كان هناك حافز قوي لهذا التعديل لأن معظم التداعيات الناتجة من اختبار القنبلة كان من المحتمل أن يهبط على الأراضي السوفيتية المأهولة بالسكان.

القنبلة التي فجرت بالفعل كانت بقوة 50 ميجا طن وهو ما يعادل حوالي 1570 ضعف الطاقة المجمعة للقنابل التي دمرت هيروشيما وناجازاكي، و10 أضعاف الطاقة المجمعة لجميع المتفجرات التقليدية المستخدمة في الحرب العالمية الثانية، وحوالي 10% من المحصول المجمع لجميع التجارب النووية حتى الآن.

تستخدم القنبلة الهيدروجينية ثلاثية المراحل القنبلة الانشطارية الأولية من أجل توليد تفعيل القنبلة النووية الحرارية الثانوية، ثم تستخدم الطاقة من الانفجار الناتج لتفعيل المرحلة الثالثة مما ينتج منه طاقة إضافية أكبر بكثير. هناك أدلة على أن قنبلة القيصر كانت لها ثلاث مراحل وليست واحدة فقط، وهو ما نجم عنه هذا الانفجار التاريخي.

قنبلة القيصر والإبادة الكاملة

حتى مع نصف قوة القنبلة مقارنة بالنسخة الأصلية التي كانت مطلوبة، ظلت القنبلة قوية بشكل لا يمكن فهمه. كانت القنبلة أقوى بآلاف المرات من القنابل النووية التي فجرتها الولايات المتحدة فوق هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية، وجعلت من «تفجير قلعة برافو»، وهو أقوى سلاح نووي اختبرته الولايات المتحدة على الإطلاق، مجرد قزم صغير كونه أنتج ما يوازي 15 ميجا طن فقط.

على الرغم من أن القنبلة انفجرت على بعد أربعة كيلومترات فوق سطح الأرض، فإن الموجة التفجيرية الناتجة منها جردت الجزيرة من كل ما كان فوقها وجعلتها كما لو كانت مجرد حلبة تزلج ملساء. وبسبب قوة التفجير استطاع شهود عيان مشاهدة ضوء الانفجار على بعد أكثر من 965 كيلومترًا، بل شعر البعض بحرارة التفجير على بعد 250 كيلومترًا.

صعدت سحابة عيش الغراب العملاقة الناجمة عن تفجير القنبلة إلى أسفل حافة الفضاء على أطراف الغلاف الجوي للأرض. دمرت جميع المباني الخشبية والحجرية على بعد 55 كيلومترًا تقريبًا من نقطة السقوط. في المناطق السوفيتية الأخرى الواقعة على بعد أكثر من 150 كيلومترًا، هدمت المنازل الخشبية، وتضررت المنازل المبنية من الطوب والحجر، كما أبلغ عن انقطاع الاتصالات اللاسلكية.

علوم

منذ شهر
لا تسببه انفجارات نووية فقط.. تعرف إلى أسباب تَكوُّن سحابة فطر عيش الغراب

وكما أظهرت اللقطات الجديدة التي كشفت عنها روسيا، كانت «قنبلة القيصر» ضخمة، تزن 27 طنًّا ويبلغ طولها ما يعادل طول حافلة ذات طابقين. كان الانفجار قويًّا لدرجة أنه تسبب في طرد الطائرة التي أنزلتها من السماء، مما تسبب في هبوط الطائرة على ارتفاع 3 آلاف قدم (900 متر) قبل أن يتمكن الطيار من تصحيح مسارها. ولحسن الحظ، لم تنسب أي خسائر بشرية إلى تفجير القنبلة، ولم تختبر أي قنبلة مطابقة لقوتها مرة أخرى. وفي عام 1963م، وقَّعت الولايات المتحدة، واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية (الاتحاد السوفيتي)، والمملكة المتحدة معاهدة الحظر المحدود للتجارب النووية، التي تحظر تجارب الأسلحة النووية المحمولة جوًّا.

منذ ذلك الحين، استمرت التجارب النووية تحت الأرض، حيث تواصل الدول تخزين الأسلحة النووية، مما أدى أحيانًا إلى تغيير جغرافية الأرض من حولها. فقد تسببت إحدى التجارب النووية التي أجريت عام 2018م في كوريا الشمالية في انهيار جبل بأكمله فوق منشأة الاختبار، وهذا تذكير بأن العالم بالكاد يحتاج إلى قنبلة قيصر أخرى من أجل إحداث أضرار نووية مدمرة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد